ماذا عن معركة أجنادين ( الجزء الأول )بقلم – محمــــد الدكـــــرورى

3

ماذا عن معركة أجنادين ( الجزء الأول )

بقلم – محمــــد الدكـــــرورى

لقد جاء رمضان وقد أفلح من أمسك بزمام نفسه في هذا الشهر العظيم

المبارك، وشمّر عن ساعد الجّد، فسلك بها سبيل الجنة، وجنّبها سبل النار، والشقاء

فيها، ويا خسارة مَن سلك بها طريق المعصية والهوان، وأوردها موارد الهلاك،

وأغضب ربه الرحمن، وقد يُسّرت له الأسباب، فسُلسلت الشياطين وصُفدت.

 

ويجب أن نعلم ان شهر رمضان الكريم لم يشرعه الله عز وجل ، للقعود والتخلف

عن ركب الجهاد والحركة والدعوة إلى الله، ولم يشرعه كذلك للتحجج به عن

التفلت من الالتزامات الوظيفية أو الاجتماعية، بل إنه شهر النشاط والحركة،

والفتوحات والانتصارات، فغالبية الهزائم التي لحقت بالشرك وأهله على أيدي

المسلمين كانت في شهر رمضان المعظم .

وإن الفتوحات الإسلامية، وذلك الانسياح الواسع في الأرض، الذي لا مثيل له من

قبل ولا من بعد ، لم يكن مصدره التفوق في العدد أو العدة، أو الخبرة العسكرية

، فقد كان ذلك كله من نصيب الأعداء ، إنما كان مصدره ضخامة الحق الذي آمنت

به تلك الأمة والتقت عليه، وضخامة المنطلق الذي تنطلق منه، فتحطم كل ما

تجد في طريقها من صور الباطل وأشكاله

فقد استطاعت تلك العصبة المؤمنة أن تسحقَ الجاهلية سحقًا وتمحوها من

الوجود في قطاع واسع من الأرض، لا في صورة دول وجيوش زالت من الوجود

فحسب، بل في صورة عقائد كذلك

، وأنظمة وتقاليد ، فبعد فتح بُصرى، انتقل القائد خالد بن الوليد مع جيش أبي

عبيدة إلى دمشق لحصارها، وترك جيش شرحبيل في بصرى، وعاد جيش يزيد إلى

البلقاء في الأردن، وعاد عمرو بجيشه إلى جنوب فلسطين.

 

وكان رد فعل الروم على هزيمة بصرى ذكيا وعلى محورين ، وهما المحور الأول

، وهو أنه تحركت قوة من الروم تقدر بحوالي عشرين ألفا بقيادة قائد رومي

شهير هو وردان من حامية حمص لقتال المسلمين في بصرى، أي: لقتال جيش

شرحبيل سبعة آلاف مجاهد، فاختار

وردان حرب جيش شرحبيل لأكثر من سبب .

 

أولها أنه جيش مفرد، وأقل عددا ، وثانيا هو وأنه لو انتصر عليه فسيحاصر جيش

خالد وأبا عبيدة من الجنوب، وتصبح لدى حامية دمشق فرصة أن تخرج من

أسوارها العالية لقتالهم ، وثالثا هو أنه قد يسترد بصرى ، ورابعا هو رفع معنويات

الجيش الرومي ، لأن سقوط بصرى كان

لها أثر شديد على نفسية الجيش ، لأنها تمثل أهمية دينية خاصة.

 

وتحرك وردان من حمص من خلال الطرق الداخلية، عن طريق بعلبك وشمال

فلسطين، لكي يصل إلى بصرى، بحيث لا يلحظ جيش المسلمين في دمشق مرور هذا

الجيش، وتحجبه الجبال اللبنانية في ذلك المكان، وهذا ما حدث، ولكن عيون

الجيش الإسلامي كانت يقظة، فعرفت بتحرك جيش ، وردان بمجرد خروجه من

منطقة الجبال، وأنه يتحرك نحو جيش شرحبيل في بصرى.

 

وكان المحور الثاني، هو أنه كانت جِلق تضم مجموعة من القوات الرومية،

فانضم إليها عدد كبير من قوات الجيش الرومي من أنطاكية عن طريق البحر

الأبيض المتوسط فى بحر الروم ، كما جاءت قوات أخرى من الأراضي الشامية

وتجمع الكل تحت قيادة تذارق في جلق، وكان هذا الجيش قوامه سبعين ألف

مقاتل أو يزيد، إلا أن تحركه ذلك كان غير مفهوم .

 

وليس له هدف واضح، ولم يكن مدروسا، إذ إن جيش المسلمين المواجه لهم ثلاثة

آلاف مجاهد بقيادة عمرو بن العاص، فليس منطقيا أن يحُشد سبعين ألف

مقاتل لمواجهة ثلاثة آلاف ، ولم يكن موجها لغيره من الجيوش الإسلامية،

لأنهم مكثوا مدة طويلة لم يحاربوا أحدا فيها فكان تحركا غير مدروس، وإنما

تحرك أملته عليهم الخبطات الإسلامية، لوجود أكثر من جيش إسلامي في الشام.

 

وقد وصلت أخبار وردان إلى جيش أبي عبيدة عامر بن الجراح وخالد بن الوليد

في دمشق، وأنه يلتف حول الجيش الإسلامي في بصرى، وأن تذارق جمع في

جلق سبعين ألفا ، فطرح القائد خالد بن الوليد الموضوع كاملا على أبي عبيدة

، أن أمامهم ثلاثة جيوش رومية قوية وهم جيش خلف أسوار دمشق، وجيش

وردان المتجه إلى بصرى، وأكبر هذه الجيوش في جلق كما وصلتهم أخبار أن

نصارى العرب بدءوا في الانضمام إلى جيش تذارق الموجود في جلق.

 

فكان رأي أبي عبيدة أن يتركا دمشق، ويذهبا لمعاونة جيش شرحبيل، فتتحد

الجيوش الثلاثة، لمقاتلة وردان، وهو رأي له وجاهته، أما خالد فقد رأى أنهم لو

ذهبوا لشرحبيل في بصرى، لتبعتهم حامية دمشق عن قرب، وهنا فطنة القائد

خالد بن الوليد في الحرب تتضح في مثل تلك المواقف ، وأدرك أنهم سيكونون ب

بين الجيشين، ويرى أن جمع الروم الأكبر الموجود في جلق تحت قيادة تذارق

يجب أن يُواجَه، وأن تُرسل رسالة إلى شرحبيل لتحذيره من جيش وردان .

 

وألا يلتقي معه ، أي يهرب من ملاقاته ويقابلهم في أجنادين، حتى ينتقلوا إلى

جلق معا، ويأتيهم جيشا يزيد وعمرو في نفس المنطقة، أي أنه رأى أن تجتمع

الجيوش الخمسة في أجنادين، حتى تنطلق إلى مواجهة جيش تذارق في جلق

، فوافقه أبو عبيدة بن الجراح رضى الله

عنه قائلاً “هذا رأي حسن، فأمضه على بركة الله، ونسأل الله بركته”.

 

ويخرج القائد خالد بن الوليد، يخطب خطبة في الجيش الإسلامي ، فقال بعد

أن حمد الله وأثنى عليه: ” أما بعد، فإني قد بلغني أن طائفة من الروم نزلوا

بأجنادين، وأنهم استعانوا بأناس قليل من أهل هذا البلد، على كثرتهم، وذلك

استقلالا لما معهم من الكثرة ذلا ” وكان لديه نظرة ثاقبة للروم، وأنه يجب أن

يفهم طبيعة عدوه، ويقول خالد بن الوليد والله إن شاء الله ، جاعل الدائرة عليهم،

وقاتلهم كل مقتلة، فاقصدوا بنا قصدهم، فإني كاتب إلى يزيد وشرحبيل وعمرو أن

يوافونا بما معهم من المسلمين هناك.

فهذا هو خالد بن الوليد إنه عظيم من عظماء الإسلام ، وفارس من فرسان

الميدان، وبطل من أبطال الصحب الكرام ، وإنه أحد رجالات التاريخ الذين ضربوا أروع

الأمثلة في الشجاعة والبطولة والإقدام ، فلم يشارك في معركة في جاهلية ولا في

إسلام إلا انتصر فيها ، فكان بحق أعجوبة من أعاجيب الزمان ، وإنه أسد الإسلام

ومهندس انتصارات المؤمنين ، إنه أبي

سليمان، وما أدراك من أبو سليمان؟ إنه سيف الله خالد بن الوليد.

ماذا عن معركة أجنادين ( الجزء الأول )

https://www.sadaelomma.com

https://twitter.com/sadaaluma

قد يعجبك ايضا
%d مدونون معجبون بهذه: