الرئيسية / إسلاميات / أحداث تاريخية حدثت فى 6 رمضان “صور”
رمضان شهر الانتصارات

أحداث تاريخية حدثت فى 6 رمضان “صور”

صدى الأمة

محمود عبد الغنى

 

 

 

 

 

 

 

يقدم “صدى الأمة” أهم الأحداث التاريخية التى حدثت فى شهر الانتصارات شهر رمضان فتابعونا:

 

1 – نزول التوراة على النبي موسى

 

التوراة

في الكلام عن التوراة يجيء التكلم في علم العقائد، حيث هناك فرق بين الديانة السماوية والديانة غير السماوية والديانات السماوية هي التي أنزلها الله إلى الأرض مع رسله مقرونة بكتاب خاص لكل ديانة، ومن أجل ذلك سُميت الديانة السماوية بذلك، لأنها نزلت ومعها كتاب سماوي فيه تعاليم من الله عز وجل، ومن ضمن هذه الديانات الديانة اليهودية، والتي نزل معها الكتاب الخاص بها وهو التوراة.
وفى 6 رمضان نزلت التوراة على كليم الله موسى، وقطعاً كان هذا قبل ميلاد السيد المسيح، ولكن المؤرخين والفلكيين وأحبار اليهود الذين أسلموا مثل بن سلام وكعب الأحبار حددوا الفترة الزمنية التي نزلت فيها التوراة بأنها كانت في 6 رمضان.
وكلمة التوراة تعني بالترجمة العبرية “التعاليم والقوانين والتوجيهات” واللغويون حددوا اسم التوراة لغوياً واشتقاقاً من جملة “ورى الزند يري ، إذا قدح وظهر منه النار” فالتوراة تعني ضياء من الظلال. وتتكون التوراة من 5 أسفار.
فالسفر الأول هو سفر التكوين أو الخلق، وقد جاء فيه ذكر خلق العالم، وقصة آدم وحواء وأولادهما، ونوح والطوفان ثم قصة إبراهيم وابنه إسحاق وابنه يعقوب وعيسى، ثم قصة يوسف.
أما السفر الثاني فهو سفر الخروج الخاص باليهود الذين خرجوا من مصر وفيه قصة موسى ووالدته وبعثته، وفرعون وخروج بني إسرائيل من مصر، وصعود موسى الجبل وإيتاء الله له الألواح.
وعن الثالث فهو سفر اللاويين وفيه حكم القربان والطهارة وما يجوز أكله، وغير ذلك من الفرائض والحدود.
أما السفر قبل الأخير فهو سفر العدد، وله قسمان الأول يخص الشرائع والثاني في أخبار موسى وبني إسرائيل في التيه وقصة البقرة.
والسفر الخامس والأخير وهو سفر التثنية – أي إعادة الوحي ويهتم بالتشريع.
وهناك آراء غير جازمة ترى أن التوراة‌ نزلت‌ علی موسى‌ في‌ ليالي‌ المناجاة‌ تلك‌، لكن‌ من‌ الثابت‌ أنّ التوراة‌ كانت‌ ألواحاً علی موسى‌ عليه السّلام في‌ جبل‌ الطور في‌ أربعين‌ ليلة‌، فأخذها موسى‌ و أتي‌ بها قومه، ولأنّه‌ كان‌ غاضباً منهم‌، فقد ألقي‌ بالألواح‌ فتحطّم‌ بعضها، وكانت‌ بأجمعها من‌ الزمرّد، التوارة عند المسيحيين البروتستانت يؤمنون بالتوراة كما هي ويطلقون عليها العهد القديم.
أما المسلمون فيؤمنون بالتوراة ووجودها، إلا أنهم يؤمنون بأن التوراة قد طرح عليها تحريف كبير مثل الإنجيل تماماً.

2 – المسلمون يفتحون بلاد السند سنة 63 هجرية

 

فتح بلاد السند

وفق قصة الإسلام فقد تم فتح السند في 6 رمضان عام 92هـ حينما انتصر محمد بن القاسم على جيوش الهند عند نهر السند وتم فتح بلاد السند، وكان ابتداء ذلك عندما كتب الحجاج بن يوسف والي العراق رسالة إلى الخليفة الوليد بن عبد الملك يطلب فيها الإذن بغزو السند والهند، وأرسل الحجاج عبدَ الله بن نبهان السلمي لفتح الديبل فاستشهد، ثم أرسل بديل بن طهفة البجلي بثلاثة آلاف فاستشهد، فحـزن الحجـاج حتى قال لمؤذنه: يا مؤذن، اذكر اسم بديل كلما أقمت الأذان؛ لأتذكره وآخذ بثأره.
ثم عين الحجاج محمد بن القاسم الثقفي الذي كان عمره آنذاك سبعة عشر عامًا، فتحرك إلى مدينة شـيراز فعسكر بظاهرها، وبعد استكمال الاستعدادات في شيراز انطلق محمد بن القاسم ومعه اثنا عشر ألف مقاتل إلى الشرق حتى وصل “مكران”، ثم توجـه منها إلى “فنزبور”، ثم إلى “أرمائيـل”، ثم هجم المسلمون على مدينة الديبل، فاقتحموا أسوارها فدخلها ابن القاسم. ثم توجه إلى فتح “نيرون” – وموقعها الآن حيدر أباد- وعبر مياه السند في ستة أيام، ثم سار إلى حصن “سيوستان” المدينة المحصنة المرتفعة، فهرب حاكمها وفتحت المدينة أبوابها.
ثم سار ابن القاسم نحو حصن “سيويس” وفتحه، ثم عاد إلى نيرون، واتخذ قراره بعبـور نهر مهران للقاء داهر ملك السند، وبعد عبور الجيش سار ابن القاسم إلى منطقة “جيور”، ونزل بجيشه على مقربة من نهر (ددهاواه)، والتحم الجيشان في معركة استمرت 7 أيام، استخدمت فيها الفيلة، وكان عددها ستين فيلاً، وكان داهر على أكبرها، وقد عملت في المسلمين الأفاعيل، ولكن الله نصر المسلمين.
تتبع المسلمون فلول جيش داهر المقتول حتى حصن (راؤر) ففتحوه، ثم فتح ابن القاسم مدينة “دهليله”، ثم توجه إلى “برهمن اباذ” ففتحها، ثم واصل محمد بن القاسم جهاده ففتح العديد من المدن بعضها صلحًا وبعضها عنوة، وكان أهمها مدينة ملتان – وهي أعظم مدن السند الأعلى وأقوى حصونه- فامتنعت عليهم شهورًا، إلى أن اقتحم المسلمون الأسوار من بعدها وفتحوا الملتان، واستمر ابن القاسم في مسيره حتى وصلت فتوحاته إلى حدود كشمير، واستطاع أن يخضع السند لحكم الخلافة الإسلامية في مدة لم تتجاوز ثلاث سنين فقط.
نهاية محمد بن القاسم كانت صعبة كما جاء في كتاب الطبري ، حيث إنه ذهب ضحية للحقد، فتختلق الأكاذيب ضده لتلطخ بسوادها المنكر صحيفة بيضاء، ويمضي الشهيد إلى ربه صابرًا محتسبًا، فلم يكن للبطل محمد بن القاسم الثقفي من ذنب لدى الخليفة سليمان بن عبد الملك إلا أنه ابن عم غريمه الحجاج بن يوسف الثقفي، فانتقم الخليفة سليمان من الحجاج الذي عزله من قبلُ عن الخلافة في شخص محمد بن القاسم.
ووصل محمد بن القاسم الثقفي إلى العراق، بعد أن ادعت ابنة داهر ملك السند الذي قتله محمد بن القاسم أن محمد راودها عن نفسها ونالها قسرًا، فأرسله والي العراق صالح بن عبد الرحمن مقيدًا بالسلاسل إلى سجن مدينة واسط، وهناك عذبه شهورًا بشتى أنواع التعذيب حتى مات البطل الفاتح في سنة 95هـ، فخرجت الجموع الحاشدة لتوديعه باكية حزينة، لم يكن العرب وحدهم يبكون على مصيره، بل أهل السند من المسلمين، وحتى البرهميين والبوذيين، كانون يذرفون الدموع الغزيرة، وصوَّره الهنود بالحصى على جدرانهم ليبقى شخصه ماثلاً للعيون، وجزعوا لفراقه جزعًا شديدًا.
مات محمد بن القاسم الثقفي ولم يبلغ الرابعة والعشرين من عمره بعد أن فتح الفتوح وقاد الجيوش وضم الباكستان العظيمة إلى رقعة الإسلام، فاستضاء بجهاده وبمن جاء بعده مائة مليون مسلم.

3 – “وامعتصماه واإسلاماه” .. حصار عمورية سنة 223 هجرية

 

فتح عمورية

لا كلام عن حصار عمورية دون الكلام عما أسفرت عنه فتنة خلق القرآن من نتائج على الدولة الإسلامية ـ وفق قصة الإسلام ـ ، أنِ اتَّصل قادتها – وعلى رأسهم بابك- بإمبراطور الروم يستحثُّونه، ويطلبون منه مهاجمة الخلافة الإسلامية العباسية التي انشغلت بقتالهم، وكان مما قالوه له: إنَّ المعتصم لم يُبْقِ على بابه أحدا، فإنْ أردت الخروج إليه فليس في وجهك أحدٌ يمنعك.
استجاب ملك الروم “توفيل ميخائيل” لاستغاثة بابك، وجهَّز جيشًا يزيد قُوامه على مائة ألف جندي، وسار به إلى بلاد الإسلام، فهاجم المدن والقرى يقتل ويأسر ويمثِّل، وكانت مدينة ملطيَّة من المدن التي خرَّبها الملك توفيل، حيث قتل الكثير من أهلها، وأسر نساءها المسلمات، حتى إنَّ عددهن بلغ ألف امرأة، وكان يمثِّل بالمسلمين فيقطع آذانهم وأُنوفهم، ويَسْمِلُ أعينهم.
وكان من بين الأسيرات امرأة هاشمية تُدعى “شراة العلوية”، استغاثت بالخليفة المعتصم في أسرها، ونقل ذلك إليه؛ فلبى استغاثتها.
كما أنَّ المسلمين جميعًا في سائر الأمصار ضجُّوا واستغاثوا في المساجد والديار، ودخل إبراهيم بن المهدي على المعتصم، فانشده -قائمًا- قصيدةً طويلة يذكر فيها ما نزل بالمسلمين، ويحضُّه على الانتصار، ويحثُّه على الجهاد.
فخرج المعتصم من فوره نافرًا، عليه درَّاعةٌ من صوفٍ بيضاء، وقد تعمَّم بعمامة الغزاة، وعسكر غربي دجلة، وأرسل طائفة من الأمراء ومعهم جيش كبير كإعانة عاجلة للمسلمين، وساروا إلى تلك الديار؛ فوجدوا الروم قد انسحبوا، حينئذ عادوا للمعتصم رحمه الله.
ولم يكن خليفة المسلمين ليسكت على ما حلَّ بالمسلمين، وكيف يسكت وأصوات الاستغاثات ما زالت تتردَّد أصداؤها في أذنيه، وأسرى المسلمين مع الروم؛ ولذا جمع الأمراء وسألهم: أيُّ بلاد الروم أمنع وأحصن؟ قالوا: عمُّوريَّة، لم يعرض لها أحدٌ من المسلمين منذ كان الإسلام، وهي عندهم أشرف من عاصمتهم القسطنطينية (بيزنطة) فقال: هي هدفنا.
وبدأ الخليفة يستعدُّ، فاستدعى الجيوش وتجهَّز جهازًا قيل: إنَّه لم يتجهَّز قبله بمثله، ولا غرو في ذلك؛ فالهدف عظيم، وقد أراد الله أن يجعلها حاسمة لا تقوم للروم بعدها قائمة، بل إنَّ أهدافه تعدَّت مجرَّد الأخذ بالثأر وتأديب الروم إلى فتح بلادهم كلها وضمِّها للمسلمين.
خرج المعتصم إلى عمُّوريَّة في (جمادى الأولى 223هـ/ إبريل 838م)، ولم تكن من عادة الحملات الكبرى الخروج في ذلك الوقت، غير أنَّ الخليفة كان متلهِّفًا للقاء، ورفض قبول توقيت المنجِّمين الذين تنبَّأوا بفشل الحملة إذا خرجت في هذا التوقيت.
وسار المعتصم في جحافل أمثال الجبال، وبعث الأمراء إلى مناطق الثغور، ووصل إلى قُرب طرطوس، وعند (سروج) قَسَّمَ المعتصم جيشه الجرَّار إلى فرقتين؛ الأولى بقيادة الأفشين، ووجهتها أنقرة، وسار هو بالفرقة الثانية، وبعث “أشناس” بقسم منها إلى أنقرة، ولكن من طريقٍ آخر، وسار هو في إثره، على أن يلتقي الجميع عند أنقرة.
علم المعتصم من عيونه المنتشرين في المنطقة أنَّ إمبراطور الروم قد كمن شهرًا لملاقاة الجيش الإسلامي على غرَّة، وأنَّه ذهب لمفاجأة الأفشين، وحاول الخليفة أنْ يُحَذِّرَ قائده، لكنه لم يستطع، واصطدم الأفشين بقوات الإمبراطور عند “دزمون”، وألحق الأفشين بإمبراطور الروم هزيمة مدوِّية في (25 من شعبان 223هـ/ 838م)، ولم يَحُلْ دون النصر الضباب الكثيف الذي أحاط بأرض المعركة أو المطر الغزير الذي انهمر دون انقطاع، وهرب الإمبراطور إلى القسطنطينية، وبقي قسم من جيشه في عمُّوريَّة بقيادة خاله “مناطس” حاكم “أناتوليا”.
دخلت جيوش المعتصم أنقرة التي كانت قد أُخليت بعد هزيمة الإمبراطور، وتوجَّهت إلى عمورية فوافتها بعد عشرة أيام، وضربت عليها حصارًا شديدًا.
بدأ الحصار في (6 رمضان 223هـ/ 1 أغسطس 838م)، وكانت عمورية مدينة عظيمة جدًّا، ذات سور منيع وأبراج عالية كبار كثيرة، وقد تحصَّن أهلها تحصُّنًا شديدًا، وملئوا أبراجها بالرجال والسلاح، ولكنَّ ذلك لم يَفُتَّ في عضد المسلمين. في الوقت نفسه بعث إمبراطور الروم برسوله يطلب الصلح، ويعتذر عمَّا فعله جيشه بمدينة ملطية، وتعهَّد بأن يبنيها ويردَّ ما أخذه منها، ويُفرج عن أسرى المسلمين الذين عنده، لكنَّ الخليفة رفض الصلح، ولم يأذن للرسول بالعودة حتى أنجز فتح عمورية. ابتدأت المناوشات بتبادل قذف الحجارة ورمي السهام، فقُتل كثيرون، وكان يمكن أنْ يستمرَّ هذا الحصار مدة طويلة، لولا أنَّ أسيرًا عربيًّا قد أسره الروم دلَّ الخليفة المعتصم على جانبٍ ضعيفٍ في السور، فأمر المعتصم بتكثيف الهجوم عليه حتى انهار، وانهارت معه قوى المدافعين عنه بعد أن يئسوا من المقاومة.

4 – انتصار المسلمين على الصليبيين في الرها سنة 532 هجرية

 

معركة الرها

وفق البيان ومع سيرة عماد الدين زنكي ، فالرّها مدينة قديمة مشهورة من أمهات مدن إقليم الجزيرة الواقعة بين نهري دجلة والفرات. وهي تقع بين الموصل والشام إلى الشمال من مدينة حلب، واسمها بالرومية أديسا، وسكانها تنوّعت أصولهم ما بين عناصر سامية قديمة وغالبية سريانية منتمية إلى الآراميين، وقد اعتنقوا المسيحية.
وتعتبر مدينة الرها أهم أمكنتهم الدينية والتاريخية، وكان الذي فتحها هو الصحابي عياض بن غنم سنة 17هـ وكان فتحها صلحاً ودخل أهل سائر الجزيرة فيما دخل فيه أهل الرهاء من الصلح وهي اليوم تحت سيادة الدولة التركية وتُدعى (أورفا).
وقد وصفها الحميري في (الروض المعطار) فقال: الرهاء – بضم الراء والمد– مدينة من أرض الجزيرة متصلة بحران، وإليها ينسب الورق الجيد من ورق المصاحف، وهي مدينة ذات عيون كثيرة عجيبة تجري منها الأنهار، وبينها وبين حران ستة فراسخ. والرهاء مدينة رومية عليها سور حجارة تدخل منها أنهار وتخرج عنها، وهي سهلية جبلية كثيرة البساتين والخيرات، مسندة إلى جبل مشرفة على بساط من الأرض ممتد إلى حران وليس في جميع بلاد الجزيرة أحسن منها منتزهات ولا أكثر منها فواكه، وعنابها على قدر التفاح، وقد ذكر أنه لم يوجد بناء خشب أحسن من بناء كنيستها، لأنها مبنية بخشب العناب… إلخ.
وقد احتل الصليبيون الرها سنة 1097م، ونظراً لأهميتها الاستراتيجية والاقتصادية والدينية، فقد أنشؤوا فيها إمارة صليبية كانت هي أولى إماراتهم في الشرق.
ولم يكد يمرّ عامان على تأسيس الرها، حتى أصبح أميرها ومؤسسها (بلدوين) ملكاً على مملكة بيت المقدس، فتولى أمرها بلدوين دي بورغ حتى سنة 512هـ/1118م، ثم تبعه جوسلين الأول، فجوسلين الثاني حتى سنة 539هـ/1144م، وهو تاريخ تحريرها من قبل عماد الدين زنكي.
وكانت إمارة الرها هذه أكبر وأخطر مستعمرة صليبية في المشرق بعد مملكة بيت المقدس، وكان خطرها يرجع إلى كونها أقيمت في عمق بلاد المسلمين وليس على الساحل، كبقية الإمارات الصليبية، وكان وجودها في داخل بلاد المسلمين قد جعلها تشكل حداً فاصلاً بين الأتراك السلاجقة في كل من إيران والأناضول، من جهة، وبين العراق والشام من جهة أخرى
ومن ناحية ثانية، فإن هذه الإمارة الصليبية كانت تشكل خطراً كبيراً على مدينة الموصل وما يتبعها، مثل: نصيبين، ورأس العين، وماردين، وحران، والرقة، وكذلك بالنسبة لديار بكر وما يتبعها في أعالي دجلة، وكانت في نفس الوقت تشكل تهديداً لمدينة حلب ولشمال الشام كله، لا سيما مع وجود إمارة إنطاكية بإزاء مدينة حلب على الساحل الشامي، هذا فضلاً عما يمثلهُ قربها من العراق من تهديد للخلافة الإسلامية، التي تعد رمز الوحدة بين المسلمين.
كما كانت هذه الإمارة، من جهة ثالثة، مصدر خطر كبير على الطريق البري الممتد من مدينة الموصل إلى مدينة حلب، وكان جوسلين (كونت الرها) يطلق قواته للإغارة على بلاد المسلمين القريبة من الرها، وقطع الطرق، وممارسة أعمال السلب والنهب، بصورة مستمرة.
كما أنه كان قد استغل انشغال عماد الدين زنكي بقتال الصليبيين في جنوب الشام، فقام بتوسيع حدود إمارته، فبسط سيطرته على مناطق كثيرة في غربي الفرات.
ولم يكن عماد الدين زنكي غافلاً عما كان يقوم به جوسلين كونت الرها وقواته من تحرشات واستفزازات للمسلمين، لكنه ظل يترقب الفرصة المناسبة لتوجيه ضربة قاضية لهذه الإمارة الصليبية المعادية، وقد كان هذا الخيار أشدّ إلحاحاً بعد تزايد خطر الكونت جوسلين واطراد أعماله العدوانية ضد المسلمين وممتلكاتهم، وكثرة شكاوى المسلمين منه إلى عماد الدين زنكي.
مع كون هذه الإمارة الصليبية كانت شوكة في خاصرته، وكانت تشكل تهديداً مباشراً لإمارته، وتقف حجر عثرة في طريقه تحول بينه وبين التوجه لقتال الصليبيين في جنوب بلاد الشام، حيث تتركز قواتهم
وهكذا وضع عماد الدين زنكي مسألة تحرير مدينة الرها نصب عينيه، وأعدّ لذلك خطة محكمة أحاطها بالسرية التامة، كما أنه لم يُظهر أي سوء نية تجاه أميرها (جوسلين)، وذلك لضمان نجاح الخطة وعدم فشلها؛ ذلك أن الكونت جوسلين إلى جانب شهرته بالغدر والقسوة والأطماع الواسعة، كان معروفاً بالدهاء والشجاعة والفروسية، ومتميزاً بالكفاءة القيادية والإدارية، ولو أنه علم، أو حتى شك، بما يدبره له عماد الدين لاستعد له، ولاستنفر قوى الصليبيين التي من حوله، وحشدها إلى جانبه، ولظل متأهباً على الدوام لصد أي هجوم على إمارته قد يقوم به ضده.
ففي نوفمبر 1144م خرج عماد الدين زنكي بقواته من مدينة الموصل متظاهراً بغزو ديار بكر الواقعة في أعالي دجلة، بعد أن كان قد حيل بينه وبينها في العام السابق. ويبدو أنه كان يتابع بصورة سرية تحركات الكونت جوسلين. وقد يكون سبب اختياره لهذا التوقيت بالذات هو علمه بأنه موعد مغادرته إلى قاعدة إمارته، إلى إمارة إنطاكية، لحضور احتفالات عيد الميلاد التي تُقام فيها سنوياً حسب العادة – بما يتخلل هذه المناسبة عند النصارى من ضروب اللهو والعربدة والصخب، والتي كان يميل إليها الكونت جوسلين.
وفعلاً، فمع خروج عماد الدين زنكي على رأس جيشه من مدينة الموصل، غادر الكونت جوسلين مدينة الرها متوجهاً إلى إنطاكية وهو في تمام الاطمئنان على مدينته، نظراً لتصوره أن عماد الدين زنكي منشغل عنه، ولما علم عماد الدين بأمر مغادرته، أرسل مباشرة إلى أمير حماه يطلب منه توجيه قواته إلى مدينة الرها على وجه السرعة، وما لبث هو نفسه حتى انحرف بقواته غرباً، فأطبق الجيشان (جيش حماه وجيش الموصل) على مدينة الرها في وقتٍ واحد، وذلك في 28 نوفمبر 1144م، وأحكما الحصار حولها، وباشر النقابون في العمل لفتح ثغرات في سور المدينة تحت غطاء الهجمات التي كانت تشنها القوات الإسلامية على حامية المدينة.
وقد استمر الحصار أربعة أسابيع كان الكونت جوسلين قد علم خلالها بما تتعرض له قاعدة إمارته، فعاد أدراجه إليها، لكنه لم يجرؤ على الاقتراب منها، ولجأ إلى قرية مجاورة على الضفة الغربية للفرات تدعى «تل باشر»، ومكث فيها منتظراً وصول المدد من إمارة إنطاكية ومن مملكة بيت المقدس، اللتين كان قد بعث إليهما يستنفرهما لنجدته، إلا أن الجيوش الصليبية وصلت بعد أن كانت الجيوش الإسلامية قد اقتحمت المدينة ودخلتها عنوة، بما في ذلك اقتحام قلعتها الحصينة.
وقد كان للمباغتة دورها الحاسم في سرعة سقوط قلعة المدينة العصية بأيدي قوات عماد الدين التي داهمتها في وقت لم تكن فيه حاميتها مستعدة للصمود لحصار طويل.
وهكذا دخل عماد الدين مدينة الرها، وأمر جنوده برد كل ما أخذوه من أهلها دون وجه حق، وسار فيهم بالعدل والسيرة الحسنة، ومنع من التعرض لكنائسهم وعبادتهم، وكان نموذجاً رائعاً للقائد المسلم الفاتح في سماحته وتواضعه وعفته. وعاد الأذان يصدح من جديد في هذه المدينة بعد أن توقف نحو خمسين عاماً بسبب الاحتلال الصليبي، ولم يترك عماد الدين المدينة إلا بعد أن عادت الطمأنينة إلى أهلها، وأعاد ترميم أسوارها وتحصينها، ونظم حامية للدفاع عنها، وزودها بما تحتاج إليه من مؤن وعتاد ووسائل دفاع.
استطاع عماد الدين زنكي بعد تحرير هذه المدينة المهمة تصفية الوجود الصليبي في شرقي الفرات، فاستولى على ما كان للصليبيين من حصون ومعاقل هناك، كما تمكن من تحرير مدينة سروج وسائر الأماكن التي كانت تابعة لإمارة الرها في غرب الفرات، كما تم تأمين الطريق الرئيسية الممتدة من الموصل إلى حلب والطرق المتفرعة عنها من غارات الصليبيين، فأمن المسلمون على أموالهم وممتلكاتهم وأعراضهم في تلك الأنحاء بعد طول قلقٍ ومعاناة.
وقد كان تحرير مدينة الرها أعظم انتصار حققه المسلمون على الصليبيين منذ أن جاؤوا إلى المشرق الإسلامي، فانتعشت بهذا الانتصار آمال المسلمين، وارتفعت معنوياتهم، وعلت صيحتهم الداعية للجهاد والتعاون والتضامن لطرد الغزاة الصليبيين من ديار المسلمين، لا سيما أن هذا الانتصار برهن على قوة المسلمين وما يتوافر لديهم من إمكانيات تتيح لهم إلحاق الهزائم بالصليبيين والنيل منهم.
كما أن هذا الانتصار عزز من سمعة ومكانة الأتابك عماد الدين زنكي، وأعلى من شأنه بين أمراء المسلمين، ودعم موقفه في جهاده ضد الصليبيين في بلاد الشام. فهذا الخليفة العباسي يبتهج بهذا الانتصار فيرسل وفداً إلى عماد الدين محملاً بالهدايا الثمينة ويمنحه لقب (الملك الغازي)، تشريفاً له وإيذاناً بإطلاق يده في مواجهة الصليبيين.
ومن جهة أخرى، فقد هزّ تحرير الرها جبهة الفرنج في الصميم، وأثار ذلك قلقاً شديداً لدى البابوية والغرب الأوروبي، وأشعل نيران الحملة الصليبية الثانية التي كانت إنطاكية العنوان الرئيسي لها، نتيجة كونها أصبحت مكشوفة أمام المسلمين، باعتبار أن مدينة الرها المحررة كانت خطها الدفاعي الحصين. وقد عد بعض المؤرخين الأوروبيين تحرير الرها بداية النهاية لمملكة بيت المقدس الصليبية.
بيد أنه لم يكتب للأتابك عماد الدين زنكي مواصلة مشواره الجهادي والتصدي لهذه الحملة، فقد لقي حتفه غيلة في 6 ربيع الآخر 540هـ الموافق 15 سبتمبر 1146م، على يد كبير حراسه، وكان من الحشاشين الفاطميين ، وذلك أثناء حصاره قلعة «جعبر»، على نهر الفرات، بعد مرور عام وبضعة أشهر على تحريره مدينة الرها.
وبعد استشهاده حاول الصليبيون استعادة الرها من جديد، إلا أن ابنه الملك الصالح نور الدين محمود، الذي خلفه على إمارة حلب، تصدى لهم بكل جسارة، وكان نور الدين هذا من خيرة حكام المسلمين وأصلحهم وأتقاهم، بعد عمر بن عبد العزيز، كما قال ابن كثير وغيره، وكان يفوق والده عزماً وحماسة وهمة للجهاد في سبيل الله، ولطرد الصليبيين الجاثمين في بلاد المسلمين، وكان له شرف التصدي للحملة الصليبية الثانية. وفي عهده تغيّر الموقف تغيّراً حاسماً لصالح المسلمين، وخاب أمل المرجفين الذين راهنوا على انقسام مُلك عماد الدين زنكي وتوقف عجلة الجهاد بعد وفاته.

5 – وفاة الخديوي إسماعيل سنة 1312 هجرية

 

الخديوى إسماعيل

الخديوي إسماعيل، هو واحد من أكثر الشخصيات التاريخية الهامة والبارزة في تاريخ مصر في القرن التاسع عشر؛ فقد كان صاحب مشروع مُكمِّل لمشروع جدِّه الكبير محمد علي باشا في بناء دولة مستقلة قوية تقتبس من الغرب علومه ومعارفه لبناء نهضتها وحضارتها؛ لذا داعبت أحلامه أن تكون مصر “قطعة من أوربا”، وشهد عمره إنجازات كبيرة، في مجالات عدة، منها: زيادة الرقعة الزراعية، وشقّ الترع الضخمة، وبناء القاهرة الحديثة، والاهتمام بالآثار والتعليم، ومنها أيضا تأسيس أول مجلس للشورى النواب في تاريخ مصر. بالإضافة إلى محاولاته بناء إمبراطورية مصرية في أفريقيا، على غرار الدول الكبرى، وهو ما رفضته أوروبا الاستعمارية؛ خوفا على مصالحها، ولذلك سعتْ في تحطيم مشروعه النهضوي، وعزله عن حكم مصر، ثم تشويه صورته وإنجازاته في إطار حملة شعواء، حاولت أن تُفقد هذا الرجل اعتباره ومكانته، وتصويره على أنه مسرف منحلٌّ مستبدٌّ طاغية، استولى على السلطة والثروة وأنفقها بلا حساب.
وُلد إسماعيل في 1830م بالقاهرة وتلَّقى تعليمه بمدرسة خاصة أنشأها جده محمد علي بالقصر العالي بالقاهرة؛ حيث تخرج فيها على يد نخبة من الأساتذة، فتعلم مبادئ العلوم واللغة العربية واللغتين الفارسية والتركية، ولما أتمَّ السادسة عشرة من عمره أوفده جده في بعثة علمية إلى باريس؛ حيث التحق بكلية “سان سير” العسكرية الشهيرة التي تخرج فيها كثير من الأمراء والقادة العسكريين المصريين، ووصفه أحد أساتذته في الكلية بأنه طراز فريد نادر لمن وُلد ليحكم، وربما ليصنع التاريخ.
وبعد عودته إلى مصر سطع نجمه، وذاعت شهرته، وخاصة بعدما آلت إليه ولاية العهد، وعُرفت عنه كفاءته السياسية والإدارية، ومثَّلَ مصر في العديد من المهام الخارجية، ثم آل إليه حكم مصر في مثل هذا اليوم 18 يناير سنة 1863م فكانت مرحلة جديدة في تاريخه وتاريخ مصر. كان إسماعيل يطمح في توسيع سلطانه وإقامة دولة قوية في مصر بعدما حطمت الدول الأوروبية آمال جده محمد علي باشا في إقامة دولة مصرية كبرى قبل عشرين عامًا، واستوعب الحفيد إسماعيل دروس أسلافه، وسعى إلى أن يتفادى الأخطاء والأخطار التي وقعوا فيها باتّباعه طرقا ووسائل سياسية مختلفة؛ فقرر ألا يصطدم بالدولة العثمانية، وأدرك أن المال أمضى من السيف في قضاء المصالح في الأستانة.
ونجح إسماعيل في بداية ولايته أن يقنع السلطان العثماني بزيارة مصر، وكانت أول زيارة لسلطان عثماني لمصر بعد فتحها العثماني على يد سليم الأول، وحصل إسماعيل على لقب “خديوي” (وهي كلمة فارسية تعني السيد أو المليك)، ثم صدر فرمان آخر يقضي بتغيير نظام وراثة ولاية مصر من أكبر أبناء أسرة محمد علي إلى أكبر أبناء إسماعيل، وبذلك أصبح يتمتع بقدر كبير من الاستقلال، خاصة في النواحي الإدارية والتشريعية والمالية، ثم استصدر فرمانا آخر من السلطان يعترف بأن السودان وما يفتحه الخديوي فيه من أملاك الخديوية المصرية، ثم توالت الفرمانات التي توسّع استقلال مصر الذاتي فيما يتعلق بسنّ القوانين والنظم، وإبرام الاتفاقيات الجمركية والمعاهدات التجارية، وعقد القروض وزيادة عدد الجيش وبناء السفن الحربية. أما العلاقات مع الدول الأوروبية فقرر إسماعيل ألا يصطدم بأوربا، وأن يستفيد من المتناقضات بينها لتحقيق مصالحه، وأن يبني دولته الحديثة بالتعاون مع أوربا وليس بالتحدي لها؛ لذا انفتح عليها جميعا بلا تميز ولا تحيز، بل وسَّع علاقاته، وأقام لأول مرة علاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وتفاديًّا للصدام مع أوروبا قرر أن يكون توسعه نحو الجنوب في القارة الأفريقية المجهولة. وقد ساعد القدَر إسماعيل على تحقيق حلمه؛ إذ ارتفعت أسعار القطن ارتفاعًا كبيرًا بعد نشوب الحرب الأهلية الأمريكية، واتجهت مصانع الغزل والنسيج الإنجليزية إلى القطن المصري الذي أصبح “سيد الأقطان”، وجنت مصر من وراء ذلك أرباحًا كثيرة. بدأ إسماعيل عهده بإلغاء نظام السخرة الذي أرهق المصريين، وتحرير التجارة، والاهتمام بالتعليم؛ باعتباره أساس الرقي والتقدم؛ فشهد عصره إتمام حفر قناة السويس، واحتفل بافتتاحها سنة 1869م احتفالاً باهرًا؛ حيث دعا إلى الحفل ملوك أوروبا، وأنفق عليه ببذخ شديد، وبمناسبة هذا الحفل أنشأ دار الأوبرا، وحديقة الأزبكية، واختط شارع الهرم، وأنشأ سككًا حديدية بطول 1085 ميلاً، وشيد مدينة الإسماعيلية.
واهتم بالجيش؛ فأعاد تنظيمه وتدريبه، وأنشأ مختلف المدارس الحربية، واهتم بتثقيف العسكريين من خلال صحيفتين متخصصتين، واستعان بالضباط الأمريكيين في تدريب الجيش المصري، ووصل تعداد الجيش حوالي 120 ألف جندي. واستنادا إلى عناصر القوة العسكرية والاقتصادية تلك تطلع إلى توسيع الممتلكات المصرية في الجنوب والجنوب الشرقي؛ حيث توغلت القوات المصرية حتى وصلت أوغندا؛ بهدف إدخال منابع النيل داخل الممتلكات المصرية من المنبع إلى المصب.
وفي مجال التعليم والثقافة أعاد ديوان المدارس، وأنشئت في عهده حوالي 4817 مدرسة، بالإضافة إلى 5 مدارس في السودان، وافتتح مدرسة للخرس والعميان، وأنشأ أول مدرسة للبنات في مصر، وأمر أن تكون اللغة العربية لغة الدواوين بدلا من اللغة التركية، وأنشأ “دار الكتب المصرية”، وأعاد صحيفة الوقائع المصرية، وازدهرت الصحافة في عهده.
وزادت الرقعة الزراعية في عهده بمقدار مليون فدان تقريبًا، ونمت ثروة مصر الزراعية، وشُقت العديد من الترع، وبلغ عدد ما حُفر وأصلح 112 ترعة، أهمها الإبراهيمية بطول 267كم، والإسماعيلية بطول 129كم، وأعيد تخطيط المدن وتجميلها في عصره، وبنيت القصور الفخمة الفارهة (حوالي 30 قصرا) كقصر عابدين الذي اتخذه مقرًّا للحكم بدلا من القلعة، وحوَّل مجرى النيل في وسط القاهرة، وأنشأ أول كوبري على النيل (كوبري قصر النيل)، وأنشأ عددًا من الميادين، وشوارع هامة في القاهرة. ويعتبر الخديوي إسماعيل أول من وضع نواة للحياة السياسية والدستورية الحديثة في مصر؛ حيث أسس أول مجلس لشورى النواب في تاريخ مصر سنة 1866م، وأنشأ عددًا من الهيئات النيابية المحلية في المراكز والمديريات، وطوّر النظام القضائي، وأنشئت المحاكم المختلفة التي أدت إلى إضعاف فعالية الامتيازات الأجنبية.
تكلّفت خزانة مصر الكثير من الأموال بسبب إصلاحات إسماعيل وتوسعاته، وتراكمت الديون عليها، خاصة بعد انخفاض أسعار القطن انخفاضًا كبيرًا بعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية، وكانت الدول الغربية الكبرى تدرك أن الديون أسهل وسيلة للتدخل في شؤون الدولة المَدينة، وفرض الوصاية المالية عليها، ثم السيطرة عليها في مرحلة لاحقة.
وقد تجددت مخاوف هذه الدول من قيام إمبراطورية مصرية أفريقية تؤثر على مصالح الدول الاستعمارية الغربية.
وقد حاول إسماعيل أن يسد العجز في الميزانية عن طريق الضرائب المختلفة، إلا أنه لم يفلح في ذلك، فلجأ إلى الاستدانة من الخارج، وتدافعت البنوك والمؤسسات المالية على إقراضه، ولكن سماسرة الديون وقناصل الدول أخذوا ما يقرب من 40 مليون جنيه إسترليني من قروض مصر البالغة 90 مليونًا، وكان هذا غبنًا فاحشًا؛ فتعثرت مصر عن السداد، واضطرت إلى بيع أسهمها في قناة السويس بمبلغ هزيل للإنجليز، وهو ما جعلها على حافة الإفلاس والخراب المالي، وكان ذلك ذريعة لمزيد من التدخل الأجنبي، فأنشأت الدول الدائنة “صندوق الدين”، وعينوا مراقبَين ماليين: أحدهما إنجليزيي، والآخر فرنسي؛ لمراقبة إيرادات ومصروفات البلاد، بل إن الوزارة دخلها وزيران أوربيان لأول مرة في تاريخ مصر.
وانتهى الأمر إلى طلب الدائنين فرض الوصاية المالية الكاملة على مصر، وأن يكون لسداد الديون الأولوية المطلقة.
وأدى هذا التعنت الأوروبي إلى انتفاضة وطنية تلقائية في إبريل 1879 جمعت قادة وطوائف الشعب المصري المختلفة، دعوا خلالها إلى اكتتاب عام لسداد قسط الدين الذي تعثرت الدولة في سداده، ويبلغ 1.5 مليون جنيه إسترليني، وتم تحصيله على الفور وسداده.
ودعوا أيضا إلى إقامة حياة نيابية كاملة، والعمل على سداد الديون والوقوف أمام التدخل الأجنبي، والتقوا الخديوي إسماعيل الذي أقر مطالبهم، وهو ما أثار مخاوف الدول الغربية، وقدم قنصلا بريطانيا وفرنسا إنذارا إلى إسماعيل بأن يرجع عن تأييد المشروع الوطني، وإلا فإنهما سيتخذان الأساليب المختلفة لعزله. رفض إسماعيل إنذار القنصلين، وأصدر مرسومًا بتسوية الديون، وإزاحة الوزيرين البريطاني والفرنسي من الوزارة، وشكل شريف باشا وزارة وطنية؛ فتعالت الاحتجاجات الغربية من أصحاب الديون، وبدا المشهد أن أوروبا قد أعلنت الحرب على إسماعيل، وسعت لعزله وكسر شوكته، وكان أحد أشكال حربها هو أن تلجأ إلى الباب العالي لتحصل منه على فرمان بعزل الخديوي الذي تفاقمت ديونه بسبب إسرافه؛ فناصر إسماعيل الحركة الوطنية، وقبل بمبدأ مسؤولية الوزارة أمام مجلس النواب، وسعى لمقاومة التدخل الأوروبي.
ويبدو أن الدول الأوروبية أدركت أن سعيها لدى السلطان العثماني لعزل إسماعيل يعطي السلطان حقًّا قد فقده منذ زمن طويل، فحاولت الضغط على إسماعيل للتنازل عن عرشه، ولكنه تعامل معهم تعامل النمر الجريح، فرفض طلبهم، ورفض التنازل، وقرر أن يخوض المعركة حتى النهاية، غير أن الأوضاع لم تكن في صالحه؛ فكان يسبح ضد التيار، ولم يستطع إخراج نفسه من المأزق الذي وضع نفسه بداخله. ولم تجد الدول الأوروبية بُدًّا من اللجوء إلى السلطان العثماني لعزل إسماعيل، ووجدت هذه الدول الطريق معبَّدًا أمامها في الأستانة؛ لأن الدولة العثمانية لم تُكنّ عطفًا له لنزعته الاستقلالية، كما أنها في حاجة إلى تأكيد هيبتها وسلطتها؛ إذ لا توجد سلطة أقوى من إسقاط صاحب العرش عن عرشه، وإقصاء الملك عن ملكه!! وفي الأستانة التقت المصالح، وتقارب الفرقاء، وتحالف الأعداء على ضرورة عزل الخديوي إسماعيل عن حكم مصر، وأصدر السلطان العثماني فرمانه في 8 يوليو 1879م بعزل إسماعيل عن حكم مصر، وتنصيب ابنه الأكبر محمد توفيق باشا على مصر بعدما حكم مصر 17 عامًا ضاقت الدنيا بإسماعيل بعد عزله، ولم يعرف أين يذهب بعدما رفض السلطان العثماني أن يعيش في الأستانة أو أي مكان في الدولة العثمانية أما الدول الأوروبية، فأعلنت الكراهية له، وانتهى به الأمر إلى أن يعيش في نابولي بإيطاليا، فأقام فيها هو وزوجاته وحاشيته، ولم تفارقه آماله بالعودة إلى مصر وعرشها، ولكن آماله ومساعيه أخفقت، ثم انتهى به الأمر إلى أن استقر في الأستانة في قصر يملكه على البوسفور.
وبعدما قضى حوالي 16 عامًا في منفاه لم يعد لمصر إلا ميتًا، حيث دفن في مسجد الرفاعي.

6 – وفاة المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة سنة 1429 هجرية

 

سيادة المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة

في 6 سبتمبر سنة 2008 الموافق 6 من شهر رمضان من عام 1429 هجرية كانت مصر مع خبر فقدان محمد عبدالحليم أبو غزالة ، أحد أبناء القوات المسلحة الذين عاشوا في صمت ورحلوا في غموض بعد قصة صعود انتهت بالأفول ونزل الخبر على المصريين كالصاعقة لأن أغلب المصريين كان يعتقد أن المشير ابو غزالة قد مات منذ زمن نظراً لحالة التعتيم التي فُرضت عليه منذ إقصائه عن منصبه كوزير للدفاع بدون مقدمات ودارت التكهنات في الشارع المصري لتبقى الحقيقة الوحيدة هي أن أبو غزالة بطل من الأبطال الأفذاذ .
اسمه محمد عبد الحليم أبو غزالة من مواليد عام 1930 من مواليد قرية زهور الأمراء , مركز الدلنجات محافظة البحيرة لعائلة ترجع في أصولها إلى قبائل أولاد علي وبعد دراسته الثانوية التحق بالكلية الحربية وتخرج فيها سنة 1949.
ثم حصل على إجازة القادة للتشكيلات المدفعية من أكاديمية ستالين بالاتحاد السوفيتي سنة 1961. وهو أيضا خريج أكاديمية الحرب بأكاديمية ناصر العسكرية العليا بالقاهرة وحصل على درجة بكالوريوس التجارة وماجستير إدارة الأعمال من جامعة القاهرة.
تدرج في المواقع القيادية العسكرية ، وعين وزيراً للدفاع والإنتاج الحربي وقائداً عاماً للقوات المسلحة سنة 1981، ورقي إلى رتبة مشير سنة 1982 ، ثم أصبح نائباً لرئيس مجلس الوزراء ووزيراً للدفاع والإنتاج الحربي وقائدًا عاماً للقوات المسلحة منذ 1982 وحتى 1989 عام إقالته
لا أحد يعلم السبب الرئيسي وراء إقالة أبو غزالة ، وكان الجميع يختلق حكايات تاريخية عديدة تقبل للنقاش لكن لا تُجزم بالصحة وكل بكلمته حتى مبارك نفسه بعد خلعه تكلم أن سبب إقالته هو تفاهمه مع الأمريكان حول بناء قواعد عسكرية وكانت أمريكا تنتهج أسلوباً خاصاً في هذا الأمر ، لكن هذا السبب يمكن الرد عليه بأن الشعبية الجارفة لأبو غزالة داخل صفوف القوات المسلحة تدحض أي افتراء يقوله مبارك ، فما كان رجال الجيش يحبون خائناً ، وأبو غزالة مشهود له من الجميع جيشاً وشعباً بأنه وطني من الطراز الفريد .
إلا أن الحقيقة الجليّة تكمن في أن حادثة الأمن المركزي سنة 1986 هي السبب في إقالته بعد حدوثها بثلاث سنوات وإقالة وزير الداخلية أحمد رشدي فقد تظاهر أكثر من 20 ألف جندي أمن مركزي في معسكر الجيزة بعد شائعات عن وجود قرار بمد سنوات الخدمة من ثلاث إلي خمس سنوات وخرج الجنود للشوارع وقاموا بإحراق بعض المحال التجارية والفنادق في شارع الهرم وهو ما تسبب في خسائر قدرت بعشرات الملايين من الجنيهات. استمرت حالة الانفلات الأمني لمدة أسبوع أعلن فيها حظر التجوال وانتشرت قوات الجيش في شوارع القاهرة وأعتقل العديد من قوات الأمن المركزي وقامت طائرات الهليكوبتر بضرب معسكراتهم بالصواريخ وحلقت الطائرات فوق رؤوس الجنود تنتظر الأمر بالضرب في المليان إذا حاول الجنود التوجه إلي مصر الجديدة وبعد انتهاء هذه الأحداث واستتباب الأمن تم رفع حظر التجوال وأعلن عن إقالة اللواء أحمد رشدي وزير الداخلية آنذاك وعزل العديد من القيادات الأمنية واتخذت العديد من القرارات لتحسين أحوال الجنود والحد من اعدادهم ونقل معسكراتهم خارج الكتلة السكنية كما اتخذت قرارات بتحديد نوعية الجنود الذين يلتحقون بالأمن المركزي مستقبلا .
وبعد هذه الحادثة بثلاث سنوات تمت إقالة أبو غزالة على خلفية علاقته بـ “لوسي آرتين” ، وترددت شائعات كثيرة بسبب هذه الإقالة إلا أن كلها كانت خاطئة ، ولا يبقى في هذا المجال إلا ما كشفت عنه تقارير صحفية صدرت عام 1987 أغضبت الدول الغربية عن برنامج لتطوير صواريخ بعيدة المدى بين الأرجنتين والعراق ومصر باسم كوندور-2 وتردد الأقاويل ويعمل الخيال في ذكر أسباب إقالة أبو غزالة إلا أن الحقيقة هي أن أبو غزالة قد مات والسر معه.

اترك تعليقك هنا
Share
x

‎قد يُعجبك أيضاً

الدكتور عز الدين وزير الزراعة يؤكد  20 رأس ماشية لكل شاب للحد من البطالة

صدي الامة مروان البكري أكد الدكتور عزالدين ابوستيت ، وزير الزراعة واستصلاح ...