ماذا عن معركة أجنادين ( الجزء الثالث )

2

ماذا عن معركة أجنادين ( الجزء الثالث )

بقلم – محمــــد الدكـــــرورى

إن المسلمين الأُول لم ينقلوا الإسلام إلى الأمم، ولكنهم نقلوا الأمم إلى الإسلام،

ولقد خرج المسلمون إلى بلاد الفرس والشام يبلغون رسالة الله سبحانه وتعالى

، وتلقفت أسماع الشعوب المقهورة والمحجوزة خلف أسوار الظلم هذا

الصوت مرة أخرى، وهو ينذر الظالمين،

فإن أبيتم فخلوا بيننا وبينهم نبلغهم دعوة الله.

 

فكانت معركة أجنادين هي من المعارك الفاصلة في التاريخ الإسلامي ، حيث

وقعت بين المسلمين والبيزنطيين ، وكان الصحابي عمرو بن العاص هو أول قائد

حمل لواءها في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه الذي أوصاه بفتح بلاد

الشام، وكانت منطقة تيماء شمالي الحجاز هي مركز المعسكر آنذاك ، وكانت

أهم وصية لأبي بكر هي عدم الشروع في القتال إلا إذا هوجم فقط، وتعتبر معركة

أجنادين من المعارك المهمة في تاريخ معارك الفتوح الإسلامية .

 

فمعركة أجنادين هي أولى المعارك العظيمة التي انتصر فيها المسلمون بعون

الله، وكانت هذه المعركة ذات بعد كبير وتأثير عميق للمعارك التي حدثت بعدها

، وقيمتها بين معارك فتوح بلاد الشام تساوي قيمة غزوة بدر الكبرى بين

الغزوات التي قادها النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ، حيث كانت أول

الفتوح التي هزت بلاد الروم، وملأت الرعب في قلوب الجنود، كما كانت أول

واقعة تمنح المسلمين الخبرة العملية في مقاتلة جنود الروم.

 

وقد وقعت معركة أجنادين ، فى قرية عجّور في منطقة شمال غرب الخليل

، ويمرّ بجانب القرية وادي يُسمّى وادي السَنط ، والسنط نوع من أنواع الشجر

، ويبعد الموقع عن بلدة بيت جبرين بما يقارب عشرة أميال باتجاه الشمال ومن

منطقة الشرق من قرية عجّور ، اختار جند الروم موقعا للمعركة يكون قريباً من

“بيت جبرين” التي تعتبر عاصمة لأهم مقاطعة تابعة لهم في فلسطين، وكانت

تضم غزة، ومنطقة بئر السبع، ومدينة الخليل، ومدينة القدس ومدينة الرملة.

 

وبدأ الروم بتجميع جنودهم في هذه المنطقة، وضموا إليهم مَن يؤازرهم في

المعركة، وانتظروا الفرصة الأنسب لمهاجمة جند المسلمين في فلسطين

بقيادة الصحابي عمرو بن العاص، ومن ثم يغيروا على جند الصحابي يزيد بن

أبي سفيان في منطقة البلقاء ، وكان من أسباب اختيار ذلك الموقع أيضا بأنه

يشكل التقاء عدة طرق مختلفة كي ينتظروا أن يصلهم المدد والمتناصرون

لهم، وكانت جنود المسلمين في ذلك الوقت موزعة .

حيث وزع الخليفة أبو بكر رضي الله عنه كل فرقة من الجيوش على منطقة معينة

من أرض بلاد الشام، وكانت منطقة فلسطين تابعة لجيش الصحابي عمرو بن

العاص رضي الله عنه، وكان الأمير العام للجيوش الصحابي هو أبو عبيدة عامر بن

الجراح، ويعتبر هذا التوزيع للجيوش تكتيكا عسكريا مهما حيث إنه يربك العدو

ويرهبه، وهذا ما كان، فقد قتل من الروم ما يقارب الثلاثة آلاف جندي وفرّت باقي

جيوشهم وانهزموا على أيدي المسلمين.

وكان عندما علم الخليفه أبو بكر الصديق بالأوضاع فى أجنادين عزم الصديق على

بث روح جديدة تعودت الفوز والظفر، ومشى النصر في ركابها كأنه قدرها

المحتوم، ولم يكن غير خالد بن الوليد ، من يمكنه تغيير الأوضاع، وإثارة الهمم

، ووضع الخطط التي تأتي بالنصر، وكان الصديق أكثر الناس ثقة في كفاءة خالد

وقدرته العسكرية، فأطلق كلمته السائرة التي رددتها كتب التاريخ: “والله لأنسين

الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد”.

وبعث الصديق إلى خالد بن الوليد بأن يقدم إلى الشام ومعه نصف قواته التي

كانت معه في العراق، حتى يلتقي بأبي عبيدة بن الجراح ومن معه، ويتسلم

القيادة العامة للجيوش كلها، وفي الوقت نفسه كتب الصديق إلى أبي عبيدة يخبره

بما أقدم عليه، وجاء في كتابه: ” فإني قد وليت خالدا قتال الروم بالشام، فلا

تخالفه، واسمع له وأطع أمره، فإني قد وليته عليك، وأنا أعلم أنك خير منه، ولكن

أن له فطنة في الحرب ليست لك، أراد

الله بنا وبك سبل الرشاد والسلام عليك ورحمة الله”.

 

وهناك الموقف العظيم ما بين الارطبون وبين القائد عمرو بن العاص فكان

الأرطبون أدهى الروم وأبعدها غورا، فوضع في الرملة جندا كثيفا، ووضع في

القدس جندا أيضا، كما وضع جندا في بيسان، ولما بلغ عمر بن الخطاب عن دهاء

الأرطبون قال: ” قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب، فانظروا عم تنفرج “

وعمل عمرو على مشاغلة الجنود خارج أجنادين بعددٍ من قادته، وتفرغ للأرطبون

يخطِّط لدحره، وبقي عدة شهور لم يظفر منه بشيء أو خبر لصُنع مكيدة له، ثم سار

إليه بنفسه، فدخل عليه كأنه رسول ففطن إلى حيلته الأرطبون .

 

وقال: لا شك أن هذا هو الأمير أو من يأخذ الأمير برأيه، فأمر الحرس إذا مر

بهم في عودته أن يَقتلوه، وانتبه عمرو إلى ما يضمر له الأرطبون من المكر وقال

في نفسه: أحسنت يا عمرو الدخول فأحسن الخروج، ثم قال للأرطبون: قد

سمعت مني وسمعت منك، وقد وقع قولك مني موقعا، وأنا واحد من عشرة بعثنا عمر

إلى هذا الوالي لنكاتفه، فأرجع فآتيك بهم الآن ، فإن رأوا الذي عرضت علي الآن

فقد رآه الأمير وأهل العسكر، وإن لم يروه رددتهم إلى مأمنهم .

 

فقال الأرطبون: نعم، ثم أرسل إلى الحرس بعدم التعرض له؛ طمعا منه أن

ينال من العشرة بدل الواحد، وخرج عمرو سالما، ثم علم الأرطبون أنها كانت خدعة

من عمرو، فقال: هذا أدهى الخلق، ثم إن عمرو بن العاص عرف مكان الضعف عند

الأرطبون فشن عليه الحرب، وكانت موقعة شديدة بأجنادين لا يفوقها شدة

إلا اليرموك، حتى كثرت القتلى، ثم انهزم الأرطبون وقصد بيت المقدس وتحصن

فيه، وكان عدد قتلى الروم قريبا من ثمانين ألفا.

 

وكانت أحداث المعركه بأن بدأ خالد بن الوليد بمراسلة قادة الجيوش الإسلامية

في بلاد الشام للتجمع في موضع واحد هو كما قال المؤرخون قرية عجور من

قرى مدينة الخليل، ثم انطلق هو بجيشه وجيش أبي عبيدة من دمشق متجهين

بسرعةٍ كبيرة نحو موضع التجمع فلحِقت الحامية البيزنطية الموجودة خلف أسوار

دمشق بجيش المسلمين واشتبكت مع مؤخرته مما اضطر خالد للتراجع وقتال

جيش الحامية كي يجبرهم على العودة إلى دمشق وعدم اللحاق بالمسلمين .

 

وبالفعل تمكن مما أراد، وفي ذات التوقيت انطلق شرحبيل بن حسنة من

بُصرى سالكا طريقا في الصحراء كي لا يتبعه وردان بجيشه الذي خشي من لحاق

المسلمين في الصحراء والتي لا يجيدون القتال فيها، وبعد عدة ايام إلتقت

الجيوش الخمسة في موضع التجمع بقيادة خالد بن الوليد القائد العام

وإجمالي عددهم ثلاثه وثلاثين ألف مقاتلٍ، أما الروم فقد اختاروا قرية بيت

جبرين لتجمع جيوشها من عدة أماكن وإجمالي عددهم مائة ألف مقاتل.

 

وقسم خالد رضي الله عنه الجيش إلى ميمنة بقيادة معاذ بن جبل وميسرة

بقيادة سعيد بن عامر والوسط نصفين: النصف الأمامي للخيالة بقيادة سعيد بن

زيد والنصف الخلفي للمشاة بقيادة أبي عبيدة رضي الله عنهم أجمعين وأمر

الجميع بعدم البدء في القتال حتى يعطي إشارة البدء، فبدأ الروم بشن الهجمات

على ميمنة وميسرة الجيش المسلم الذي

اكتفى بالدفاع دون الهجوم في انتظار قرار القائد الأعلى للجيش .

 

وكانت خطة خالد كانت تقتضي إضعاف جيش الروم حتى يسهل على وسط

الجيش الإسلامي مهاجمة وسط جيش الروم حيث يختفي قائدهم في الخلف

فإن قتل تفرق جيشه في واحدة من هجمات طرفي جيش الروم على طرفي

جيش المسلمين انتهز خالد رضي الله عنه الفرصة لمهاجمة وسط جيش الروم ف

إشارة بدء القتال، فاقتحم جند المسلمين قلب جيش الروم كالسيل العرم حتى

وصلوا إلى خيمة قائد جيش الروم وقُتل فيها، وبمقتله تفرق جيشه وتمزق ما بين

فار وقتيل وانتصر المسلمون انتصارا عظيما.

 

وشهدت معركة أجنادين كغيرها من الغزوات والمعارك الإسلامية العديد من

مواقف البطولة والفداء والتضحية في سبيل الجهاد لإعلاء كلمة الحق ونشر

بين شعوب الأرض ورد الظلم والعدوان ، ومن تلك المواقف الخالدة التي سجلها

التاريخ بحروف مضيئة موقف الصحابية أم حكيم بنت الحارث المخزومية زوجة

عكرمة بن أبي جهلٍ رضي الله عنهما

والتى قتلت أربعة من جند الروم بعمود خيمتها حيث اصطحب خالد بن الوليد

رضي الله عنه النساء والغلمان وجعلهم في مؤخرة الجيش كحافز معنوي للقتال

والاستبسال، وبرز في هذه المعركة واحد من أشهر فرسان المسلمين ألا وهو ضرار

بن الأزور رضي الله عنه والذي قتل بمفرده ثلاثين فارسا من فرسان الروم .

ماذا عن معركة أجنادين ( الجزء الثالث )

https://www.sadaelomma.com

https://twitter.com/sadaaluma

قد يعجبك ايضا
%d مدونون معجبون بهذه: