الرئبيسةثقافة

حوار مع الدكتور عزوز علي إسماعيل أستاذ النقد الأدبي

حوار مع الدكتور عزوز علي إسماعيل  الناقد الأدبي

أجرى الحوار- محمود عبد الغنى

مؤلفاته حركت المياه الراكدة في النقد الأدبي منها كتابه”عتبات النص في الرواية

العربية” والذي أصبح مرجعاً لجل طلاب الدراسات العليا حتى غير المتخصصين في اللغة

العربية، وكتابه “شعرية الفضاء الروائي عند جمال الغيطاني“، متناولاً الشعرية من

منظور الإبداع عند جمال الغيطاني، ومؤخراً كتابه الذي أحدث ضجة كبرى في الأوساط

الأدبية “الألم في الرواية العربية” والذي عرض فيه لقرن من الإبداع الروائي في “الألم”

عند الكتاب الكبار بدءاً من الدكتور طه حسين ومروراً بفترة الستينيات وألم الأرض عند

عبدالرحمن الشرقاوي في “الأرض ” وغسان كنفاني وغيرهما وصولاً لألم الغربة، وجمع

في هذا الكتاب ما يقارب خمسين رواية تناولت الألم كسيرة ذاتية وأيضاً تعبيراً عن آلام

الآخرين ….بلا شك الدكتور عزوز علي إسماعيل قامة أدبية كبيرة، أضافت للحركة الأدبية

في مصر في السنوات الأخيرة بفضل محاضراته في دار الأوبرا المصرية والصالونات

الأدبية وندواته ولقاءاته التليفزيونية والإذاعية وبرامجه الخاصة والعامة، يعيش بين أوصال

وأوردة المجتمعات الثقافية المصرية والعربية، نال من خلالها احترام الكثيرين، منفتح

على الثقافات الأخرى مقدراً الآخر وثقافته لديه مشروع ثقافي قابل للتنفيذ، وأبحاث

علمية مهمة من شأنها تغيير وجهة النقد والوصول إلى نظرية نقدية عربية حديثة، كما

ذكر ذلك في برنامج “علماء من بلدي” بالتليفزيون المصري” فوق ذلك فهو محبوب في

الأوساط الأدبية والثقافية، لا يتحدث إلا بعد تفكير، من أهم أقواله “علينا أن نكتب ونظل

نكتب حتى نعيش أعماراً فوق أعمارنا وأزماناً فوق أزماننا، فالجاحظ ما زال حياً بيننا رغم

ذهابه إلى هناك منذ مئات السنين “، ومن أقواله أيضاً عن اللغة العربية التي يعشقها 

قوله:” ستظل اللغة العربية تاجاً فوق رؤوسنا وليس عيباً أن نتعلم لغة أخرى، ولكن

العيب، كل العيب أن ننسى الأصل والجذور“…  لذلك كله كان لنا معه هذا الحوار

س : هل اللغة العربية في الوقت الحاضر تحتاج إلى تجديد خاصة في ظل ظروف تحتم

على لغتنا أن تأخذ من لغات أخرى، وهل الأخذ بمفردات من اللغات الأخرى يفيد اللغة؟

بداية شكراً جزيلاً لجريدتكم الموقرة على هذا الحوار. ثانياً لا بد أن نعي أولاً أن اللغة

العربية من أعظم اللغات شأناً وأعلاها قدراً فهي اللغة الوحيدة التي يفهم آخرها ما كتبه

أولها، نحن الآن وبعد مرور أكثر من ألف وخمسمائة عام نفهم ما كتبه عنترة بن شداد

والحارث بن حلزة وامرؤ القيس وغيرهم، وهذا أمرٌ من المستحيل أن تجده في لغات

أخرى

فهذا عنترة يتغزل في محبوبته عبلة قبل 1500 عام ونفهمه الآن:

لقد ذكرتك والرماح نواهل مني  &  وبيض الهند تقطر من دمـي

                     فوددت تقبيل السيــــــوف لأنها  &  لمعت كبارق ثغرك المتــبسم

بل إن ما كتبه وليام شكسبير مثلاً منذ قرون قليلة لا يمكن أن تفهمه في لغته الأصلية لا

بد وأن تتعلم لغة أخرى أو أن تستخدم معاجم لتفهم اللغة القديمة للإنجليزية، واللغة

العربية في تطور مستمر، شأنها في ذلك شأن أي لغة أخرى ولكن التطور اللغوي لا

يخرج منها لغة أخرى كما حدث في اللاتينية بل كلما تقدمت السنون زادت اللغة تماسكاً

وقد أراد المستشرقون أن ينالوا منها ولكنها وقفت شامخة مثل الجبال لا تهزها أي

ريح،..والتجديد في اللغة يساعدها – بلا أدنى شك – على البقاء ويمكنها من الاستجابة

الطبيعية والناجعة لمتطلبات العصر، بل ويساعد واضعي المعاجم اللغوية على إثرائها،

بالإضافة إلى ذلك فإن التجديد في اللغة يجعل الباحثين يشمرون عن سواعدهم من أجل

دراسة ذلك الجديد، وربطه بالأطر الحضارية للتاريخ الإنساني وعلى المؤسسات

التعليمية من الجامعات وغيرها رفع المستوى الثقافي باستغلال ما هو جديد في اللغة

وتجديد المعارف والمعلومات، وهو دور مهم يقتضي على المعاجم العربية الاهتمام به

متماشيية مع العلوم الحديثة، وإذا كانت اللغة عند مصطفى لطفي المنفلوطي والعقاد

وغيرهما كانت لغة جزلة ومفرداتها قوية أي إنها لغة تراثية، فإن نجيب محفوظ في

كتاباته سهل اللغة وتقبلها الجميع وفهمها أيضاً الجميع فكانت حلقة وسطية بين اللغة

العربية الفصيحة واللغة العامية القريبة من الفهم العام، لذلك فقد أسس نجيب محفوظ

لشكل أدبي جديد، وأصبحت اللغة عند محفوظ تعرف بالفصحى الدارجة، وجاء من بعده

يوسف القعيد وجمال الغيطاني وغيرهما يسيرون على خطاه، والجميع أصبح يدرك قيمة

هذه اللغة العظيمة وكيف أنها الطريق لبناء حضارة جديدة، كما كان في السابق، فاللغة

العربية هويتنا ومصدر ثقافتنا ولغة آبائنا وأجداداً هي منا ونحن منها أعزها الله بقرآنه

العظيم فعلا شأنها وازدان لواؤها وكانت في يوم ما لغة العلم والحضارة، واللغة هي

الهوية والكيان والتاريخ المشترك للشعوب العربية، وستظل اللغة العربية رابطة تؤلف

بين أبناء الأمة العربية وكما قال الشاعر السوري حليم دموس:

لغة إذا وقعت على أسماعنا   &   كانت لنا برداً على الأكباد

ستظل رابطة تؤلف بيننـــا   &   فهي الرجاء لناطق بالضاد

ماذا عن الإبداع وهل لدينا نجيب محفوظ جديد؟

الإبداع في مصر على أشده نحن كنقاد لم نستطع مسايرة ذلك الإبداع؛ لأن أعداد النقاد

الحقيقيين قليلون إذا ما قيس بهذا الكم الضخم من الإبداع، وألاحظ أن الإبداع الروائي

بالفعل على أشده وأيضاً القصة القصيرة. القصة القصيرة تسير جنباً إلى جنب مع

الرواية، تريد أن تزاحم الرواية، ولكن على استحياء وهي بالفعل منتشرة، فهناك أعمال

إبداعية أناقشها في المنتديات الأدبية والثقافية ألمح فيها إبداعاً حقيقياً ففي مكتبي

العشرات من الأعمال الروائية التي ناقشتها أو تلك التي سوف أقرأها لأقدم عنها نقداً

وأبحث دائماً عن الكتاب الشباب الذين لا يعرفهم أحد، والشعر الآن موجود ولكن بقدر

بسيط إذا ما قيس بالانفجار الروائي حتى إن دور النشر تتلقف الأعمال الروائية عن

الدوواين الشعرية. هذه أمثلة قليلة ولك أن تتخيل أن هناك مؤسسات عديدة في مصر

تثري الحياة الثقافية وتنعشها، ولا بد للنقد من أن يشحذ الهمم للوصول إلى مرحلة

عظيمة من النقد لنرتقي بأنفسنا أكثر. أما عن وجود نجيب محفوظ جديد فإن مصر وبلادنا

العربية ولادة بكل ما هو جديد وأن هناك أقلاماً روائية عظيمة قدمت وما زالت تقدم لا تقل

أهمية عن كتابنا الكبار، فلدينا أقلام مثل أحمد مراد وأحمد ماضي، وعلاء الأسواني وولاء

كمال، أحمد خالد توفيق الله يرحمه، أحمد رجب شلتوت، طنطاوي عبدالحميد وغيرهم

 

رؤيتكم  للمشهد الثقافي في مصر، خاصة في ظل ظروف مختلفة عن سابقتها.

المشهد الثقافي في مصر عبثي ويحتاج إلى تدبر ووعي وتحمل المسؤولية الأخلاقية

على الأقل والقوة الناعمة في بلادنا تحتاج إلى إعادة نظر في ترسيخ الانتماء للوطن

بالكتابة والقراءة، ونتمنى أن تشهد الساحة معارك أدبية وثقافية جديدة مثل تلك التي

كانت مع بدايات القرن الماضي، وأن نفعل دور الهيئات الثقافية، لدينا في مصر خمس

عشرة هيئة تابعة لوزارة الثقافة مثل المجلس الأعلى للثقافة والهيئة المصرية العامة

للكتاب والهيئة العامة لقصور الثقافة وغيرها وبمناسبة الهيئة العامة لقصور الثقافة، لدينا

في مصر 575 قصر ثقافة تقريباً هذه القصور من الممكن أن تشكل وعياً حقيقياً شريطة

أن تعمل وفق ما ترتضيه هيئة قصور الثقافة عن خطط موضوعه من قبل مثقفين يحبون

هذه البلد. ولكن للأسف الشديد لا تعمل بالشكل المطلوب بل إن بعض هذه القصور تكاد

تكون مغلقة تماماً. كما أن هناك نوعاً من التضييق على المثقفين هذا بالإضافة إلى أن

المثقف لا بد وأن يُكرَّم ولا ندعه حتى يموت لنكرم أسرته وأن تكون هناك آليات لتكريم

المستحق ولا نجعل النوادي الأدبية للمحسوبية ومن لا يستحق حتى في مؤتمرات

الوزارة السنوية أو غير ذلك. إن تكريمهم الحقيقي هو الاطلاع على أعمالهم التي قد

ترتقي بالذائقة الأدبية والفنية وأدعو دائماً إلى احتضان هؤلاء المثقفين، لأن الثقافة هي

القوة الناعمة لأي بلد من البلاد وهي القاطرة التي تأخذ بيد البلاد إلى النهوض والتقدم

من أجل ذلك يجب وضع المثقف في الأولويات، كما أريد أن أشير إلى أهمية القافلات

التنويرية التي يجب أن تطوف البلاد باستمرار في قصور الثقافة والأندية الأدبية والقرى

البعيدة عن المحافظات، حتى نواجه الفكر المتطرف بفكر مستنير يتماشى مع الوقت

الذي نحياه ولا نترك شبابناً في أيدي العابثين . وأتمنى أن تعود عبارة “الثقافة

الجماهيرية ” فكانت هي المسمى قبل هيئة قصور الثقافة عام 1965 فالمسمى نفسه

يشعرك بالجماهيرية والتعددية الثقافية . فضلا عن ذلك ولكي نوسع المدارك من أجل

ثقافتنا علينا أن نهتم بالآثار الإسلامية والفرعونية والقبطية يكفينا فقط أن نقول إن

مسجد السلطان حسن ذلك المعلم السياحي العظيم لماذا لا نهتم به أكثر؟ ولماذا لا

نخصص قناة تليفزيونية حكومية لتناول الآثار المصرية والمتاحف هنا وهناك؟ مسجد

السلطان حسن به أربع مدارس لتدريس الفقه على المذاهب الأربعة، لماذا لا نظهر تلك

المدارس لنعلم العالم أن مصر بها تعليم أزهري على المذاهب الأربعة، ونحن نعلم أنَّ

الأمر موجود في الأزهر الشريف، ولكن نريد إظهار تلك الأمور للعالم من خلال قناة

مخصصة لذلك .. وعن المبدعين والمثقفين أدعو إلى التأكيد على علاجهم على نفقة

الدولة، وعدد الكتاب ليس بالكثير، وهناك من يرقد بسبب المرض، ولا نسمع أن أحداً قد

وقف بجواره وأمثله عديدة واتحاد كتاب مصر كان قد أخذ موافقة من الدولة على علاج

المثقفين والكتَّاب، ولكن ما أتمناه أن يكون العلاج مجاناً بنسبة مائة في المائة، ولا داعي

لموضوع الشريحة التي يضعون عليها علاج الكتاب والمثقفين واتحاد الكتاب للأسف

الشديد يضع الآن مبلغ 500 جنيه للكاتب الذي يريد العلاج على نفقة الدولة، ولا أدري

على أي أساس وضعوا هذا المبلغ، وهناك تعتيم شديد من الاتحاد في هذه الجزئية لماذا

؟ لا أدري..

عبدالرحن الأبنودي هل أخذ حقه من بلده؟

نعم بالتأكيد عبدالرحمن الأبنودي أخذ حقه من بلده سواء أكان من التكريمات أو غير ذلك

وكانت له مكانته منذ الستينيات حين عبر عن ألم النكسة بكلماته التي غناها عبدالحليم

حافظ وغيره، وبعد وفاته كانت حفلات التأببين التي أقامها المجلس الأعلى للثقافة،

وبعض الجامعات، وقد خصصت له الدولة مكاناً في أبنود كمتحف فيه مقتنياته، ورغم

معارضته للنظام في أخريات حياته ووصفه للدولة بأنها دولة العواجيز إشارةً منه إلى

رئيسها السابق حسني مبارك وكل وزرائه، حيث كانوا كباراً في السن ولا يمكن بأي حال

من الأحوال أن يتفهموا مطالب الشباب الأمر الذي جعل الشباب يخرجون منادين بالحرية

والعدالة الاجتماعية، وما زالت أثارهم حتى الآن وهو ما جعل هناك عدم ثقة بين الشباب

والمسؤولين، وقد كتب عبدالرحمن الأبنودي قصائد عديدة في أثناء وبعد ثورة يناير منها

قصيدة ” الميدان” والتي فيها يستلهم حماس الشباب، وكيف أنه كان محباً لما حدث

ووصى الشباب في تلك القصائد العظيمة على وطنهم مصر

لماذا يُتهم النقاد دائماً بأنهم منحاذون وأصحاب هوى ؟

النقاد الحقيقيون ليسوا أصحاب هوى، لأنَّ النقد علم له أصوله ومن يتقن هذا العلم

ويتعلمه جيداً لا يمكن أن يكون فيه الناقد صاحب هوى، فالناقد يقدم رؤيته وفق ما

ارتضته ذائقته الأدبية حول النص التي قد لا ترضي صاحب النص؛ لأن النقد من أجل البناء

وليس الهدم، ولكن هناك من أصبح دخيلاً على النقد وينقد كيفما يشاء دون دراسة وعلم،

وهذا يجب الوقوف ضده. ونرى كثيراً على صفحات الجرائد تقديم لبعض النصوص وشرح

لها وهذا ما يمكن تجاوزاً أن نسميه النقد الثقافي الذي يقرب النص من المتلقي بطريقة

بسيطة وهادفة وعلى الرغم من خطورة ذلك إلا إن الأمر يتطلب أن يكون هناك نقد

ثقافي يفهمه الأكثريه من الناس، وهنا نقطة مهمة وهي علينا أن نخرج بالنقد من

النطاق الأكاديمي إلى الناس لإعلامهم بحقيقة النصوص وبأسلوب ليس فيه

اللأكليشيهات ” المعروفة سلفاً في عالم النقد وذلك لتقريب النصوص من الناس ولفهم

طبيعة تلك النصوص، وهنا فقط نستطيع أن نقول إن النقد له دور مهم خارج أسوار

الجامعة بعيداً عن الدور الأكاديمي لطلاب الجامعات، وهو موجود وسيظل موجوداً داخل

أروقة الجامعات، ولكن ما ننادي به الآن هو خروج النقاد إلى الأندية الثقافية والكتابة

بشكل أسهل وذلك لتوضيح  النصوص وتفسيرها للناس. ونحن في هذا السياق علينا أن

ننظر بعين إلى العالمية والخروح من نطاق المحلية بتقديم أعمال نقدية وعلمية متميزة

لكي نصل إلى نظرية نقدية أي أن الكتاب يجب أن يتيقنوا أنهم يقومون بدور وطني في

الكتابة يخص الوطن الكبير وهو الأمة العربية التي صرخ من أجلها إبراهيم اليازجي في

بداية القرن الماضي قائلا:

تنبهوا واستفيقوا أيها العرب فقد     طما الخطب حتى غاصت الركب

                  فيما التعلل بالآمال تخدعكم          وأنتم بين راحات القنا سلب

طه حسين ماذا يمثل لكم؟ والسؤال القديم الحديث عن كتابه في الشعر الجاهلي

والمعارك التي اشتعلت بسببه هل ما زالت لها أصداء ورأيكم، وعن المعارك الأدبية في

القرن الماضي لماذا لم نراها الآن؟

الدكتور طه حسين رائد من رواد التنوير في مصر في القرن الماضي وياليتنا نعيد قراءة

“مستقبل الثقافة في مصر” وعاصر الدكتور طه حسين  مجموعة كبيرة من الأدباء والنقاد

الذين قدموا كثيراً للحياة الثقافية والفكرية والأدبية منهم أحمد لطفي السيد، وأحمد

حسن الزيات والعقاد والمازني وعبدالرحمن شكري وبلا شك أحمد شوقي ، وحافظ

إبراهيم، وأمل دنقل بعد ذلك..وإذا كان الدكتور طه حسين قد تأثر بالأدب الفرنسي

ومناهج الشك الديكارتيه، فأنا شخصياً أوافقه على ما قام فيه من شك في الشعر

الجاهلي، لأن نظرية الشك لديه كان لها ما يبررها، فحين نظر إلى شعر الشمال في أهل

نجد والحجاز ووجد فيه ما يدل على البيئة الجنوبية فإن الأمر يستدعي الشك وأن هذا

الشعر منحول والعكس صحيح. وعلى الرغم أن كتاب “في الشعر الجاهلي ” لطه حسين

أحدث صدمة حضارية كبرى تلك الصدمات التي تحتاجها الشعوب لتستيقظ من ثباتها

القديم وتُعمل العقول، فإن طه حسين ظل صامداً أمام تلك العقبات التي واجهته ورغبة

منه في التهدئة نوعاً ما غير اسم الكتاب وجعله” ففي الأدب الجاهلي” وحذف بعض

الفقرات البسيطة منه …وفضلاً عن معارك طه حسين مع أنصار القديم والجديد، فقد ثارت

معارك ضارية بين العقاد وأحمد شوقي بل إن العقاد أراد أن يخلع إمارة الشعر عن

شوقي متحججاً بأنه أولى بها، وأن لديه أشعاراً ودوواين متعددة، ولكن ما كان يميز شعر

العقاد أنه شعر فلسفي يميل إلى النزعة الفلسفية فلم يقبل عليه الناس كثيراً بينما كان

شعر أحمد شوقي مرتبطاً بالوجدان فجنح الكثيرون نحوه فغنت له أم كلثوم العديد من

القصائد.. ومن أشد المعارك أيضاً التي كانت بين مصطفى صادق الرافعي والعقاد، فكتب

الأول حين هاجمه العقاد، كتابه “على السفود” والذي شوى فيه العقاد بالفعل على النار

من خلال ذلك النقد اللاذع الذي وجهه للعقاد. ورد عليه العقاد رداً عنيفاً، ولكننا في الوقت

الحاضر لم نجد تلك المعارك وذلك النضوج الفكري لأن مؤسساتنا الثقافية حجمت العقول

في تلك الغرف وكرست للمحسوبية ناهيكم عن الجوائز وما يحدث فيها، ونلاحظ أن

المعارك النقدية والأدبية مع بدايات القرن الماضي كانت قبل وجود وزارة للثقافة من

الأساس، والآن لدينا وزارة ثقافة ولا يوجد للأسف مثقفون حقيقيون إلا من رحم ربي، وإن

كان هناك هجوم من شخص على شخص آخر فهي معارك شخصية ومتدنية، لا يبغون

من ورائها صالح اللغة وإظهار الخفي من قوتها كما كان في السابق، لذلك يقع علينا الآن

المقارنة بين بدايات القرن الماضي وبدايات القرن الحالي في العشرين سنة الأولى من

القرنين فلم نجد لينا الآن شاعراً بحجم حافظ إبراهيم أو أحمد شوقي أو كاتباً متميزاً

بحجم العقاد والمنفلوطي وهؤلاء الأعلام نخجل الآن حين نذكر تلك الأسماء وما قدموه

للأدب. ولنا أن نتخيل كم عدد وزراء الثقافة منذ أن كانت وزارة الثقافة مع وزارة الإرشاد

وحتى الآن، فمصر مرَّت بعدد كبير من وزراء الثقافة، وكان للرعيل الأول الدور الكبير في

الغرس الأولي بدءاً من الدكتور ثروت عكاشة، والذي يعود إليه الفضل مع الدكتورة سهير

القلماوي في إنشاء معرض القاهرة الدولي للكتاب 1969باعتباره يؤرخ لوصول القاهرة

إلى ألف عام من حياتها، والدكتور حاتم عبدالقادر مروراً بأطول فترة وزارية لوزير ثقافة

وهو فاروق حسني  ووصولاً إلى وقتنا الحاضر خاصة بعد 25 يناير 2011 وما أعقبها من

وزراء ثقافة كثيرين وتخبط في قرارات كثيرة لا تراعي فكر الشباب الذين هم عماد الوطن.

ويستطرد الدكتور عزوز قائلاً :” وعلى ذكر اسم الدكتور ثروت عكاشة يوجد شارع باسمه

في الجيزة من ميدان الشوربجي للأسف لا يعرف عنه الكثيرون شيئاً أتمنى من الناحية

الحضارية لبلدنا العظيمة مصر أن تهتم بهذا الشارع الذي سمى على اسم الدكتور ثروت

عكاشة، فهو مهمل ونحتاج إلى إظهار أسماء علمائنا وكتابنا الكبار على الشوارع

والميادين.

لماذا لا توجد لدينا الآن نظرية نقدية حديثة؟

قبل الحديث عن وجود نظرية نقدية حديثة علينا أولاً أن ندرك بعض الأمور أهمها أن

النظرية النقدية يجب أن تكون إنسانية أي تمس الكيان الإنساني وتفيده ولكن في عالمنا

العربي كان نقادنا الكبار حجر عثرة في عدم قيام نظرية نقدية حديثة؛ لأنهم كانوا تابعين

للفكر الغربي من أوله إلى آخره، رغم أن حقيقة النطرية إنسانية عامة في المقام الأول

وهم قد وأتوا لنا بنظرياته التي في الأساس نظريات عربية ولكنهم غلفوها “بسليفان”.

بل إن نقادنا الكبار – مع تقديري العميق لهم – قد تلقونها على غرار”إذا قالت حزامِ

فصدقوها ” وهذا ما أسميه ” التبعية الفكريةوهو ما أجهض قيام نظرية نقدية في

الوقت الحاضر. لا بد وأن نذكر أن النقد العربي القديم والذي يبدأ تقريباً مع القرن الثاني

الهجري حتى نهاية الدولة العباسية كانت به لمحات نقدية عظيمة عشنا عليها كثيراً

دارسين ومهتمين، ارتقت تلك اللمحات إلى أن أصبحت نظريات نقدية بلا شك، وصنع

النقد آنذاك تاريخاً عظيماً إذا ما قيس بالوقت الذي كان فيه، فلا ننسى على الإطلاق ما

قام به ابن قتيبة خاصة في مقدمة كتابة “الشعر والشعراء” وقد عد ابن قتيبة طبقاً

للموسوعة الفرنسية العالمية الناقد الأول الذي استطاع أن يتناول قضية القديم

والحديث، رغم سبق ابن سلام الجمحي له  في “طبقات فحول الشعراء” وكذلك الأمر

نظرية ” النظم ” عند عبد القاهر الجرجاني وهي نظرية بلاغية لغوية تجاوزت الاحتفاء

بقضية ” اللفظ والمعنى ” تلك القضية الكبيرة والتي تقريباً أخذت جلَّ فكر معاصريه إلى

النص ككل فيما يعرف في وقتنا الحاضر بعلم الأسلوب، وما قام به أبو عثمان بن بحر

الجاحظ من مسألة المعاني والأفكار والطبع والصنعة، ومن ثم فقد تبلورت تقريباً نظرية

للشعر العربي متكاملة تحت لواء “عمود الشعر” كان لإسهام الجاحظ في البيان والتبيين

والآمدي في الموازنة والمرزوقي في شرح ديوان الحماسة والقاضي الجرجاني وابن

طباطبا الأثر في قيام تلك النظرية الخاصة بعمود الشعر العربي. وفي الماضي القريب

اكتسحت نظريات النقد الغربية الأسواق النقدية العربية وقد كنا مرغمين على تقبلها .

وأما في الوقت الحاضر أو العصر الحديث، ولكي تكون هناك نظرية نقدية حديثة لا بد وأن

نكون مدركين لحقيقة معنى النظرية التي تقوم من خلال منظومة كبرى من المبادئ

المتكاملة التي تجتمع جميعها من أجل تفسير ظاهرة إنسانية وهي هنا نظرية نقدية

شاملة ولا بد أن تتسم بالمرونة شريطة قابليتها للتصديق شارحة للظواهر العامة في

العملية النقدية الحديثة، ولن نصل إليها إلا بوضع تصور شامل لها والإخلاص للهوية

العربية من خلال النقد العربي. وأنا لا أشك على الإطلاق من أن في العالم العربي نقاداً

عظاماً ولديهم مؤلفات عظيمة في النقد الأدبي العربي ولكن هذه الجهود هي جهود

فردية يجب أن تُجمع وأن تُعرف حتى نستطيع حصرها من خلال عمل مؤسساتي على

غرار مؤسسة الفكر العربي، بأن تكون هناك مؤسسة للفكر النقدي العربي خاضعة

للحكومة، لأنها مكلفة جداً ولا يستطيع أحد بمفرده القيام بها. وعلينا أن نحصي ذلك

الإبداع من خلال ببليوجرافيات لدراسة ذلك الإبداع. وبهذا سوف تكون لدينا نظرية نقدية

حديثة ونصل من ثم إلى العالمية .

بم أنت مشغول به الآن ؟

أنا دائماً مشغول ببلدي وأتمنى أن أقدم لها شيئاً يحسب على مر الزمن خاصة في ظل

الظروف التي نحياها الآن، ولا يوجد أفضل من البحث العلمي فهو السبيل إلى الارتقاء

وأعكف حالياً على البحث العلمي والنشر في مجلات محكمة ولدي أبحاث عديدة من

شأنها أن ترتقي بالنقد كما أنني مهموم بالشأن الثقافي ومهموم بوضع المثقف الذي لم

يحصل على شيء يذكر، وأصبحت المسئولية في أعناقنا جميعاً ولا بد من تضافر الجهود

ولا نلقي باللائمة على الآخرين أو حتى المسئولين لأنهم في وضع لا يحسدون عليه

فالكل يجب أن يعمل حتى تنهض البلاد، وقد انتهيت بالفعل من عمل معجم ضخم أعتقد

أنه سيغير كثيراً في وجهة النقد بشكل عام في الفنون كافة.

أحمد خالد توفيق أصبح الآن وبعد وفاته رمزاً من رموز الكتابة…. لماذا؟

نحن لا نتعلم من التاريخ أحمد خالد توفيق من شباب مصر العظام الذين قدموا أدباً

يحسب لهم على مر التاريخ وكان متواضعاً جداً، ولا أدري لماذ الإقصاء المتعمد له،

استطاع أحمد خالد توفيق أن يصل إلى قلوب الشباب بفضل قلمه المدرك للحياة فكان

ينبض بمشاعرهم، وكان أحمد خالد توفيق قبل مماته رمزاً أيضاً للشباب المصري

والعربي..  وبعد وفاته الناس ذهلوا وتساءلوا كيف لهذا الجيل من الشباب مدرك لحقيقة

الثقافة؟ وكيف أن الفكر والإبداع والأدب يستطيع أن يقود جيلاً بل أجيالاً من الشباب وهذا

ما أقوله دائماً الثقافة قوة خارقة لا يمكن لأحد أن يهزمها على الإطلاق. فمن السهل أن

تهدم بيتاً ولكن من الصعب أن تبني عقلاً، نعم استطاع الكاتب أحمد خالد توفيق أن يتربع

على قلوب شباب مصر والعرب فقد كان فارساً في كتابة أدب الرعب ويرجع له الفضل

في ترسيخ ذلك الأدب الذي يستحوذ على عشق الكثيرين، وخاصة الشباب والكتابة فيما

خارج الطبيعة ، ويؤسفني جداً أجد مذيعاً يقول لا أعرف من هو أحمد خالد توفيق؟ !! خالد

توفيق له أعمال رائعة في هذا المجال ولم يثنيه في بداية حياته أن وقف ضده مجموعة

من الكتاب حين رفضوا أول رواية له ” أسطورة مصاص الدماء” ولكن يشاء القدر أن يوجد

من يأخذ بيده ويوافق على تلك الرواية للطباعة والنشر، ويتحدث عنها وهو الدكتور نبيل

فاروق، وهو ما يذكرنا بما فعله يوسف إدريس مع صنع الله إبراهيم في بداية حياته مع

تلك الرائحة حين قدم يوسف إدريس لمجموعة تلك الرائحة، فكانت البداية الحقيقية لصنع

الله إبراهيم وهنا نقول يجب على الكبار أن يأخذوا بيد الشباب، وكما فعلت مع عدد من

الكتاب الشباب الذين يستحقون الكتابة عن أعمالهم وإظهارها بالنقد البناء مثل الكاتب

ولاء كمال والكاتب يسري أبو القاسم وغيرهم… وقد وصلت أعمال أحمد خالد توفيق

الروائية إلى أكثر من 200 رواية فضلاً عن مقالاته وترجماته، وكانت لمجلة الشباب التي

تصدر عن الأهرام الفضل في نشر أعماله ومقالاته، فقد كتب سلسلة كاملة عن أدب

الرعب وبعدها أصدر “فانتازيا” 1995 ولكن تعتبر “يوتوبيا” أشهر رواياته على الإطلاق وله

ورواية “السنجة” و ” عقل بلا جسد” وغيرها من الأعمال التي استلهمت حماس الشباب

والعجيب أننا نجد الآن من يندب حظه لأنه لم يلتق بأحمد خالد توفيق؛ لأنه لم يكن يعرفه

خاصة بعد رحيلة ورؤيته العالم كله يحزن على هذا الكاتب المتميز رحم الله أحمد خالد

توفيق الذي أكد لنا قبل وبعد رحيله أن القيمة ما زالت موجودة وما زال هناك من يبحث

عنها من الشباب الواعي المثقف.

 

د. هانى السيسى ود. جودة عبد النبى ود. عزوز علي إسماعيل ود. حسام عقل والكاتب الصحفى والناقد الأدبى محمود عبد الغنى
Facebook Comments
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: