صدى القارئ

المعرفة وجع . 

المعرفة وجع . 

بقلم  ا.د/إبراهيم محمد مرجونة

أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية-

رئيس قسم التاريخ

كلية الآداب بدمنهور

المعرفة والوعي الذاتي يعني فهم النفس

بطريقة سلمية وصحية وبأسلوب أفضل،

فمعظم الناس لا يدركون بكل دقة ماذا

يكون في أعماق شخصيته، فاكتشاف

النفس يحتاج إلى وقت طويل ومستمر

فلا وجود لنهاية في اكتشاف الإنسان

لنفسه إلا عند الموت، فكلما كان الإنسان

مكتشفاً لما بداخله تزداد قوته وشخصيته

أكثر فأكثر وسيفكر بطريقة أفضل،

ويتصرف بطريقة سليمة وصحية للإنجاز

بشكل أفضل ومتميز.

ولكن يبدو الوعي في كثير من الأحيان

حليفاً للألم و « التفكير» قريناً لـ

«الشقاء»، فمن زادت معرفته زاد ألمه

نتيجة كفاحه المضني لبلوغ حقيقة

عصية  …

 إذ إن العقول طبقات ودرجات، وكل

راض بعقله، يمارس حياته، وفقاً لأداء

عقله وعطائه، والمشكلة أن أهل العقول

الكبيرة هم الذين يتعبون في الحياة أكثر

من غيرهم، بينما أهل العقول البسيطة

والساذجة هم أكثر راحة وطمأنينة على

حد قول المتنبي:

ذُو العَقْلِ يَشْقَى فِيْ النَّعيم بِعَقْلِهِ  ***

وأَخُو الجَهَالَةِ فِيْ الشَّقَاوةِ يَنْعَمُ

فصاحب العقل الكبير والراجح دائماً كثير

الأسئلة، كثير الحيرة، شديد التبرم

بالحياة المليئة بما يخالف قوانينه،

ويعاكس أفكاره الذاتية ورؤيته الخاصة

للكون والحياة.. ومن ثم فهو دائم القلق..

كثير الاعتراض.. يشعر بالانكسار وهزيمة

واقعه له، ولاسيما عندما يصطدم بمناخ

غير صحي وواقع مفتقد للقوانين

والقواعد، لذا فهو عادة عرضة للأمراض

كالقلق، والاكتئاب، وضغط الدم بسبب

الحساسية المفرطة تجاه الرداءات

الإدارية والأخلاقية والحياتية مثلاً..

وكذلك من سلوك أو أفكار بعض الآخرين

العفنة والبذيئة، والتي تؤذي ضميره

وتكوي مشاعره.. ومن ثم فإن عطاءه

يقل، وإنتاجه يتلاشى، ويظل يعيش في

شبه عزلة، حيث ارتضى سحب نفسه

داخل نفسه.. أو يظل دائم  الانشغال بما

يلح عقله على بدنه حتى يفنيه.

وكان أبو تمام يضيق ذرعاً بأهل العقول

الساذجة والبسيطة أو من نسميهم

بالدهماء، وقد هجاهم أشد هجاء، وأعنفه

حين شبههم بالأبقار، حيث ينسب إليه هذا

البيت:

لا تَخْدَعَنْكَ الرؤى ولا الصُّوَرُ *** تسعةُ

أعشارِ من تَرى بقرُ

وعلى العموم فإن هناك عقولاً راجحة

حصيفة، ولكنها مؤذية لأصحابها تسبب

لهم الكثير من الشقاء والتعاسة إذا أبعدت

عن مناخها وأخرجت من حيزها وإرادتها..

وهناك عقول ساذجة بسيطة وإمكانيات

محدودة ورفعتها الدنيا أحيانا إلى أعلى

عليين ، تنام وتأكل، وتشرب وتموت كما

تموت الأنعام.. وهؤلاء يسمون بالدهماء.

ومع ذلك هم يهنئون بحياتهم في حالة

متعة غير عادية يفرحون ويضحكون

ويمرحون.

وإذا كان العقل الفردي الساذج خطراً على

صاحبه، فإن خطره يغدو كبيراً جداً إذا ما

كان العقل الساذج يفكر عن الكل، وداخل

في ورشة التفكير بالمستقبل العام.

إن الصفة الجوهرية للعقل الساذج هو

العقل غير القادر على التوقع، لأن خلو

العقل من القدرة على الاستدلال

والاستقراء والتأويل والتفسير يعني

خلوه من قوة التوقع لما سيكون. وتوقع

ما سيكون يعني وضع حزمة من

الاحتمالات، أو ما يسميه علم السياسة

السيناريوهات. هذا لا يعني بأن العقل قد

لا يخطئ بتوقعاته أحياناً، ولكن دون

التوقع لا نستطيع أن نواجه المستقبل. بل

إن علم المستقبليات كله قائم على

المعرفة التي تسمح لنا بالتوقيع.

ولما كان العقل أعدل الأشياء قسمة بين

الناس، كما قال الفيلسوف الفرنسي رينيه

ديكارت، فإن تربية العقل تغدو إحدى أهم

مسؤوليات المؤسسات ذات الاهتمام

بالحياة الروحية والعقلية والعملية.

فعلى أصحاب المعرفة لتخفيف الوجع

والألم ومحاولة خوض غمار الحياة أن

يحيوا ببساطة قدر المستطاع، ويعطوا

عقولهم بما تحوي من استنتاجات

وتحليلات استراحة محارب، وكما قال

فريدريك نيتشه :كن بسيطاً ، فإن

البساطة بذاتها جمالاً.

https://www.sadaelomma.com

https://twitter.com/sadaaluma

Facebook Comments
الوسوم
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: