ٌإسلاميات

التفكر في خلق الإنسان

بقلم / محمــــد الدكــــرورى

إن المسلم يجب عليه أن يعلم أنه في هذه الحياة خلق من أجل عبادة الله وامتثال أوامره واجتناب نواهيه فلذلك تجده حريصاً على طاعة الله وتنفيذ أوامره واجتناب نواهيه والبعد عن معاصيه يصبر على طاعة الله ويلزم نفسه بالصبر عن الوقوع في معصية الله ويؤمن بقضاء الله وقدره ويوقن حق اليقين أنه يمشي في هذه الدنيا في امتحان واختبار لذلك يتلذذ بالمشقة إذا كانت من أجل الله ويصبر على الشدائد إذا كانت في سبيل الله ويتحمل صعوبة التكاليف الشرعية لأنه يعملها من أجل إرضاء الله والفوز برضوانه وجنته ونعيمه.

وإن القرآن الكريم وضع لكل مرحلة من مراحل الخلق مسمى خاصًا، وعبر بدقةٍ عن التطورات التي تقع في تلك المراحل حسب تسلسلها الزمني، حيث فصل بين كل مرحلة منها بحرف العطف ثم ، الذي يدل على التراخي الزمني بين تلك الأطوار، فأول تلك المراحل النطفة في رحم الأم الذي هيَّأه الله تعالى وأعده لأن توضع فيه، فهو المراد بقوله سبحانه: ( ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ) حيث هو الموضع من الجسم الذي يتخلَّق فيه الجنين ويعيش فيه حتى ولادته.

ثم تكون مرحلة التخليق التي يتتابع فيها خلق الجنين، حيث تأتي مرحلة العلقة، ثم المضغة، ثم العظام، ثم كساء العظام باللحم، ويتميَّز هذا الطور بانتشار العضلات حول العظام وإحاطتها بها كما يحيط الكساء بلابسه، وتبدأ الصورة الآدمية بالاعتدال إذا تمت مرحلة كساء العظام باللحم، كما يوضح ذلك علماء الإعجاز العلمي في القرآن، ويبينون أن أجزاء الجسم ترتبط ببعضها وتكون أكثر تناسقًا، ويمكن للجنين أن يبدأ بالتحرك بعد تمام تكوين العضلات.

والانسان الذي يبدو للوهلة الأولى في منتهى البساطة مشتمل على كل أشكال التعقيد، إنه يبدو قوياً مخيفاً مع أنه في حد ذاته ضعيف في كل جانب من جوانب شخصيته ضعفاً لا يوازيه شيء سوى ما يدعيه من القوة والعزة والسطوة ، ويزداد ظهور ضعف الإنسان حين يدخل الإنسان في صراع بين عقله ومشاعره ، وحيث يجد الانسان نفسه عاجزاً عن دفع مشاعره والخلاص من وساوسه ، والتغلب على مخاوفه، أو معرفة مصدرها في بعض الأحيان، ليدرك الانسان المرة تلو المرة أنه مع طموحه إلى السيادة على الأرض وغزو الفضاء فهو قاصر عن السيطرة على نفسه .

وحينما يتأمل المسلم اليوم في أحوال نفسه وأحوال من حوله ، يدرك كم هو مشغولٌ عن الغاية التي خَلَقه اللهُ لأجلها ، تلك الغاية التي قَلَّ مِنّا مَن يسأل نفسه هل سلك طريقها ، وهل توخّى وسائلها ، وطَمِع في جوائزها ، ربما تفكرت طويلاً يا رعاك الله في الغايةِ من عملك ، والغايةِ من تجارتك ، والغايةِ من دراستك ، ولا أشك أنك ستبحث عما يوصلك إلى تلك الغايات الشريفة ، ولكن كم مرةٍ سألنا أنفسنا : لماذا خُلِقنا ؟ لماذا خَلَقنا الله على هذه الأرض ؟ هل خلقنا لنتمتع بشهواتها؟ بطعامها؟ بشرابها؟ بزينتها وزخرفها؟

ثم نموت وندفن في التراب وينتهي كلُّ شيء؟ لماذا خُلِقنا؟ إنه سؤال ربما نعيد بسببه كثيرًا من حساباتنا الدنيوية والأخروية ، وأما الجواب ، فاسمع الجوابَ من الله الذي تكفل به في قوله تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) حقا إنها العبادة ، الغاية العظمى للحياة ،
لكنَّ الإنسانَ يميل بطبعه إلى المُتَع ، وتهفو نفسه إلى الدعة والراحة ، ويشتاق بتكوينه إلى ما يرضي دنياه ، وهكذا خُلق الإنسان ، عجولاً تغره الثمار القريبة الفانية ، حتى تُشغله عن الباقية لأنها بعيدة .

إن الله تعالى لم يأمرك بالعبادة ليقطعَك عن مُتَعِك ، ولا ليحرمَك من شهواتك ، ولا لينغّصَ عليك حياتَك ، كلا ، بل أمرك بالعبادة لتعيش بها هانئًا سعيدًا ، مطمئن البال والضمير ، ولهذا كانت العبادة راحةً للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم ، فكان إذا تعِب ونَصَب قال: ” أرحنا بالصلاة يا بلال ” رواه أحمد وأبي داود ، وكان النبى الكريم صلى الله عليه وسلم يلجأ إلى الصلاة حينما تشتد عليه الكروب ، وتزيد عليه الهموم ، فعن حذيفه رضي الله عنه قَالَ : كَانَ النبى صلى الله عليه وسلم إِذَا حزبه أمر صَلى . رواه أحمد

وإن مما يعينك على العبادة أن تعلم ما أعده الله تعالى من جزاءٍ عليها ، فهذا يعينك على رفع الهمة في المواصلة عليها ، فمن منا يتخيل كم أعده الله تعالى للمسلم من أجرٍ في زيارة المريض على سبيل المثال ، اسمع ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ” مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ ” رواه الترمذي .

وهل تأملت في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ؟ إن من بينِهِم شابٌ نشأ في عبادة ربه ، فاستحق يوم تنكبُّ الشمسُ على الخلائق فتلجمُهم في عرقهم، أن يحظى بظلٍ مميز، إنه ظل الله يوم لا ظل إلا ظله ، فيالَله العجب ، كم للعبادة من حلاوةٍ في قلب المؤمن ، يجد فيها راحتَه وسلوتَه ، ويالَله العجب ، كم لها من طمأنينةٍ يجد فيها المهموم أنسَه وبردَ فؤاده ، ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) وتطمئن القلوب ، فلا تشعرُ بغم ، ولا تحسُّ بهم ، وتشعرُ أن مصائبَ الدنيا مهما بلغت عظمتها ، فإنها هينةٌ أمام ذكر الله ، وسهلةٌ تحت قدرة الله ، ما دمتَ مع الله تعبده ، وترضى بقضائه وقدره ، وتعلم أنه سبحانه لن يُضِيعَ صبرَك ، ولن يَنسى إيمانَك .

ولقد نسينا الهدف من خَلقنا وغفلنا إلا من رحم الله عن الغاية التي خلقنا الله لها ألا وهي عبادة الله سبحانه وتعالى وإعمار هذا الكون بالعبودية له وتنفيذ أوامره وتطبيق أحكامه وإقامة دينه الذي أرسل به رسوله صلى الله عليه وسلم ، ونحن اليوم إلا القليل منا نسينا هدفنا في هذه الحياة وظننا أننا خلقنا من أجل عمارة الدنيا والاهتمام بها وركزنا جل اهتمامنا عليها وجعلناها هدفنا الأول ولم نعلم حق العلم أننا خلقنا فيها من أجل عمارة الآخرة والتزود بالطاعات والتسابق في الخيرات حتى نخرج من هذه الدنيا فنلقى الله وهو راض عنا .

فأين الذين يستلذون بعبادة الله كما يستلذ غيرهم بالطعام والشراب ، أين من يستلذ بمناجاة ربه ، وبالصدقة في وجوه الخير ، وبالإحسان إلى الناس ، والتخلق بأحسن الأخلاق ، وبكل أنواع العبادة وأشكالها المشروعة ، يستلذ ويحس بطعم الحلاوة الإيمانية يسري في جوانحه ، ولو أجهد بدنه ، وترك الدنيا من خلفه ، وزهد في مناصبها ومتعها ، في سبيل أن يتذوق طعم العبادة لربه .

ولا بد لنا من الرجوع إلى ربنا ومراجعة حساباتنا وتذكر الهدف من خلقنا والاهتمام بأمر العبادة الكاملة لله وحده وعمارة الأرض بتنفيذ أوامره واجتناب نواهيه وإقامة دينه لأننا ما خلقنا إلا من أجل ذلك وقد جعلنا الله خلفاء له في الأرض لأجل هذه الغاية العظيمة وهذا الهدف النبيل ، لندرك تمام الإدراك أن الله جل جلاله وعز شأنه يريد منا أن نعبده بكل أنواع العبادة ونقيم الدين كله لله ونحن في هذه الحياة نعيش في ابتلاء شديد واختبار صعب فمن قام بتحقيق هذا الهدف وعبد الله على بصيرة وسعى لإقامة أمر الله وشرعه فقد فاز في الامتحان وحاز على الرضوان ومن غفل عن هدفه وضيّع الغاية من خلقه فقد خسر خسرانا مبيناً وضل ضلالاً بعيداً.

ولنحرص على التوسط في العبادة ، دون إفراطٍ ولا تفريط ، كما هي سنته صلى الله عليه وسلم ، فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ قَالَ مَنْ هَذِهِ ؟ قَالَتْ فُلَانَةُ تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا ” أي من كثرة صلاتها ” ، قَالَ : مَهْ عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَادَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ ” رواه البخاري .

ويقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم : ” وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرًا ” رواه مسلم .

قيل للحسن البصري ، ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجوهًا ؟ قال : لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورًا من نوره ، وقال سفيان : ترى صاحب قيام الليل منكسر الطرف ، فرح القلب ، وكان الحسن بن صالح يقوم الليل هو وجاريته ، فباعها لقوم ، فلما صلت العشاء افتتحت الصلاة ، فما زالت تصلي إلى الفجر ، وكانت تقول لأهلِ الدارِ كلَّ ساعة تمضي من الليل: يا أهل الدار قوموا ، يا أهل الدار قوموا ، يا أهل الدار صلوا ، فقالوا لها : نحن لا نقوم إلى الفجر ، فجاءت إلى الحسن بن صالح الذي باعها وقالت له : بعتني لقومٍ ينامون الليل كلَّه، وأخاف أن أكسلَ من شهودِ نومِهم ، فردّها الحسنُ رحمةً بها ، ووفاءً بحقها

وكان لبعض السلف عشرةٌ مع العبادة ، حتى إنه ليذرفُ الدموعَ على فراقها إذا نزل به الموت ، ولما نزل الموت بالعابدة أمِّ الصهباء بكت ، فقيل لها: مم تبكين؟ فقالت: بكيت حينما تذكرت مفارقة الصيام والصلاة والذكر ، بل كانوا يتهمون أنفسهم بالذنوب إذا ما أصابهم الكسل عن العبادة ، فقال الثوري : حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته ، وجاء رجل للحسن البصري : يا أبا سعيد ، إني أبيت معافى ، وأحب قيام الليل ،وأعد طهوري ،فما بالي لا أقوم ؟ فقال: ذنوبك قيدتك .

فمتى نشعرُ بالسعادة حينما نلقي بجباهنا على الأرض لله تعالى ، متى نعوِّدُ أنفسَنا أن نشتاق للقاء ربنا في صلاتنا وذكرنا ، متى تحلّق قلوبنا في السماء طربًا وفرحًا حينما نبذِل الصدقة السخية لا نبالي الفقر أو المسكنة ، ومتى نعود على صدورنا بالراحة حينما نخفض جناح الذل لوالدينا وأهلينا ؟ نعم إنها العبادة عباد الله ، طريقنا إلى الفلاح والنصر والشفاء ، فهنيئًا لنا سلوكُها ، وتوخي طريقِها ، لأنفسنا و أزواجنا وأولادنا .

وإذا كان الانسان ضعيفا ، فإن مصدر قوته في سبيل واحد فريد ، وهو مصدر كل قوة حقيقية ، وهو مبعث كل طمأنينة، وهو المصدر المنيع الذي يدافع عن النفس ويحميها من كل خطب وضلال وهوان ، إنه الإيمان بالله ، فهو القوة الحقيقة في النفس البشرية ، وما دون ذلك فهو ضعف وهوان وإن كان ظاهره القوة.

فعليك أيها المسلم أن تستلهم من مسيرة حياتك وتأخذ العبرة من لحظات الضعف التي كنت بها قبل أن تصبح رجلاً قوياً ، فتكرس قوتك وتسخرها لعبادة الله وطاعته وتنتهز لحظات القوة لكي تؤدى واجب الطاعة والعبادة للخالق الذي أمدك بالقوة ووهبك العقل والفكر والبصيرة ، فلا تضيع قوتك التي سوف تزول لا محالة في هوى النفس وشهواتها ولا تفنى هذه القوة في معصية الله ، وكن قويا بالله ، فمن كان مع الله ، كان الله معه ، ومن كان الله معه ، فمعه القوة التي لا تغلب ولا تقهر ، فكن قويا بإيمانك بالله .

Facebook Comments
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: