تهانى

بطولات وأمجاد حرب أكتوبر

بطولات وأمجاد حرب أكتوبر

كتبت الإعلامية/إيمان عزيز

كثيرا ما يسأل البعض لماذا الإصرار على التذكير بحرب أكتوبر في تاريخ العرب رغم مرور 46 عاما على تلك الحرب، ورغم حدوث كثير من المتغيرات العسكرية والاستراتيجية والسياسية التي غيَّرت من الوقائع التي أفرزتها نتائج حرب أكتوبر 1973؟

وللإجابة عن ذلك نقول بكل وضوح وبإيجاز شديد: إن حرب أكتوبر 1973 ستظل ذات أهمية استراتيجية كبرى للعرب سواء في تاريخهم المعاصر أو من أجل مستقبلهم المرجو والمأمول؟

ولكي نفهم هذه الأهمية الاستراتيجية الكبرى لذلك النصر المؤزر الذي صنعه العرب بتلاحمهم وتكاتفهم غير المسبوق؛ لذلك كانت حرب أكتوبر كانت تعبيرا صادقا وحيا وواقعيا عن إرادة رفض الهزيمة والاستسلام بعد هزيمة 1967 واستنهاض مقومات ومقدرات أمة عريقة هي الأمة العربية على الصمود والتحدي وصنع إرادة النصر من جديد في حرب أكتوبر 1973. وهذه المعاني ليست كلمات معنوية أو إنشائية ولكنها تعبير عن قيم استراتيجية وفكر سياسي قويم وسديد.

وكما تعتبر حرب أكتوبر كانت بمثابة زلزال، فلأول مرة في تاريخ الصهيونية حاول العرب ونجحوا في فرض أمر واقع بقوة السلاح ولم تكن النكسة مجرد نكسة عسكرية بل أنها أصابت جميع العناصر السيكولوجية والدبلوماسيةوالاقتصادية التي تتكون منها قوة وحيوية أي امة وقد دفع الإسرائيليون ثمنا غاليالمجرد محافظتهم علي حالة التعادل بينهم وبين مهاجميهم وفقدوا في ظرف ثلاثة أسابيعوفقا للأرقام الرسمية ٢٥٢٣رجلا وهي خسارة تبلغ من حيث النسبة ما خسرته أمريكا خلال عشر سنوات في حرب فيتنام مرتين ونصف لقد أسفرت الحروب الإسرائيلية العربية السابقةعن صدور سيل من الكتب المصورة المصقولة الورق تخليدا لذكري النصر، إما في هذهالمرة فان أول كتاب صدر في إسرائيل كان يحمل إسم المحدال أي التقصير.

ولا ننسي أنه من أهم نتائج حرب أكتوبر ١٩٧٣ أنها وضعت حدا لأسطورة إسرائيل التى لا تهزم .. وللتفوق العسكري المطرد لإسرائيل فى مواجهة العرب .. كما كلفت هذه الحرب إسرائيل ثمنا باهظا – حوالي خمسة مليارات دولار- وأحدثت تغييرا جذريا فى الوضع الإقتصادي فى الدولة الإسرائيلية .. التى انتقلت من حالة الإذهار التى كانت تعيشها قبل عام إلى أزمة بالغة العمق كانت أكثر حدة وخطورة من كل الأزمات السابقة .. غير أن النتائج الأكثر خطورة كانت تلك التى حدثت على الصعيد النفسي .لقد انتهت ثقة الإسرائيليين فى تفوقهم الدائم كما اعترى جبهتهم المعنوية الداخلية ضعف هائل .. وهذا أخطر شيء يمكن أن تواجهه الشعوب وبصفة خاصة إسرائيل وقد تجسد هذا الضعف فى صورتين متناقضتين أدتا إلى استقطاب إسرائيل على نحو بالغ الخطورة .. فمن ناحية كان هناك من بدئوا يشكون فى مستقبل إسرائيل، ومن ناحية أخرى لوحظ تعصب وتشدد متزايد يؤدى إلى ما يطلق اسم “عقدة الماسدا ” ( القلعة التى تحصن فيها اليهود أثناء حركة التمرد اليهودية ضد الإمبراطورية الرومانية، ولم يستسلموا وماتوا جميعا) .

وفضلا عن ذلك إلا أن للعرب خمسة انجازات هامة خلال نصر أكتوبر المجيد :·
أولا: نجحوا فى إحداث تغيير فى الإستراتيجية السياسية للولايات المتحدة الأمريكية بصورة غير مواتية لإسرائيل· ثانيا: نجحوا فى تجسيد الخيار العسكري .. مما يفرض على إسرائيل جهودا تثقل على مواردها واقتصادها .· ثالثا: نجحوا فى إحراز درجة عالية من التعاون العربي سواء على الصعيد العسكري أو الاقتصادي .. خاصة عندما استخدموا سلاح البترول فى أكتوبر .· رابعا: إستعادت مصر حرية المناورة بين الدول الكبرى بعد أن كانت قد فقدتها قبل ذلك بعشر سنوات .· خامسا: غير العرب من صورتهم الذاتية فقد تحرروا من صدمة عام ١٩٦٧ .. وأصبحوا اقدر على العمل الجاد.
يتبقى أن نشير إلى أن الدول لا تنتصر في معاركها المصيرية الكبرى من دون إعداد للشعوب وتهيئة لها لمواجهة التحديات والاستعداد للحرب وتبعاتها ومخاطرها، وهو ما تحقق في سنوات ما بعد حرب 1967، إذ كانت حرب الاستنزاف بمثابة إعداد مزدوج للمقاتل في ميدان المعركة لاستعادة الثقة في قدراته القتالية، وتهيئة الشعب في الوقت ذاته لما تتطلبه جهود الاستعداد للحرب.
وفي هذا السياق، كانت حملة المساهمة في المجهود العربي والتبرع لذلك حتى بأقل الإمكانيات إحدى المبادرات التي جعلت الشعب على استعداد للتضحية ولو بجزء من قوت يومه في سبيل أن يرى اليوم الذي تندلع فيه الحرب لاسترداد الأرض والكرامة، ولهذا كانت الشعوب العربية تنتظر بفارغ الصبر يوم النصر وكانت وحدة الجبهة الداخلية خلف القوات المسلحة مفتاحا جوهريا في تحقيق الانتصار.
ولقد لعبت وسائل الإعلام دورا محوريا في تهيئة الجماهير العربية للإبقاء على زخم الصمود والتحدي والاستعداد للمعركة، حين تم رفع شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، الذي أصبح بمثابة عقيدة فكرية لدى الجماهير، الأمر الذي قاد في نهاية المطاف إلى أن تكون الشعوب العربية كلها في حالة استنفار، ومستعدة للتضحية بالغالي والنفيس في سبيل نصرة الأمة وخوض الحرب وتحقيق الانتصار.
لهذا لا بد أن تكون هناك مصارحة بين القيادة والشعب عند خوض المعارك الكبرى، ولا شك أننا اليوم بحاجة إلى مشروع قومي استراتيجي كبير يعيد روح التضامن العربي ويستنفر الطاقات العربية من أجل نهضة حضارية كبرى تمكننا من حماية الأمن القومي العربي من ناحية، والولوج بكل عنفوان إلى اقتحام معارك التطور التكنولوجي والتقدم العلمي والنهوض الحضاري؛ لأن تلك هي المفاتيح التي ستمكن أمة العرب من القدرة على مواجهة تحديات هذا العصر المتسارعة ، والمشاركة بفاعلية في ركاب الأمم الناهضة والمتقدمة. ولعل استلهام «روح حرب أكتوبر» وما حفلت به من تضحيات ورغبة في الإيثار والعمل الجماعي سيظل نبراسا لكل الأجيال العربية التي تتطلع إلى مستقبل أكثر استقلالية ورفعة وكرامة لأمتنا العربية في عصر التحولات الاستراتيجية والتكنولوجية المتسارعة والمذهلة.

بطولات وأمجاد حرب أكتوبر

 

 

https://www.sadaelomma.com

https://twitter.com/sadaaluma

Facebook Comments
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: