الرئبيسةثقافة

سيف الله المسلول خالد بن الوليد «٢»

سيف الله المسلول خالد بن الوليد

تقديم-  محمود عبد الغنى

فى‭ ‬سباق‭ ‬مع‭ ‬الزمن‭ ‬وعلى‭ ‬قدم‭ ‬وساق‭ ‬تتواصل،‭ ‬هذه‭ ‬الأيام،‭ ‬كواليس‭ ‬تصوير‭ ‬مشاهد‭

‬المسلسل‭ ‬الرمضانى‭ ‬الأضخم‭ ‬‮«‬سيف‭ ‬الله‭ ..‬خالد‭ ‬بن‭ ‬الوليد‮»‬،‭ ‬الذى‭ ‬تقوم‭ ‬بإنتاجه‭ ‬شركة‭

‬‮«‬سينرجى‮»‬،‭ ‬عن‭ ‬شخصية‭ ‬الصحابى‭ ‬الجليل،‭ ‬حيث‭ ‬يقوم‭ ‬بدور‭ ‬البطولة‭ ‬الفنان‭ ‬عمرو‭

‬يوسف،‭ ‬سيناريو‭ ‬وحوار‭ ‬إسلام‭ ‬حافظ،‭ ‬وإخراج‭ ‬رءوف‭ ‬عبدالعزيز‭.‬

‭ ‬يستند‭ ‬المسلسل‭ ‬إلى‭ ‬كتاب‭ ‬الأديب‭ ‬الكبير‭ ‬عباس‭ ‬محمود‭ ‬العقاد‭ ‬‮«‬عبقرية‭ ‬خالد‮»‬،‭ ‬ضمن‭

‬سلسلة‭ ‬‮«‬عبقريات‭ ‬العقاد‮»‬،‭ ‬والذى‭ ‬يلقى‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬نشأة‭ ‬خالد‭ ‬بن‭ ‬الوليد‭ ‬وإسلامه‭

‬وعبقريته‭ ‬العسكرية‭. ‬ومع‭ ‬ترقب‭ ‬جمهور‭ ‬المشاهدين‭ ‬العمل‭ ‬التاريخى‭ ‬تنشر‭ ‬‮«‬صدى‭ ‬الأمة‮»‬‭

‬فصولًا‭ ‬على حلقات من‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬عبقرية‭ ‬خالد‮»‬،‭ ‬لنقترب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬شخصية‭ ‬سيف‭ ‬الله‭

‬المسلول‭  ‬قبل‭ ‬أن‭

‬نراه‭ ‬على‭ ‬الشاشات‭ ‬فى‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬المقبل‭.‬

نشأة‭ ‬خالد

خالد‭ ‬بن‭ ‬الوليد‭ ‬بن‭ ‬المغيرة‭ ‬أحد‭ ‬سبعة‭ ‬إخوة‭ ‬من‭ ‬الذكور‭ ‬وقيل‭ ‬عشرة،‭ ‬بل‭ ‬ثلاثة‭ ‬عشر‭ ‬بين‭

‬ذكور‭ ‬وإناث،‭ ‬ومنهم‭ ‬أختان‭..‬

‭ ‬وقد‭ ‬تقدم‭ ‬إجمال‭ ‬القول‭ ‬فى‭ ‬شرف‭ ‬قومه‭ ‬ونصيب‭ ‬أعمامه‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬الرئاسة‭ ‬والزعامة،‭ ‬أما‭

‬أبوه‭ ‬الوليد،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬الرأس‭ ‬بين‭ ‬الرءوس‭ ‬والزعيم‭ ‬بين‭ ‬الزعماء،‭ ‬وكانت‭ ‬له‭ ‬فى‭ ‬بعض‭ ‬نواحى‭

‬خلقه‭ ‬وعقله‭ ‬لمحات‭ ‬تلك‭ ‬الماهب‭ ‬التى‭ ‬تجلَّت‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬فى‭ ‬عبقرية‭ ‬ولده‭ ‬العظيم‭.‬

‭ ‬كان‭ ‬أغنى‭ ‬أبناء‭ ‬زمانه‭ ‬فى‭ ‬صنوف‭ ‬الثراء‭ ‬المعروفة‭ ‬بينهم‭ ‬كافة،‭ ‬الذهب‭ ‬والفضة‭ ‬والبساتين‭

‬والكروم،‭ ‬والتجارة‭ ‬والعروض،‭ ‬والخدم‭ ‬والجوارى‭ ‬والعبيد،‭ ‬وسمى‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ذلك‭ ‬بالوحيد،‭

‬ولقب‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ذلك‭ ‬بريحانة‭ ‬قريش‭.‬

‭ ‬وهو‭ ‬الذى‭ ‬قال‭ ‬فيه‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬المدثر ‭)‬ذَرْنِى‭ ‬وَمَنْ‭ ‬خَلَقْتُ‭ ‬وَحِيدًا‭. ‬وَجَعَلْتُ‭ ‬لَهُ‭

‬مَالًا‭ ‬مَمْدُودًا‭. ‬وَبَنِينَ‭ ‬شُهُودًا‭  ‬وَمَهَّدْتُ‭ ‬لَهُ‭ ‬تَمْهِيدًا).‬

ويروى‭ ‬سفيان‭ ‬الثورى‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬يملك‭ ‬ألف‭ ‬ألف‭ ‬دينار،‭ ‬ويروى‭ ‬ابن‭ ‬عباس‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬يملك‭ ‬من‭

‬الفضة‭ ‬تسعة‭ ‬آلاف‭ ‬مثقال‭.‬

‭ ‬ولكبريائه‭ ‬فى‭ ‬جوده‭ ‬أو‭ ‬وجوده‭ ‬فى‭ ‬كبريائه،‭ ‬كان‭ ‬ينهى‭ ‬أن‭ ‬توقد‭ ‬نار‭ ‬غير‭ ‬ناره‭ ‬فى‭ ‬منى‭

‬لإطعام‭ ‬الحجيج‭.‬

وكان‭ ‬يأنف‭ ‬لنفسه‭ ‬فى‭ ‬الجاهلية‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬سكران،‭ ‬على‭ ‬إباحة‭ ‬الخمر‭ ‬وشيوها‭ ‬فى‭ ‬تلك‭

‬الأيام،‭ ‬فانتهى‭ ‬عنها‭ ‬بغير‭ ‬ناه،‭ ‬وقيل‭ ‬إنه‭ ‬قطع‭ ‬يد‭ ‬السارق‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬القصاص‭.‬

‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬الحيلة‭ ‬والحول‭ ‬والإقدام،‭ ‬ضربة‭ ‬من‭ ‬ضرباته‭ ‬فى‭ ‬موقف‭ ‬اللبس‭ ‬والتردد

‭ ‬ترينا‭ ‬فيه‭ ‬أبا‭ ‬خالد‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬العالم‭ ‬ضربات‭ ‬خالد،‭ ‬وذلك‭ ‬يوم‭ ‬تداعت‭ ‬الكعبة‭ ‬وأوجس‭

‬المشركون‭ ‬أن‭ ‬يهدموها‭ ‬ليعيدوا‭ ‬بناءها،‭ ‬توقيرًا‭ ‬لتلك‭ ‬الحرمة‭ ‬التى‭ ‬كانوا‭ ‬يقاربونها‭ ‬بالضراعة‭

‬والخشوع‭ ‬ويدخلها‭ ‬بعضهم‭ ‬حفاة‭ ‬الأقدام‭ ‬ولم‭ ‬يقربوها‭ ‬قط‭ ‬بهدم‭ ‬أو‭ ‬عدوان،‭ ‬فلما‭ ‬رأى‭

‬وسواسهم‭ ‬وفزعهم‭ ‬تناول‭ ‬المعول‭ ‬وضرب‭ ‬الضربة‭ ‬الأولى‭ ‬بيديه‭ ‬وهو‭ ‬يقول‭ : ‬‮«‬اللهم‭ ‬لم‭ ‬ترع،‭

‬اللهم‭ ‬لا‭ ‬نريد‭ ‬إلا‭ ‬الخير‮»‬،‭ ‬ومضى‭ ‬فى‭ ‬أثره‭ ‬الهادمون‭ ‬غير‭ ‬متهيبين‭.‬

‭ ‬ويؤخذ‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬أحاديثه‭ ‬مع‭ ‬أبى‭ ‬جهل‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أفقه‭ ‬الناس‭ ‬لمعانى‭ ‬الكلام‭ ‬ومن‭

‬أحفظهم‭ ‬للشعر‭ ‬والخطب‭ ‬فى‭ ‬أيامه‭.‬

‭ ‬‮«‬قام‭ ‬النبى‭ ‬‮«‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‮»‬‭ ‬فى‭ ‬المسجد‭ ‬يصلى‭ ‬والوليد‭ ‬بن‭ ‬المغيرة‭ ‬قريب‭ ‬منه‭

‬يسمع‭ ‬قراءته،‭ ‬فلما‭ ‬فطن‭ ‬النبى‭ ‬‮«‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‮»‬‭ ‬لاستماعه‭ ‬أعاد‭ ‬قراءة‭ ‬الآية،‭

‬فانطلق‭ ‬الويد‭ ‬حتى‭ ‬أتى‭ ‬مجلس‭ ‬قومه‭ ‬من‭ ‬بنى‭ ‬مخزوم،‭ ‬فقال‭ : ‬‮«‬والله‭ ‬لقد‭ ‬سمعت‭ ‬من‭ ‬حمد‭

‬آنفًا‭ ‬كلامًا‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬كلام‭ ‬الإنس‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬كلام‭ ‬الجن،‭ ‬والله‭ ‬إن‭ ‬له‭ ‬لحلاوة‭ ‬وإن‭ ‬عليه‭ ‬لطلاوة،‭

‬وإن‭ ‬أعلاه‭ ‬لمثمر‭ ‬وأن‭ ‬أسفله‭ ‬لمغدق،‭ ‬وأنه‭ ‬يعلو‭ ‬وما‭ ‬يعلى‭.. ‬ثم‭ ‬انصرف‭ ‬إلى‭ ‬منزله‮»‬‭.‬

‭ ‬فقالت‭ ‬قريش‭ : ‬‮«‬صبأ‭ ‬والله‭ ‬الوليد‭ ‬ولتصبون‭ ‬قريش‭ ‬كلهم،‭ ‬فأوفدوا‭ ‬إليه‭ ‬أبا‭ ‬جهل‭ ‬يحتال‭

‬لصرفه‭ ‬عن‭ ‬الإسلام‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬نوى‭ ‬الدخول‭ ‬فيه،‭ ‬ومازال‭ ‬به‭ ‬حتى‭ ‬قام‭ ‬معه‭ ‬إلى‭ ‬مجلس‭

‬قومه،‭ ‬فقال‭ ‬لهم‭ : ‬‮«‬تزعمون‭ ‬أن‭ ‬محمدًا‭ ‬مجنون،‭ ‬فهل‭ ‬رأيتموه‭ ‬يخنق‭ ‬قط؟‭ ‬تزعمون‭ ‬أنه‭

‬كاهن،‭ ‬فهل‭ ‬رأيتموه‭ ‬تكهن‭ ‬قط؟‭ ‬تزعمون‭ ‬أنه‭ ‬شاعر‭ ‬وما‭ ‬فيكم‭ ‬أحد‭ ‬أعلم‭ ‬بالشعرى‭ ‬مني،‭

‬فهل‭ ‬رأيتموه‭ ‬ينطق‭ ‬بشعر‭ ‬قط‭ ‬؟‭ ‬تزعمون‭ ‬أنه‭ ‬كذاب،‭ ‬فهل‭ ‬جربتم‭ ‬عليه‭ ‬شيئًا‭ ‬من‭ ‬الكذب؟

يسألهم‭ ‬ويجيبونه‭ : ‬‮«‬كلا‮»‬،‭ ‬فى‭ ‬كل‭ ‬سؤال‭.‬

حتى‭ ‬أعياهم‭ ‬أن‭ ‬يردوا‭ ‬كلامه،‭ ‬فسألوه‭ ‬رأيه‭ ‬فى‭ ‬تفسير‭ ‬بلاغة‭ ‬القرآن،‭ ‬ففكر‭ ‬ثم‭ ‬قال‭ : ‬‮«‬ما‭

هو ‬إلا‭ ‬سحر‭ ‬يؤثر‭! ‬ أما‭ ‬رأيتموه‭ ‬يفرق‭ ‬بين‭ ‬الرجل‭ ‬وأهله‭ ‬وولده‭ ‬ومواليه‭ ‬؟‭ ‬فهو‭ ‬ساحر‭ ‬وهذا‭

‬هو‭ ‬السحر‭ ‬المبين‭.. ‬فذاك‭ ‬إذ‭ ‬يقول‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ :‬

‭(‬إنه‭ ‬فَكَّر‭ ‬وقدَّر‭. ‬فقُتل‭ ‬كيف‭ ‬قدَّر‭. ‬ثم‭ ‬قُتل‭ ‬كيف‭ ‬قدَّر‭. ‬ثمَّ‭ ‬نَظَر‭. ‬ثمَّ‭ ‬عَبَسَ‭ ‬ويَسَرَ‭. ‬ثُمَّ‭ ‬أدبَرَ‭

‬واستكبرَ‭. ‬فقال‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬إلا‭ ‬سحرٌ‭ ‬يُؤثرُ‭).‬

واختلف‭ ‬المفسرون‭ ‬فى‭ ‬تفسير‭ ‬المعنى‭ ‬المقصود‭ ‬بالعتل‭ ‬الزنيم‭ ‬الذى‭ ‬قيل‭ ‬إنه‭ ‬نزل‭ ‬فيه‭.‬

فرأى‭ ‬بعضهم‭ ‬أن‭ ‬الزنيم‭ ‬هو‭ ‬الدعى،‭ ‬وأن‭ ‬الوليد‭ ‬بن‭ ‬المغيرة‭ ‬يوصف‭ ‬به،‭ ‬لأن‭ ‬أباه‭ ‬ادعاه‭ ‬بعد‭ ‬ثمانى‭ ‬عشرة‭ ‬من‭ ‬مولده‭.‬

‭ ‬ورأى‭ ‬بعضهم‭ ‬أن‭ ‬الزنيم‭ ‬وصف‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬زنمة‭ ‬كان‭ ‬يعرف‭ ‬بها‭ ‬فى‭ ‬عنقه،‭ ‬وهى‭ ‬اللحمة‭ ‬المدلاة،‭

‬ويخالفهم‭ ‬آخرون‭ ‬فيقولون‭ ‬إن‭ ‬الرجل‭ ‬الذى‭ ‬كان‭ ‬يعرف‭ ‬بهذه‭ ‬الزنمة‭ ‬هو‭ ‬الأخنس‭ ‬بن‭ ‬شريق،‭

‬وكان‭ ‬أصله‭ ‬من‭ ‬ثقيف‭ ‬وعداده‭ ‬فى‭ ‬زهرة‭.‬

‭ ‬وفى‭ ‬رواية‭ ‬أنه‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬سُئل‭ ‬عن‭ ‬العتزل‭ ‬الزنيم‭ ‬فقال‭ ‬إنه‭ ‬هو‭ ‬الفاحش‭ ‬اللئيم،‭ ‬وغير‭

‬ذلك‭ ‬من‭ ‬الروايات‭ ‬والتأويلات‭ ‬كثير‭.‬

إلا‭ ‬أن‭ ‬الذى‭ ‬يعنينا‭ ‬فيما‭ ‬نحن‭ ‬بصدده‭ ‬أن‭ ‬الوليد‭ ‬لم‭ ‬ينسب‭ ‬قط‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬غير‭ ‬أبيه‭ ‬المغيرة،‭ ‬وأن‭

‬المغيرة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬استلحاق‭ ‬ولد‭ ‬غريب‭ ‬عنه‭ ‬لكثرة‭ ‬أولاده‭ ‬ونجابتهم‭ ‬بين‭ ‬فتيان‭

‬مخزوم‭ ‬وقريش‭ ‬عامة،‭ ‬وأن‭ ‬شبه‭ ‬الوليد‭ ‬ببنى‭ ‬المغيرة‭ ‬ظاهر‭ ‬حتى‭ ‬فى‭ ‬بعض‭ ‬الفروع‭ ‬العبيدة،‭

‬فإن‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬الخطاب‭ ‬كانت‭ ‬أمه‭ ‬قريبة‭ ‬خالد‭ ‬بن‭ ‬الوليد،‭ ‬وكان‭ ‬يشبهه‭ ‬أقرب‭ ‬الشبه‭ ‬كما‭ ‬يتفق‭

‬فى‭ ‬أيامنا‭ ‬هذه‭ ‬كثيرًا‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬العمات‭ ‬والأخوال،‭ ‬وأن‭ ‬غير‭ ‬الوليد‭ ‬لأولى‭ ‬بذلك‭ ‬الوصف‭ ‬لما‭

‬تقدم‭ ‬من‭ ‬اعتزاز‭ ‬قريش‭ ‬بنسبته‭ ‬فيهم‭ ‬حتى‭ ‬لقب‭ ‬بريحانة‭ ‬قريش‭ ‬وسمى‭ ‬بينهم‭ ‬بالوحيد‭.‬

‭ ‬وعلى‭ ‬آية‭ ‬حالة،‭ ‬فقد‭ ‬نشأ‭ ‬خالد‭ ‬فى‭ ‬بيت‭ ‬الوليد‭ ‬بن‭ ‬المغيرة‭ ‬وهو‭ ‬سيد‭ ‬بنى‭ ‬مخزوم،‭ ‬وأحد‭

‬السادات‭ ‬المعدودين‭ ‬فى‭ ‬قريش،‭ ‬وصاحب‭ ‬الكلمة‭ ‬التى‭ ‬يتعلق‭ ‬بها‭ ‬مصير‭ ‬قومه‭ ‬فيما‭ ‬يجنح‭

‬إليه‭ ‬من‭ ‬شرعة‭ ‬أو‭ ‬دين‭.‬

‭ ‬أما‭ ‬أمه‭ ‬فهى‭ ‬لبابة‭ ‬بنت‭ ‬الحارث‭ ‬الهلالية،‭ ‬وهى‭ ‬أخت‭ ‬ميمونة‭ ‬أم‭ ‬المؤمنين‭ ‬زوج‭ ‬النبى‭ ‬عليه‭

‬السلام،‭ ‬وأخت‭ ‬لبابة‭ ‬بنت‭ ‬الحارث‭ ‬الكبرى‭ ‬زوج‭ ‬العباس‭ ‬عمه،‭ ‬وأخت‭ ‬أسماء‭ ‬بنت‭ ‬عميس‭ ‬التى‭

‬تزوجها‭ ‬جعفر‭ ‬بن‭ ‬أبى‭ ‬طالب‭ ‬ثم‭ ‬أبو‭ ‬بكر‭ ‬الصديق،‭ ‬ثم‭ ‬على‭ ‬بن‭ ‬أبى‭ ‬طالب،‭ ‬ولها‭ ‬أخوات‭

‬أخريات‭ ‬بنى‭ ‬بهن‭ ‬رجال‭ ‬من‭ ‬ذوى‭ ‬الأخطار‭ ‬ومقاديم‭ ‬العشائر‭ ‬النابهين‭.‬

وندر‭ ‬فى‭ ‬بيوت‭ ‬العرب‭ ‬النبيلة‭ ‬بيت‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬له‭ ‬صلة‭ ‬بخالد‭ ‬وذويه‭ ‬بالنسب‭ ‬والمصاهرة،‭ ‬من‭

‬جانب‭ ‬أمه‭ ‬أو‭ ‬جانب‭ ‬أبيه‭.‬

‭ ‬والأقوال‭ ‬فى‭ ‬سن‭ ‬خالد‭ ‬وتاريخ‭ ‬مولده‭ ‬لا‭ ‬تنهى‭ ‬إلى‭ ‬قول‭ ‬يمتنع‭ ‬فيه‭ ‬الخلاف،‭ ‬فمن‭ ‬المؤخين‭

‬من‭ ‬يقول‭ ‬إنه‭ ‬مات‭ ‬وله‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬ستون‭ ‬سنة،‭ ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬مات‭ ‬فى‭ ‬السنة‭ ‬الحادية‭

‬والعشرين‭ ‬أو‭ ‬الثانية‭ ‬والعشرين‭ ‬للهجرة،‭ ‬فقد‭ ‬ولد‭ ‬إذن‭ ‬فى‭ ‬السنة‭ ‬الثامنة‭ ‬والثلاثين‭ ‬أو‭ ‬السنة‭

‬التاسعة‭ ‬والثلاثين‭ ‬قبل‭ ‬الهجرة‭.‬

‭ ‬ولكنه‭ ‬قول‭ ‬يحول‭ ‬دون‭ ‬تصديقه‭ ‬والأخذ‭ ‬به‭ ‬أن‭ ‬خالدًا‭ ‬كان‭ ‬صغير‭ ‬السن‭ ‬فى‭ ‬عام‭ ‬الفتح‭ – ‬فتح‭

‬مكة‭ – ‬كما‭ ‬يفهم‭ ‬من‭ ‬تلقيب‭ ‬أبى‭ ‬سفيان‭ ‬له‭ ‬بالغلام‭ ‬وشيوع‭ ‬هذا‭ ‬القلب‭ ‬بين‭ ‬عارفيه‭.‬

‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬أبو‭ ‬سفيان‭ ‬والعباس‭ ‬يرقبان‭ ‬عبور‭ ‬الكتائب‭ ‬والقبائل‭ ‬فى‭ ‬يوم‭ ‬الفتح،‭ ‬فكان‭ ‬خالد‭ ‬بن‭

‬المغيرة‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬مر‭ ‬فى‭ ‬بنى‭ ‬سليم،‭ ‬فسأل‭ ‬أبو‭ ‬سفيان‭ : ‬من‭ ‬هذا‭ ‬؟‭ ‬قال‭ ‬العباس‭: ‬هذا‭ ‬خالد‭

‬بن‭ ‬الوليد،‭ ‬فعاد‭ ‬أبو‭ ‬سفيان‭ ‬يسأل‭ ‬وهو‭ ‬فخى‭ ‬حنقه‭ : ‬الغلام‭ ‬؟‭ ‬قال‭ ‬العباس‭ : ‬نعم،‭ ‬كأنه‭ ‬لقب‭

‬كان‭ ‬معروفًا‭ ‬بين‭ ‬شيوخ‭ ‬قريش‭.‬

‭ ‬والرجل‭ ‬لا‭ ‬يقال‭ ‬له‭ ‬‮«‬غلام‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬فى‭ ‬نحو‭ ‬السادسة‭ ‬والأربعين،‭ ‬وقد‭ ‬يقال‭ ‬له‭ ‬ذلك‭ ‬وهو‭ ‬حول‭

‬الأربعين‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬القائلون‭ ‬من‭ ‬رؤساء‭ ‬الشيوخ،‭ ‬وكان‭ ‬اللقب‭ ‬قد‭ ‬عرف‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬بسنوات‭

‬وبقى‭ ‬بحكم‭ ‬العادة‭ ‬والتردد‭ ‬على‭ ‬الأفواه،‭ ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬خالد‭ ‬بن‭ ‬الوليد‭ ‬يومئذ‭ ‬فى‭ ‬نحو‭ ‬السادسة‭

‬والثلاثين‭ ‬أو‭ ‬السابعة‭ ‬والثلاثين،‭ ‬فمولده‭ ‬على‭ ‬التقريب‭ ‬بين‭ ‬سنتى‭ ‬ثمان‭ ‬وعشرين‭ ‬وثلاثين‭

‬قبل‭ ‬الهجرة‭.‬

وعندئذ‭ ‬تخطر‭ ‬لنا‭ ‬قصة‭ ‬أخرى‭ ‬لها‭ ‬صلة‭ ‬بهذا‭ ‬التقير،‭ ‬وهى‭ ‬قصة‭ ‬المصارعة‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬عمر‭ ‬بن‭

‬الخطاب‭ ‬وهما‭ ‬غلامان‭ ‬وغلبته‭ ‬عمر‭ ‬وكسره‭ ‬ساقه‭ ‬فى‭ ‬هذه‭ ‬المصارعة،‭ ‬وإنما‭ ‬يتصارعان‭

‬الندان‭ ‬أو‭ ‬المتقاربان،‭ ‬وعمر‭ ‬على‭ ‬تقدير‭ ‬مشهور‭ ‬قد‭ ‬ولد‭ ‬قبل‭ ‬الهجرة‭ ‬بأربعين‭ ‬سنة‭ ‬أو‭ ‬قرابة‭

‬هذا‭ ‬التاريخ‭.‬

‭ ‬فالتوفيق‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الأقوال‭ ‬جميعًا‭ ‬إنما‭ ‬يستقيم‭ ‬لنا‭ ‬بتأخير‭ ‬مولد‭ ‬عمر‭ ‬قليلًا‭ ‬عن‭ ‬سنة‭ ‬أربعين،‭

‬وتقديم‭ ‬مولد‭ ‬خالد‭ ‬قليلًا‭ ‬عن‭ ‬سنة‭ ‬ثلاثين،‭ ‬فيرجع‭ ‬إذن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مولده‭ ‬فى‭ ‬نحو‭ ‬سنة‭ ‬أربع‭

‬وثلاثين‭ ‬قبل‭ ‬الهجرة،‭ ‬ولا‭ ‬مانع‭ ‬إذن‭ ‬أن‭ ‬يصارع‭ ‬عمر‭ ‬ويغلبه‭ ‬كما‭ ‬يغلب‭ ‬الفتى‭ ‬فى‭ ‬الرابعة‭

‬عشرة‭ ‬مثلًا‭ ‬زميلًا‭ ‬له‭ ‬فى‭ ‬السادسة‭ ‬أو‭ ‬السابعة‭ ‬عشرة،‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬مولودًا‭ ‬للدربة‭ ‬على‭ ‬الرياضة‭

‬وألعاب‭ ‬الفروسية،‭ ‬وكان‭ ‬خالد‭ ‬ولاشك‭ ‬كذلك،‭ ‬لأنه‭ ‬ورث‭ ‬قيادة‭ ‬الأعنة‭ ‬من‭ ‬باكر‭ ‬صباه‭.‬

‭ ‬نعم‭ ‬يظهر‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬مخايل‭ ‬الفروسية‭ ‬منذ‭ ‬صباه‭ ‬الباكر،‭ ‬إذ‭ ‬رشحه‭ ‬أبوه‭ ‬لقيادة‭ ‬الخيل‭

‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬أكبر‭ ‬أبنائه،‭ ‬ورأيناه‭ ‬على‭ ‬قيادة‭ ‬الفرسان‭ ‬‭- ‬فرسان‭ ‬قريش‭ – ‬فى‭ ‬وقعة‭ ‬أحد‭ ‬التى‭

‬أحاط‭ ‬فيها‭ ‬برماة‭ ‬المسلمين‭ ‬من‭ ‬ورائهم،‭ ‬فحلت‭ ‬الهزيمة‭ ‬بجيش‭ ‬المسلمين‭ ‬بعد‭ ‬انتصاره‭.‬

‭ ‬وقد‭ ‬أسلفنا‭ ‬أن‭ ‬بنى‭ ‬مخزوم‭ ‬كان‭ ‬لهم‭ ‬فى‭ ‬الجاهلية‭ ‬أمر‭ ‬القبة‭ ‬والأعنة،‭ ‬فالقبة‭ ‬هى‭ ‬خيمة‭

‬عظيمة‭ ‬يضربونها‭ ‬ليجمعوا‭ ‬فيها‭ ‬عدة‭ ‬القتال،‭ ‬والأعنة‭ ‬هى‭ ‬الخيل‭ ‬وفرسانها،‭ ‬وولاية‭ ‬خالد‭

‬هذه‭ ‬‮«‬الوظيفة‮»‬‭ ‬الموكولة‭ ‬إلى‭ ‬قبيلته‭ ‬بين‭ ‬بطون‭ ‬قريش‭ ‬جميعًا‭ ‬هى‭ ‬آية‭ ‬استعداده‭ ‬للرئاسة‭

‬والقيادة‭ ‬منذ‭ ‬صباه‭.‬

وفى‭ ‬أخبار‭ ‬خالد‭ ‬قصة‭ ‬واحدة‭ ‬تنفعنا‭ ‬فى‭ ‬تصور‭ ‬ملامحه‭ ‬وسماته‭ ‬لقلة‭ ‬أوصافه‭ ‬المحفوظة،‭

‬على‭ ‬خلاف‭ ‬ما‭ ‬تعودناه‭ ‬من‭ ‬أحاديث‭ ‬العرب‭ ‬عن‭ ‬أبطالهم،‭ ‬وهى‭ ‬فى‭ ‬الغالب‭ ‬مفيضة‭ ‬فى‭

‬وصف‭ ‬أولئك‭ ‬الأبطال‭.‬

‭ ‬وخلاصتها‭ ‬أن‭ ‬علقمة‭ ‬بين‭ ‬علاثة‭ ‬لقى‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬الخطاب‭ ‬ليلًا‭ ‬فقال‭ ‬له‭ : ‬مرحبًا‭ ‬بك‭ ‬يا‭ ‬أبا‭

‬سليمان‭. ‬ثم‭ ‬دنا‭ ‬منه‭ ‬فلم‭ ‬يميزه‭ ‬مع‭ ‬دنوه‭ ‬سماع‭ ‬صوته‭ ‬برد‭ ‬السلام‭ ‬عليه‭ : ‬فقال‭ : ‬عزلك‭ ‬ابن‭

‬الخطاب‭ ‬؟‭ ‬فأجابه‭ ‬عمر‭ : ‬نعم‭. ‬فمضى‭ ‬علقمة‭ ‬يقول‭ : ‬ما‭ ‬يشبع،‭ ‬لا‭ ‬أشبع‭ ‬الله‭ ‬بطنه‭.‬

‭ ‬وأصبح‭ ‬عمر،‭ ‬فدعا‭ ‬بخالد‭ ‬وعلقمة‭ ‬وسأل‭ ‬خالدًا‭ : ‬‮«‬ماذا‭ ‬قال‭ ‬لك‭ ‬علقمة‭.. ‬فنفى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬قد‭

‬لقيه‭ ‬أو‭ ‬جرى‭ ‬بينهما‭ ‬كلام،‭ ‬وكرر‭ ‬عمر‭ ‬السؤال‭ ‬فأقسم‭ ‬خالد‭ ‬بالله‭ ‬ما‭ ‬رآه‭ ‬ولا‭ ‬سمع‭ ‬منه‭ ‬شيئًا‭..

‬فقال‭ ‬علقمة‭ ‬كالموسع‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬حرج‭: ‬حلا‭ ‬أبا‭ ‬سلمان‭.. ‬ولم‭ ‬يفطن‭ ‬لغلظه،‭ ‬حتى‭ ‬تبسم‭ ‬عمر‭

‬وأخبرهما‭ ‬بالحديث‭.‬

‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تفهم‭ ‬أن‭ ‬خالدًا‭ ‬كان‭ ‬طويلًا‭ ‬بائن‭ ‬الطول،‭ ‬وأنه‭ ‬كان‭ ‬عظيم‭ ‬الجسم‭ ‬والهامة،‭ ‬مهيب‭

‬الطلعة‭ ‬يميل‭ ‬إلى‭ ‬البياض‭.‬

‭ ‬وغنى‭ ‬عن‭ ‬تواريخ‭ ‬المؤرخين‭ – ‬ولا‭ ‬جدال‭ – ‬أن‭ ‬خالدًا‭ ‬قد‭ ‬تعلم‭ ‬فى‭ ‬صباه‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يتعلمه‭ ‬الفتى‭

‬المرشح‭ ‬للحرب‭ ‬والفروسية‭ ‬وشمائل‭ ‬الرئاسة،‭ ‬ومن‭ ‬الصغائر‭ ‬العارضة‭ ‬التى‭ ‬زعم‭ ‬أناس‭ ‬أنها‭

‬أصل‭ ‬الجفاء‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬قريبه‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬الخطاب‭ ‬أنه‭ ‬صارعه‭ ‬كما‭ ‬تقدم،‭ ‬فغلبه‭ ‬وكسر‭ ‬ساقه،‭

‬وهى‭ ‬صغيرة‭ ‬تنبيء‭ ‬عن‭ ‬دراية‭ ‬باكرة‭ ‬بفنون‭ ‬الصراع‭ ‬الكفاح،‭ ‬ولكنها‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬تذكر‭ ‬فى‭ ‬مصادرها‭

‬لأغنانا‭ ‬عنها‭ ‬علم‭ ‬القائد‭ ‬الكبير‭ ‬بفنون‭ ‬الفروسية‭ ‬على‭ ‬أنواعها،‭ ‬وسرعته‭ ‬فى‭ ‬مأزق‭ ‬النزال‭

‬إلى‭ ‬مصارعة‭ ‬أقرانه‭ ‬ومبارزيه‭ ‬واحتضانهم‭ ‬بعنف‭ ‬شديد‭ ‬حتى‭ ‬يعجزهم‭ ‬عن‭ ‬الحراك‭.‬

وغير‭ ‬بعيد‭ ‬أنه‭ ‬تعود‭ ‬عيشة‭ ‬الشظف‭ ‬وراض‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬الخشنة‭ ‬عمدصا‭ ‬فى‭ ‬البادية‭ ‬ليصبر‭

‬على‭ ‬مضانك‭ ‬الحرب‭ ‬وشدائد‭ ‬الجوع‭ ‬والظمأ‭ ‬حيثما‭ ‬تفرد‭ ‬عن‭ ‬موارد‭ ‬الزاد،‭ ‬فقد‭ ‬جاء‭ ‬فى‭ ‬بعض‭

‬الأحاديث‭ ‬أن‭ ‬خالدًا‭ ‬كان‭ ‬يأكل‭ ‬الضب‭ ‬ويشتهيه‭ ‬كما‭ ‬يأكله‭ ‬الأعراب‭ ‬ويشتهونه،‭ ‬وهو‭ ‬أغنى‭

‬إنسان‭ ‬فى‭ ‬مكة‭ ‬أن‭ ‬يسيغ‭ ‬هذه‭ ‬الأكلة‭ ‬الأعرابية،‭ ‬مع‭ ‬يساره‭ ‬وافتنان‭ ‬أهله‭ ‬فى‭ ‬الأطعمة‭

‬الحضرية‭.‬

‭ ‬قال‭ ‬ابن‭ ‬عباس‭ ‬رواية‭ ‬عن‭ ‬خالد‭: ‬إنه‭ ‬دخل‭ ‬مع‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬على‭ ‬خالته‭ ‬ميمونة‭ ‬بنت‭ ‬الحارث،‭

‬فقدمت‭ ‬إلى‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬لحم‭ ‬ضب‭ ‬جاءها‭ ‬مع‭ ‬قريبة‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬نجد،‭ ‬وكان‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬لا‭ ‬يأكل‭

‬شيئًا‭ ‬حتى‭ ‬يعلم‭ ‬ما‭ ‬هو،‭ ‬فاتفق‭ ‬النسوة‭ ‬ألا‭ ‬يخبرنه‭ ‬حتى‭ ‬يرين‭ ‬كيف‭ ‬يتذوقه‭ ‬ويعرفه‭ ‬إن‭ ‬ذاقه،‭

‬فلما‭ ‬سأل‭ ‬عنه‭ ‬وعلم‭ ‬به‭ ‬تركه‭ ‬وعافه،‭ ‬فسأله‭ ‬خالد‭: ‬أحرام‭ ‬هو‭ ‬؟‭ ‬قال‭: ‬‮«‬لا،‭ ‬ولكنه‭ ‬طعام‭ ‬ليس‭

‬فى‭ ‬قومى‭ ‬فأجدنى‭ ‬أعافه‭..‬‮»‬‭ ‬قال‭ ‬خالد‭ : ‬‮«‬فاجترته‭ ‬إلىَّ‭ ‬فأكلته‭ ‬ورسول‭ ‬الله‭ ‬ينظر‮»‬‭..‬

‭ ‬ومثل‭ ‬هذه‭ ‬التربية‭ ‬لقائد‭ ‬من‭ ‬قواد‭ ‬الحرب‭ ‬نموذج‭ ‬يحتذى‭ ‬به‭ ‬فى‭ ‬كل‭ ‬مدرسة‭ ‬من‭ ‬مدارس‭

‬الفنون‭ ‬العسكرية‭ ‬الحديثة،‭ ‬وعلى‭ ‬سنتها‭ ‬كتب‭ ‬نابليون‭ ‬تقريره‭ ‬وهو‭ ‬طالب‭ ‬فى‭ ‬المدرسة‭

‬الحربية‭ ‬يعيب‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬يومئذ‭ ‬أنه‭ ‬يسمح‭ ‬لأبناء‭ ‬الأعيان‭ ‬بمعيشة‭ ‬الترف‭ ‬واستصحاب‭

‬الخدم‭ ‬بين‭ ‬جدران‭ ‬المدرسة،‭ ‬وهم‭ ‬أحرى‭ ‬بخدم‭ ‬أنفسهم‭ ‬فى‭ ‬مدرس‭ ‬يتعلمون‭ ‬فيها‭ ‬الصبر‭

‬على‭ ‬شدائد‭ ‬الحروب‭.‬

‭ ‬وكان‭ ‬لخالد‭ – ‬ولا‭ ‬ريب‭ – ‬علم‭ ‬بالبادية‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬هذا‭ ‬الطريق،‭ ‬طريق‭ ‬الرياضة‭

‬المقصودة‭ ‬إن‭ ‬صح‭ ‬ما‭ ‬رجحناه،‭ ‬فلعله‭ ‬سافر‭ ‬كثيرًا‭ ‬فى‭ ‬الجزيرة‭ ‬قبل‭ ‬الإسلام،‭ ‬ولعله‭ ‬عرف‭

‬فى‭ ‬تلك‭ ‬الأسفار‭ ‬دروبها‭ ‬العصية‭ ‬التى‭ ‬كان‭ ‬يطرقها‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬إل‭ ‬الحجاز،‭ ‬ومن‭ ‬الحجاز‭ ‬إلى‭

‬اليمن،‭ ‬ومن‭ ‬نجد‭ ‬إلى‭ ‬الشام،‭ ‬وبعضها‭ ‬كان‭ ‬يعتسفه‭ ‬على‭ ‬عجل‭ ‬بغير‭ ‬ادلاء‭.‬

‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬بخالد‭ ‬ولا‭ ‬بإخوته‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬التجارة‭ ‬لكسب‭ ‬العيش‭ ‬وتحصيل‭ ‬المال،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬أبوه‭

‬على‭ ‬تلك‭ ‬الثروة‭ ‬التى‭ ‬لا‭ ‬مزيد‭ ‬عليها‭ ‬فى‭ ‬البلاد‭ ‬العربية،‭ ‬وكانت‭ ‬ثروته‭ ‬أشبه‭ ‬شيء‭ ‬فى‭

‬عصرنا‭ ‬هذا‭ ‬بثروة‭ ‬المصارف‭ ‬التى‭ ‬تعمل‭ ‬فى‭ ‬صفقات‭ ‬القروض‭ ‬والربا‭ ‬ومضاربات‭ ‬الأسعار،‭ ‬أما‭

‬الثمرات‭ ‬والخضر‭ ‬فى‭ ‬مزارعه،‭ ‬فلم‭ ‬تكن‭ ‬مما‭ ‬يحمل‭ ‬إلى‭ ‬البلاد‭ ‬القصية‭ ‬للبيع‭ ‬والشراء،‭ ‬وإنما‭

‬قصارها‭ ‬أن‭ ‬تباع‭ ‬فى‭ ‬الحاضر‭ ‬الحجازية‭ ‬وما‭ ‬قاربها‭ ‬من‭ ‬البوادى‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬شىء‭ ‬من‭

‬الترف‭ ‬والمتعة،‭ ‬ولاسيما‭ ‬فى‭ ‬أيام‭ ‬الأسواق‭ ‬والحجيج،‭ ‬ولهذا‭ ‬فسر‭ ‬بعضهم‭ ‬وصف‭ ‬بنيه‭

‬بـ«الشهودس‭ ‬فيما‭ ‬تقدم‭ ‬من‭ ‬الآيات‭ ‬بأنهم‭ ‬كانوا‭ ‬أبدًا‭ ‬فى‭ ‬صحبته‭ ‬وجواره‭ ‬مفاخرة‭ ‬بهم‭

‬وتنزيهًا‭ ‬لهم‭ ‬عن‭ ‬الكدح‭ ‬والتصرف‭ ‬فى‭ ‬شئون‭ ‬المعاش،‭ ‬فإن‭ ‬قضيت‭ ‬لأحدهم‭ ‬رحلة‭ ‬أو‭ ‬سياحة،‭

‬ففى‭ ‬غير‭ ‬هذه‭ ‬الأغراض‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬حاجة‭ ‬ملحة‭ ‬إلى‭ ‬الاتجار،‭ ‬وإنما‭ ‬هى‭ ‬الدربة‭ ‬والتمرس‭

‬بالمصاعب‭ ‬والانتفاع‭ ‬بخيرة‭ ‬السياحة‭ ‬وآدابها،‭ ‬وقد‭ ‬ينفقون‭ ‬فى‭ ‬ذلك‭ ‬خير‭ ‬ما‭ ‬يكسبون،‭ ‬كما‭

‬كان‭ ‬يصنع‭ ‬عمه‭ ‬‮«‬زاد‭ ‬الراكب‮»‬‭ ‬وأعمامه‭ ‬الآخرن‭ ‬الذين‭ ‬اشتهروا‭ ‬بالأنفة‭ ‬من‭ ‬مجاراة‭ ‬أحد‭ ‬لهم‭

‬فى‭ ‬الضيافة‭ ‬وبذل‭ ‬العطايا‭ ‬والهبات‭.‬

‭ ‬وموضع‭ ‬الترجيح‭ ‬والاستنتاج‭ ‬هنا‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬فى‭ ‬إرسال‭ ‬خالد‭ ‬إلى‭ ‬البادية‭ ‬قصدًا‭ ‬لرياضة‭

‬النفس‭ ‬والجسد‭ ‬على‭ ‬خشونة‭ ‬الأعراب‭ ‬وشدائد‭ ‬الميادين‭.. ‬فهذا،‭ ‬وإن‭ ‬جرت‭ ‬به‭ ‬عادة‭ ‬بعض‭

‬الأشراف‭ ‬فى‭ ‬حواضر‭ ‬الحجاز،‭ ‬لم‭ ‬يقطع‭ ‬به‭ ‬قول‭ ‬من‭ ‬الأقوال‭ ‬فى‭ ‬سيرة‭ ‬الوليد‭ ‬بن‭ ‬المغيرة‭

‬وبنيه‭ ‬‮«‬الشهود‮»‬‭ ‬على‭ ‬احتمال‭ ‬الشهادة‭ ‬للمعنى‭ ‬الذى‭ ‬قدمناه‭.‬

‭ ‬ولكن‭ ‬الأمر‭ ‬الموثوق‭ ‬به‭ ‬كل‭ ‬الثقة،‭ ‬الذى‭ ‬لا‭ ‬موضع‭ ‬فيه‭ ‬لترجيح‭ ‬ولا‭ ‬استنتاج‭ – ‬أن‭ ‬خالدًا‭ ‬قد‭

‬نشأ‭ ‬فى‭ ‬الحاضرة‭ ‬أو‭ ‬البادية‭ ‬مستعدًا‭ ‬للخشونة‭ ‬مستطيعًا‭ ‬لمعيشة‭ ‬الأعراب،‭ ‬مستجيب‭

‬السليقة‭ ‬والبيئة‭ ‬لما‭ ‬يتكلفه‭ ‬المجاهد‭ ‬فى‭ ‬أوعر‭ ‬القفار‭ ‬وأعنف‭ ‬الحروب،‭ ‬وكانت‭ ‬له‭ ‬ضلاعة‭

‬العصبيين‭ ‬الأقوياء‭ ‬المعهودين‭ ‬بين‭ ‬رجال‭ ‬السيف،‭ ‬وهى‭ ‬ضلاعة‭ ‬يوشك‭ ‬أن‭ ‬تستمد‭ ‬من‭

‬حماسة‭ ‬النفس‭ ‬وشهامة‭ ‬القلب‭ ‬أضعاف‭ ‬ما‭ ‬تستمده‭ ‬من‭ ‬العضلات‭ ‬والأوصال‭.‬

‭ ‬فلم‭ ‬تعفه‭ ‬العبقرية‭ ‬من‭ ‬ضريبتها‭ ‬التى‭ ‬لا‭ ‬مناص‭ ‬من‭ ‬أدائها،‭ ‬وآية‭ ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬مات‭ ‬على‭ ‬فراشة‭

‬على‭ ‬نحو‭ ‬الخامسة‭ ‬والخمسين،‭ ‬وليست‭ ‬هى‭ ‬بالسن‭ ‬الغالبة‭ ‬فيمن‭ ‬يموتون‭ ‬بداء‭

‬الشيخوخة‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬علة‭ ‬أخرى‭.‬

‭ ‬وإذا‭ ‬تجاوزنا‭ ‬هذه‭ ‬المظنَّة،‭ ‬وهى‭ ‬كافية،‭ ‬ألفينا‭ ‬فى‭ ‬تراجم‭ ‬الأسرة‭ ‬كلها‭ ‬ما‭ ‬ينبيء‭ ‬عن‭

‬عوارض‭ ‬الأسر‭ ‬التى‭ ‬تهيئها‭ ‬الأقدار‭ ‬لإنجاب‭ ‬العباقرة‭ ‬فى‭ ‬شتى‭ ‬المواهب‭ ‬والمزايا‭.‬

‭ ‬فهذه‭ ‬الأسرة‭ ‬الغريبة‭ ‬تكثر‭ ‬فيها‭ ‬عوارض‭ ‬الاختلاف‭ ‬عن‭ ‬جملة‭ ‬الناس‭ ‬فى‭ ‬تركيب‭ ‬الأعصاب‭

‬خاصة،‭ ‬ويشاهد‭ ‬فيها‭ ‬فرد‭ ‬أو‭ ‬أفراد‭ ‬تتجمع‭ ‬فيهم‭ ‬عللها‭ ‬وتمعن‭ ‬بهم‭ ‬مخالفاتها‭ ‬وعناصر‭

‬شذوذها‭ ‬حتى‭ ‬تسلمهم‭ ‬إلى‭ ‬الاختلال‭ ‬والاضطراب‭ ‬كأنهم‭ ‬ضحايا‭ ‬الأسرة‭ ‬كلها‭ ‬فى‭ ‬سبيل‭

‬إنجاب‭ ‬العبقرية‭ ‬منها‭.‬

‭ ‬وكانت‭ ‬هذه‭ ‬العوارض‭ ‬مشاهدة‭ ‬فى‭ ‬أسرة‭ ‬خالد‭ ‬وفى‭ ‬إخوته‭ ‬على‭ ‬التخصيص‭.‬

‭ ‬فذكر‭ ‬كتاب‭ ‬الاستيعاب‭ ‬فى‭ ‬أسماء‭ ‬الأصحاب‭ : ‬‮«‬إن‭ ‬الوليد‭ ‬بن‭ ‬الوليد‭ ‬كان‭ ‬يروع‭ ‬فى‭ ‬منامه،‭

‬مثل‭ ‬حديث‭ ‬مالك‭ ‬سواء‭ ‬فى‭ ‬قصة‭ ‬خالد‮»‬‭.‬

‭ ‬وعن‭ ‬مسند‭ ‬بن‭ ‬أبى‭ ‬شيبة‭ ‬أن‭ ‬خالد‭ ‬بن‭ ‬الوليد‭ ‬كان‭ ‬يفزع‭ ‬فى‭ ‬نومه،‭ ‬فشكا‭ ‬إلى‭ ‬النبى‭ ‬عليه‭

‬السلام،‭ ‬فقال‭ ‬له‭ : ‬‮«‬إن‭ ‬عفريتًا‭ ‬من‭ ‬الجن‭ ‬يكيدك‮»‬‭.‬

‭ ‬وبذلت‭ ‬هذه‭ ‬الأسرة‭ ‬الممتازة‭ ‬ضحيتها‭ ‬الكبرى‭ ‬فى‭ ‬شخص‭ ‬سليلها‭ ‬عمارة‭ ‬بن‭ ‬الوليد‭ ‬أحد‭

‬الإخوة‭ ‬المذكورين‭ ‬بأسمائهم‭ ‬من‭ ‬ذرية‭ ‬الوليد‭ ‬بن‭ ‬المغيرة‭.‬

‭ ‬وعمارة‭ ‬هذا،‭ ‬هو‭ ‬صاحب‭ ‬عمرو‭ ‬بن‭ ‬العاص‭ ‬فى‭ ‬رحلة‭ ‬الحبشة‭ ‬رسولين‭ ‬إلى‭ ‬النجاشى،‭

‬لتسليم‭ ‬المسلمين‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬قريش‭.‬

‭ ‬وقد‭ ‬نلمح‭ ‬عوارض‭ ‬الأسرة‭ ‬هذه‭ ‬فى‭ ‬أعظم‭ ‬أفراد‭ ‬الأسرة‭ ‬كما‭ ‬نلمحها‭ ‬فى‭ ‬هذا‭ ‬المسكين‭

‬الذى‭ ‬ابتلى‭ ‬بالثمن‭ ‬الفادح‭ ‬والضحية‭ ‬الكبرى،‭ ‬فخالد‭ ‬بن‭ ‬الوليد‭ – ‬شرف‭ ‬بنى‭ ‬المغيرة‭ – ‬لم‭

‬يفتنه‭ ‬الميل‭ ‬إلى‭ ‬المرأة‭ ‬كما‭ ‬فتن‭ ‬أخاه،‭ ‬ولم‭ ‬يصرفه‭ ‬قط‭ ‬عن‭ ‬عبء‭ ‬من‭ ‬أعباء‭ ‬البطولة‭ ‬ولا‭ ‬عن‭

‬فريضة‭ ‬من‭ ‬فرائض‭ ‬العظمة‭ ‬والعبقرية،‭ ‬ولكنه‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬قد‭ ‬تعرض‭ ‬للمؤاخذة‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬بن‭

‬الخطاب‭ ‬ومن‭ ‬أبى‭ ‬بكر‭ ‬الصديق‭ ‬فى‭ ‬صدد‭ ‬الزواج‭ ‬المعجل‭ ‬فى‭ ‬غير‭ ‬حينه،‭ ‬فسبى‭ ‬امرأة‭ ‬مالك‭

‬بن‭ ‬نويرة،‭ ‬وتزوج‭ ‬فى‭ ‬حرب‭ ‬اليمامة‭ ‬وهو‭ ‬بميدان‭ ‬القتال،‭ ‬وسبى‭ ‬ابنة‭ ‬الجودى‭ ‬فى‭ ‬دومة‭

‬الجندل،‭ ‬وقيل‭ ‬إنه‭ ‬فقد‭ ‬أربعين‭ ‬ولدًا‭ ‬فى‭ ‬طاعون‭ ‬الشام‭ ‬وهو‭ ‬بقيد‭ ‬الحياة‭ ‬لما‭ ‬يجاوز‭ ‬الخمسين‭

‬بكثير‭.‬

‭ ‬وتلك‭ ‬فى‭ ‬جملتها‭ ‬شواهد‭ ‬العوارض‭ ‬التى‭ ‬يقرر‭ ‬النفسانيون‭ ‬المحدثون‭ ‬أنها‭ ‬سمات‭ ‬العبقرية‭

‬فى ‬منابتها،‭ ‬ومنابتها‭ ‬هى‭ ‬الأسر‭ ‬التى‭ ‬تنجبها‭ ‬وتبذل‭ ‬أثمانها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تنعم‭ ‬بمجدها‭ ‬وفخارها‭.‬

‭ ‬وكما‭ ‬ظهرت‭ ‬هذه‭ ‬العوارض‭ ‬فى‭ ‬لون‭ ‬من‭ ‬ألوانها‭ ‬على‭ ‬أخيه‭ ‬عمارة،‭ ‬ظهرت‭ ‬فى‭ ‬بعض‭ ‬ألوانها‭

‬الأخرى‭ ‬على‭ ‬أخيه‭ ‬الوليد‭ ‬الذى‭ ‬كان‭ ‬مثله‭ ‬يراع‭ ‬فى‭ ‬رقاده‭.‬

فهذا‭ ‬الأخ‭ ‬الكريم‭ ‬كان‭ ‬مع‭ ‬جيش‭ ‬المشركين‭ ‬فى‭ ‬وقعة‭ ‬بدر‭ ‬فأسره‭ ‬المسلمون،‭ ‬وطال‭ ‬الكلام‭

‬فى‭ ‬فدائه‭ ‬لغناه‭ ‬وعداوة‭ ‬أهله‭ ‬للإسلام،‭ ‬فطلب‭ ‬آسره‭ ‬أربعة‭ ‬آلاف‭ ‬درهم،‭ ‬وأوصى‭ ‬النبى‭ ‬ألا‭

‬يقبلوا‭ ‬فية‭ ‬له‭ ‬غير‭ ‬شكة‭ ‬أبيه‭ ‬الوليد‭ ‬وهى‭ ‬درع‭ ‬فضفاضة‭ ‬وسيف‭ ‬وبيضة،‭ ‬وكل‭ ‬هذه‭ ‬المطاولة‭

‬والمساومة‭ ‬والوليد‭ ‬باق‭ ‬على‭ ‬دين‭ ‬الشرك‭ ‬فى‭ ‬أسر‭ ‬المسلمين،‭ ‬فلما‭ ‬تم‭ ‬فداؤه‭ ‬وذهب‭ ‬إلى‭

‬أهله،‭ ‬أعلن‭ ‬إسلامه‭ ‬بينهم‭ ‬وهم‭ ‬كارهون،‭ ‬وعجب‭ ‬المشركون‭ ‬لأمره‭ ‬فسألوه‭ : ‬هلا‭ ‬أسلمت‭

‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تفتدى‭ ‬؟‭ ‬فقال‭ : ‬كرهت‭ ‬أن‭ ‬يظن‭ ‬بى‭ ‬أننى‭ ‬عجزت‭ ‬من‭ ‬الإسار‭.. ‬وصبر‭ ‬على‭ ‬التعذيب‭

‬والنكاية‭ ‬والحبس‭ ‬بين‭ ‬أهله‭ ‬حتى‭ ‬أفلت‭ ‬بعد‭ ‬جهد‭ ‬وحيلة‭ ‬ولحق‭ ‬بالنبى‭ ‬مشيًا‭ ‬على‭ ‬قدميه‭..‬

‭ ‬هذه‭ ‬أيضا‭ ‬نفحة‭ ‬خالدية‭ ‬من‭ ‬نفحات‭ ‬تلك‭ ‬الأسرة‭ ‬القوية‭ ‬التى‭ ‬تأبى‭ ‬لخلائقها‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تحير‭

‬الناس‭ ‬وأن‭ ‬ترد‭ ‬عليهم‭ ‬من‭ ‬مورد‭ ‬التفاوت‭ ‬والإغراب‭ ‬والمخالفة‭ ‬للمألوف‭.‬

‭ ‬وهى‭ ‬فى‭ ‬أطوارها‭ ‬المتباينة‭ ‬منجم‭ ‬العبقرية‭ ‬الذى‭ ‬لا‭ ‬مراء‭ ‬فيه،‭ ‬ومعدن‭ ‬البطولة‭ ‬التى‭ ‬تكتب‭

‬لصاحبها‭ ‬وهو‭ ‬فى‭ ‬الأصلاب‭.‬

‭ ‬فها‭ ‬هنا‭ ‬نشأة‭ ‬بطل‭ ‬عبقرى‭ ‬مدخر‭ ‬للقيادة‭ ‬والرئاسة‭ ‬بميراث‭ ‬حسبه‭ ‬وطبعه،‭ ‬وملكات‭ ‬نفسه‭

‬وجسده،‭ ‬جاءته‭ ‬البطولة‭ ‬وهو‭ ‬ينتظرها‭ ‬ولا‭ ‬يشك‭ ‬فيها،‭ ‬وتهيأ‭ ‬لها‭ ‬بالقدرة‭ ‬على‭ ‬الشدة‭ ‬والرخاء‭

‬والنعمة‭ ‬والبأساء،‭ ‬ويكاد‭ ‬الصدق‭ ‬والإشاعة‭ ‬معًا‭ ‬يتوافيان‭ ‬إلى‭ ‬دلالة‭ ‬واحدة‭ ‬فى‭ ‬تربية‭ ‬هذا‭

‬البطل‭ ‬المنذور‭ ‬للبطولة‭ ‬والعبقرية‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬ميلاده،‭ ‬فأكلة‭ ‬الضب‭ ‬التى‭ ‬سبق‭ ‬ذكرها‭ ‬واحدة،‭

‬وغيرها‭ ‬أكلات‭ ‬مسمومات‭ ‬يبدو‭ ‬لنا‭ ‬أنها‭ ‬مخترعة‭ ‬أو‭ ‬محرفة‭ ‬ولكن‭ ‬اختراعها‭ ‬وتحريفها‭ ‬يدلان‭ ‬لا‭

‬محالة‭ ‬على‭ ‬شيء،‭ ‬وهو‭ ‬اشتهار‭ ‬خالد‭ ‬بترويض‭ ‬بنيته‭ ‬على‭ ‬تجرع‭ ‬الغصص‭ ‬التى‭ ‬يتقزز‭ ‬منها‭

‬الناس‭ ‬ويخافون‭ ‬منها‭ ‬الهلاك،‭ ‬ففى‭ ‬اليواقيت‭ ‬للقطب‭ ‬الشعرانى‭ ‬أنه‭ ‬حاصر‭ ‬قومًا‭ ‬من‭ ‬الكفار‭

‬فى‭ ‬حصن‭ ‬لهم،‭ ‬فقالا‭ : ‬تزعم‭ ‬أن‭ ‬دين‭ ‬الإسلام‭ ‬حق‭ ‬؟‭ ‬فأرنا‭ ‬آية،‭ ‬لنسلم،‭ ‬فقال‭ ‬احملوا‭ ‬إلىَّ‭

‬السم‭ ‬القاتل،‭ ‬فأتوه‭ ‬به‭ ‬فأخذه‭ ‬وقال‭: ‬بسم‭ ‬الله،‭ ‬وشربه‭ ‬فلم‭ ‬يضره،‭ ‬وتردد‭ ‬مثل‭ ‬ذلك‭ ‬فى‭

‬كتاب‭ ‬الإصابة‭ ‬فروى‭ ‬عن‭ ‬مصادر‭ ‬شتى‭ ‬أءنه‭ ‬لما‭ ‬قدم‭ ‬الحيرة‭ ‬أتى‭ ‬بسم‭ ‬فوضته‭ ‬فى‭ ‬راحته،‭ ‬ثم‭

‬سمى‭ ‬وشربه،‭ ‬ولم‭ ‬يؤثر‭ ‬فيه‭.‬

‭ ‬وقد‭ ‬سمعنا‭ ‬نيتشه‭ – ‬بشير‭ ‬السوبر‭ ‬مان‭ ‬فى‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭ – ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬السم‭ ‬الذى‭ ‬لا‭

‬يميتنى‭ ‬يزيدنى‭ ‬قوة‭..‬

‭ ‬فهذه‭ ‬بنية‭ ‬بطل‭ ‬نشأته‭ ‬للمجد‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الغرار‭.

Facebook Comments
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: