باب النجار (قصة قصيرة )

4

باب النجار (قصة قصيرة )

د.محمود لطفي

رغم كون عمليته الجراحية عملية بسيطة ورغم علمه الكامل بهذا كطبيب جراح

سبق له ان اجرى مثل تلك العملية مرات عديدة قد لا يتذكرعددها هو نفسه من

كثرتها ورغم ان صديق عمره هو من سيقوم باجراء العملية له إلا ان شعور

والتوتر يساورانه ويصاحباه اينما كان ووصل به الأمر ولأول مرة في حياته ان

يدخن السجائر بعد رحلة طويلة من نظافة الرئتين.

ففي غضون معرفته بضرورة اجراء تلك العملية ظل يحاول التهرب منها مرارا

وتكرارا ولكن الألم المبرح فاق كل المرات السابقة وباغته اثناء اجرائه نفس العملية

لمريض ولولا العناية الألهية وبراعة مساعديه لحدث ما لا يحمد عقباه.

وها هو بعد ان فاض به الكيل قرر ان يجري تلك الراحة ويستاصل مرارته

ويتخلص من الامه ولكن شعور ما يراوده بان ثمة خطب ما سيحدث سيغير من

مجريات الأمور و يقلبها راسا على عقب.
وقبل الموعد المحدد للعملية بساعات

انهى كتابة وصيته واعطاها لزوجته التي داعبته ضاحكة وقالت: باب النجار مخلع

يا دكتور واكملت بالله عليك كيف تهدىء من روع مرضاك وانت تقف امامي خائفا

من عملية استئصال مرارة وبالمنظار؟
نظر نحوها ولم يعلق على حديثها وبدا

لا يسمعه فهي تتحدث بينما هو في عالم اخر … عالم يتذكر فيه مشاهد لوالده

اثناء محاولته انقاذه من نوبة كلى دون جدوى ووالدته التي نصحها الأطباء

بضرورة عمل ازالة للمياه والسحابة الموجودة بعيونها وحدث خطا بالتخدير

توفيت على اثره كما ان شقيقته لقت مصرعها هي الأخرى ضحية اهمال وتلوث

مستشفى اثناء ولادتها.

الأ يكفي كل هذا ليجعله متطايرا ومتشائما من دخول غرفة العمليات بل الأ

يكفي هذا لطرد الفكرة من راسه وتحمل

الأوجاع ومصاحبة المسكنات رغم علمه باثارها الجانبية.

بدا الامر بداخله كصراع رهيب بين الطبيب الجراح المقدر لدور العلم

والمتيقن من خطورة عدم اجراء العملية وبين الانسان المؤمن بعادات وتقاليد

تتحكم في قرارته حتى وان وصل لأعلى درجات من العلم والمعرفة. صراع بين

المؤمن بقضاء الله وقدره من ناحية وبين غريزةالمتمسك بالحياة من جهة اخرى.

والأن وقد انتهى الأمر وللمرة الأولى سيتوجه للمستشفى كمريض وليس

كجراح اعد العدة وصلى ركعتين ونزل درجات السلم نظرا لتعطل المصعد ونظر

في ساعته وجد عقاربها متوقفة هى الأخرى.

ارتسمت على وجهه ضحكة صفرا باهتة واكمل نزوله درجات السلم وخرج من

باب بنايته معتقدا ان محرك سيارته معطل هو الآخر ولكنه اخرج لسانه

فاستجابت السيارة وبداله ذلك كنقطة مضيئة او بريق امل وهو الأن في انتظار

نزول زوجته وولده المصرين على اصطحابه لهما و التوجه معه للمستشفى .

طال الأنتظار ولم يظهر اي منهما اخرج هاتفه الخلوي من جيب سترته محاولا

الاتصال باي منهما دون جدوى كالعادة ضعف الشبكة وهواتفهم خارج التغطية .

زفر زفرة حارة وخرج من سيارته مغلقا بابها بعنف متوجها نحو بنايته ولكن القدر

لم يمهله الوصول للبناية اذ اصطدمت به سيارة يقودها شاب من متهوري القيادة

اودته قتيلا في الحال . ووصلت وجته وولده ليجدا دكتور مسعد قد تحول لجثة

غارقة في الدماء محاطا بسيل منهمر من البشر الملتفين حول جثته مشدوهين لما

حدث ووسط دموع وحزن زوجته وولده كان السؤال : هل كان يدرك د.مسعد انها

النهاية سواء اجرى العملية ام لا؟ ام هل صدق حدسه ؟وهل حقا يشعر الأنسان

بدنو اجله؟ ام ان كل هذا لا يعدو كون الأمر خوف من غموض المستقبل حتى ولو

تعلق الأمر بشىء تكرره يوميا؟.
تمت.

باب النجار (قصة قصيرة )

https://www.sadaelomma.com

https://twitter.com/sadaaluma

قد يعجبك ايضا
%d مدونون معجبون بهذه: