الرئبيسةثقافة

سيف الله المسلول خالد بن الوليد «١»

سيف الله المسلول خالد بن الوليد

تقديم-  محمود عبد الغنى

فى‭ ‬سباق‭ ‬مع‭ ‬الزمن‭ ‬وعلى‭ ‬قدم‭ ‬وساق‭ ‬تتواصل،‭ ‬هذه‭ ‬الأيام،‭ ‬كواليس‭ ‬تصوير‭ ‬مشاهد‭

‬المسلسل‭ ‬الرمضانى‭ ‬الأضخم‭ ‬‮«‬سيف‭ ‬الله‭ ..‬خالد‭ ‬بن‭ ‬الوليد‮»‬،‭ ‬الذى‭ ‬تقوم‭ ‬بإنتاجه‭ ‬شركة‭

‬‮«‬سينرجى‮»‬،‭ ‬عن‭ ‬شخصية‭ ‬الصحابى‭ ‬الجليل،‭ ‬حيث‭ ‬يقوم‭ ‬بدور‭ ‬البطولة‭ ‬الفنان‭ ‬عمرو‭

‬يوسف،‭ ‬سيناريو‭ ‬وحوار‭ ‬إسلام‭ ‬حافظ،‭ ‬وإخراج‭ ‬رءوف‭ ‬عبدالعزيز‭.‬

‭ ‬يستند‭ ‬المسلسل‭ ‬إلى‭ ‬كتاب‭ ‬الأديب‭ ‬الكبير‭ ‬عباس‭ ‬محمود‭ ‬العقاد‭ ‬‮«‬عبقرية‭ ‬خالد‮»‬،‭ ‬ضمن‭

‬سلسلة‭ ‬‮«‬عبقريات‭ ‬العقاد‮»‬،‭ ‬والذى‭ ‬يلقى‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬نشأة‭ ‬خالد‭ ‬بن‭ ‬الوليد‭ ‬وإسلامه‭

‬وعبقريته‭ ‬العسكرية‭. ‬ومع‭ ‬ترقب‭ ‬جمهور‭ ‬المشاهدين‭ ‬العمل‭ ‬التاريخى‭ ‬تنشر‭ ‬‮«‬صدى‭ ‬الأمة‮»‬‭

‬فصولًا‭ ‬على حلقات من‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬عبقرية‭ ‬خالد‮»‬،‭ ‬لنقترب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬شخصية‭ ‬سيف‭ ‬الله‭

‬المسلول‭  ‬قبل‭ ‬أن‭

‬نراه‭ ‬على‭ ‬الشاشات‭ ‬فى‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬المقبل‭.‬

عبقرية‭ ‬خالد

‮١‬‭ ‬البادية‭ ‬والحرب

‭ ‬كان‭ ‬قتيبة‭ ‬بن‭ ‬مسلم‭ ‬من‭ ‬نوابغ‭ ‬القادة‭ ‬المعدودين‭ ‬الذين‭ ‬أنجبتهم‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬فى‭ ‬صدر‭

‬الإسلام‭. ‬

‭ ‬وكان‭ ‬يلى‭ ‬خراسان‭ ‬لملوك‭ ‬الدولة‭ ‬الأموية‭. ‬فخرجت‭ ‬بها‭ ‬خارجة‭ ‬أهمته،‭ ‬فقيل‭ ‬له‭: ‬‮«‬ما‭ ‬يهمك‭

‬منهم‭ ‬؟‭… ‬وجه‭ ‬إليهم‭ ‬وكيع‭ ‬بن‭ ‬أبى‭ ‬مسعود‭ ‬فإنه‭ ‬يكفيكهم‮»‬‭. ‬فأبى،‭ ‬وقال‭ : ‬‮«‬لا‭. ‬إن‭ ‬وكيعًا‭

‬رجل‭ ‬به‭ ‬كبر‭ ‬يحتقر‭ ‬أعداءه‭ ‬ومن‭ ‬كان‭ ‬هكذا‭ ‬قلت‭ ‬مبالاته‭ ‬بعدوه‭ ‬فلم‭ ‬يحترس‭ ‬منه‭ ‬فيجد‭ ‬عدوه‭

‬منه‭ ‬غرة‭..‬‮»‬‭.‬

‭ ‬وهذه‭ ‬كلمة‭ ‬من‭ ‬كلمات‭ ‬القائد‭ ‬العربى‭ ‬تنبىء‭ ‬عن‭ ‬كثير‭ :‬

‭ ‬تنبيد‭ ‬عن‭ ‬ملكة‭ ‬القيادة‭ ‬فيه،‭ ‬وتنبيد‭ ‬عن‭ ‬ملكة‭ ‬السيادة‭ ‬فى‭ ‬الأمة‭ ‬التى‭ ‬نشأ‭ ‬منها‭

‬واستطاعت‭ ‬بها‭ ‬أن‭ ‬تسوس‭ ‬الأمم‭ ‬فى‭ ‬الحرب‭ ‬والسلم،‭ ‬سياسة‭ ‬للنجاح‭ ‬وللبقاء‭..‬

‭ ‬فالحق‭ ‬أن‭ ‬شروط‭ ‬القيادة‭ ‬على‭ ‬وفرتها‭ ‬وعظم‭ ‬التبعة‭ ‬فيها‭ ‬جميعًا،‭ ‬ليس‭ ‬يوجد‭ ‬بنينها‭ ‬ما‭ ‬هو‭

‬ألزم‭ ‬للقائد‭ ‬من‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬سبر‭ ‬قوته‭ ‬وسبر‭ ‬قوة‭ ‬خصمه‭. ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬عدا‭ ‬ذلك‭ ‬فإنما‭ ‬هو‭ ‬ترتيب‭

‬لما‭ ‬يصنعه‭ ‬بقوته‭ ‬وما‭ ‬يتوقع‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬التى‭ ‬ينازلها‭ ‬أن‭ ‬تصنعه،‭ ‬أو‭ ‬هو‭ ‬تنظيم‭ ‬للأهبة‭ ‬والحيطة‭

‬بين‭ ‬الفريقين‭ ‬فى‭ ‬المكان‭ ‬الذى‭ ‬يتلاقيان‭ ‬فيه‭…‬

‭ ‬وقد‭ ‬كانت‭ ‬لهزيمة‭ ‬الدول‭ ‬أمام‭ ‬العرب‭ ‬أسباب‭ ‬كثيرة‭ : ‬منها‭ ‬ضعف‭ ‬العقيدة‭ ‬واختلال‭ ‬النظام‭

‬ونقص‭ ‬القيادة،‭ ‬وانحلال‭ ‬الترف‭ ‬وتفرق‭ ‬الآراد،‭ ‬ولكن‭ ‬البلاء‭ ‬الأكبر‭ ‬إنما‭ ‬حاق‭ ‬بتلك‭ ‬الدول‭ ‬من‭

‬آفة‭ ‬الغرور‭ ‬الباطل‭ ‬والاستخفاف‭ ‬بالخصم‭ ‬المقاتل‭. ‬فانتصر‭ ‬العرب،‭ ‬لأنهم‭ ‬ظنوهم‭ ‬لا‭ ‬ينتصرون‭

‬ولا‭ ‬يعتزمون‭ ‬الانتصار،‭ ‬وكان‭ ‬الاستخفاف‭ ‬والإهمال‭ ‬شرًا‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭ ‬المتصلفة‭ ‬من‭

‬الاستهوال‭ ‬والفزع،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬الاستخفاف‭ ‬والإهمال‭ ‬سببًا‭ ‬لانقلابهم‭ ‬آخر‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬استهوال‭

‬يخذل‭ ‬المفاصل‭ ‬وفزع‭ ‬يفت‭ ‬فى‭ ‬الأعضاد،‭ ‬فاجتمعت‭ ‬عليهم‭ ‬البليتان‭ ‬من‭ ‬سوء‭ ‬التقدير،‭ ‬ولم‭

‬تنفعهم‭ ‬قلة‭ ‬المبالاة‭ ‬بالعدو‭ ‬ولا‭ ‬فرط‭ ‬المبالاغة‭ ‬به‭ ‬بعد‭ ‬الأوان‭…‬

كانت‭ ‬دولة‭ ‬الفرس‭ ‬لا‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬البادية‭ ‬العربية‭ ‬إلا‭ ‬نظرة‭ ‬السيد‭ ‬المبجل‭ ‬إلى‭ ‬الغوغاء

‬المهازيل‭ ‬الذين‭ ‬يحتاجون‭ ‬إمًّا‭ ‬إلى‭ ‬التأديب،‭ ‬وبلغ‭ ‬من‭ ‬طعيان‭ ‬كسرى‭ ‬حين‭ ‬جادته‭ ‬الدعوة‭

‬المحمدية‭ ‬أن‭ ‬بعث‭ ‬إلى‭ ‬النبى‭ ‬العربى‭ ‬بشرذمة‭ ‬من‭ ‬الجند‭ ‬تأتيه‭ ‬به‭ ‬فى‭ ‬الأصفاد‭!.. ‬وبلغ‭ ‬من

‭ ‬طغيان‭ ‬جنده‭ ‬عامة‭ ‬وخاصة‭ ‬أنهم‭ ‬كانوا‭ ‬يأنفون‭ ‬أن‭ ‬يقرنهم‭ ‬أحد‭ ‬بالعرب‭ ‬فى‭ ‬معرض‭ ‬من‭

‬المعارض‭ ‬أو‭ ‬غرض‭ ‬من‭ ‬الأغراض‭ ‬ولو‭ ‬للحيلة‭ ‬والمكيدة‭.‬

‭ ‬فاتفق‭ ‬فى‭ ‬بعض‭ ‬وقعات‭ ‬العراق‭ ‬أن‭ ‬زعيمًا‭ ‬عربيًا‭ ‬من‭ ‬جيرة‭ ‬الفرس‭ ‬أقبل‭ ‬على‭ ‬القائد‭

‬الفارسى‭ ‬مهران‭ ‬بن‭ ‬بهرام،‭ ‬ليمده‭ ‬بأبناء‭ ‬قبيلته‭ ‬ويعينه‭ ‬على‭ ‬خالد‭ ‬بن‭ ‬الوليد‭ ‬وجنده‭.‬

‭ ‬فقال‭ ‬له‭ : ‬‮«‬إن‭ ‬العرب‭ ‬أعلم‭ ‬بقتال‭ ‬العرب،‭ ‬فدعنا‭ ‬وخالدًا‮»‬،‭ ‬فجاراه‭ ‬القائد‭ ‬الفارسى‭ ‬مجاملة‭

‬وخدعة،‭ ‬ليستخلص‭ ‬منه‭ ‬أقصى‭ ‬العون‭ ‬والنجدة،‭ ‬وقال‭ ‬له‭ : ‬‮«‬صدقت‭ ‬لعمرى‭! ‬لأنتم‭ ‬أعلم‭

‬بقتال‭ ‬العرب‭ ‬وأنتم‭ ‬مثلنا‭ ‬فى‭ ‬قتال‭ ‬العجم‭.. ‬فغضب‭ ‬أتباعه‭ ‬لمجاملته‭ ‬هؤلاء‭ ‬القوم‭ ‬الذين‭

‬يعينونهم‭ ‬ويقاتلون‭ ‬فى‭ ‬صفوفهم،‭ ‬وسألوه‭ : ‬‮«‬كيف‭ ‬تقول‭ ‬ما‭ ‬قلت‭ ‬لهذا‭ ‬الكلب؟‮»‬‭.. ‬فلم‭ ‬يهدأوا‭

‬عنه‭ ‬حتى‭ ‬اعتذر‭ ‬لهم‭ ‬بأنه‭ ‬يخدع‭ ‬القوم‭ ‬ويغرر‭ ‬بهم،‭ ‬وقال‭ ‬لهم‭ : ‬‮«‬دعونى،‭ ‬فإنى‭ ‬لم‭ ‬أرد‭ ‬إلا‭ ‬ما‭

‬هو‭ ‬خير‭ ‬لكم‭ ‬وشر‭ ‬لهم‭.. ‬فإن‭ ‬كانت‭ ‬لهم‭ ‬على‭ ‬خالد‭ ‬فهى‭ ‬لكم‭. ‬ورإن‭ ‬كانت‭ ‬الأخرى‭ ‬لم‭ ‬يبلغوكم‭

– ‬أى‭ ‬المسلمون‭ – ‬حتى‭ ‬يهنوا‭ ‬فنقاتلهم‭ ‬ونحن‭ ‬أقوياء‭ ‬وهم‭ ‬مضعفون‭…‬‮»‬‭.‬

‭ ‬وسخفوا‭ ‬فى‭ ‬طلائع‭ ‬وقعة‭ ‬‮«‬أليس‮»‬‭ ‬فلم‭ ‬يحفلوا‭ ‬بجيش‭ ‬خالد‭ ‬الزاحف‭ ‬إليهم‭ ‬وتنادوا‭ ‬إلى‭

‬طعامهم‭ ‬الذى‭ ‬هيأوه،‭ ‬ولم‭ ‬يكلفوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬مشقة‭ ‬استطلاع‭ ‬الطريق‭.. ‬ليأمنوا‭

‬البغتة‭ ‬قبل‭ ‬تهيئة‭ ‬الطعام‭.‬

‭ ‬أما‭ ‬الروم،‭ ‬فكان‭ ‬لهم‭ ‬غرور‭ ‬كهذا‭ ‬الغرور‭ ‬فى‭ ‬مواجهة‭ ‬البادية‭ ‬العربية،‭ ‬وكان‭ ‬قصارى‭ ‬ما‭

‬حذروه‭ ‬فى‭ ‬أول‭ ‬الأمر‭ ‬أن‭ ‬يغير‭ ‬العرب‭ ‬على‭ ‬تخومهم‭ ‬لينهبوا‭ ‬ويسلبوا‭ ‬ثم‭ ‬يفروا‭ ‬بسلبهم‭ ‬إلى‭

‬الصحراء‭.. ‬فإن‭ ‬أوغلوا‭ ‬فى‭ ‬بلاد‭ ‬الدولة‭ ‬الرومانية،‭ ‬فهم‭ ‬مأخوذون‭ ‬بالهبات‭ ‬والوعود‭ ‬أو‭

‬مأخوذون‭ ‬بالكثرة‭ ‬المستعدة‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬لها‭ ‬جند‭ ‬قليل‭ ‬يوشك‭ ‬أن‭ ‬يتجرد‭ ‬من‭ ‬السلاح‭ ‬بالقياس‭

‬إليهم،‭ ‬فلما‭ ‬جد‭ ‬الجد‭ ‬وعرفت‭ ‬الدولة‭ ‬الرومانية‭ ‬من‭ ‬تقاتل‭ ‬من‭ ‬أولئك‭ ‬الجند‭ ‬العزل‭ ‬على‭ ‬زعمها‭

‬إذا‭ ‬هى‭ ‬تنقلب‭ ‬من‭ ‬الغفلة‭ ‬الشديدة‭ ‬إلى‭ ‬الفزع‭ ‬الشديد‭…‬

‭ ‬ويبدو‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬المؤرخين‭ ‬المحدثين‭ ‬لم‭ ‬يبرءوا‭ ‬كل‭ ‬البرد‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الخطأ‭ ‬القديم‭.‬

‭ ‬فلا‭ ‬يزال‭ ‬الأكثرون‭ ‬منهم‭ ‬يستعظمون‭ ‬على‭ ‬العرب‭ ‬أن‭ ‬يغلبوا‭ ‬الفرس‭ ‬والروم،‭ ‬ويحسبون‭ ‬هذه‭

‬الغلبة‭ ‬شيئًا‭ ‬قد‭ ‬حصل‭ ‬وكان‭ ‬ينبغى‭ ‬ألاّ‭ ‬يحصل،‭ ‬لولا‭ ‬أنها‭ ‬فلتة‭ ‬لا‭ ‬يقاس‭ ‬عليها‭ ‬ومصادفة‭ ‬لا‭

‬تقبل‭ ‬التكرار‭..‬

‭ ‬وبعضهم‭ ‬يلتمس‭ ‬العلة،‭ ‬فيقول‭ : ‬‮«‬إنما‭ ‬هى‭ ‬وهن‭ ‬الدولتين‭ ‬ومصابهما‭ ‬بالخور‭ ‬والانحلال‮»‬،‭ ‬أو‭

‬يلتمس‭ ‬العلة،‭ ‬فيقول‭ : ‬‮«‬إنها‭ ‬عقيدة‭ ‬المسلمين‭ ‬القوية‭ ‬وافتقار‭ ‬الفرس‭ ‬والروم‭ ‬إلى‭ ‬مثل‭

‬هذه‭ ‬العقيدة‮»‬‭.‬

‭ ‬وكل‭ ‬أولئك‭ ‬تعليل‭ ‬ناقص‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬نواحيه‭..‬

‭ ‬فالمصادفة‭ ‬لا‭ ‬محل‭ ‬لها‭ ‬فى‭ ‬حوادث‭ ‬الوجود،‭ ‬ولا‭ ‬تطرد‭ ‬فى‭ ‬قتال‭ ‬بعد‭ ‬قتال،‭ ‬من‭ ‬جوف‭

‬الصحراء‭ ‬إلى‭ ‬عمران‭ ‬العراق‭ ‬والشام‭ ‬ومصر‭ ‬ومشارق‭ ‬الأرض‭ ‬ومغاربها‭ ‬بين‭ ‬إفريقية‭ ‬والصين‭.‬

 

‭ ‬وانحلال‭ ‬دولة‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬قد‭ ‬يفنيها‭ ‬ويعجزها‭ ‬عن‭ ‬النصر،‭ ‬ولكنه‭ ‬لا‭ ‬يقيم‭ ‬دولة‭ ‬أخرى‭ ‬لم‭ ‬تتجمع‭

‬لها‭ ‬أسباب‭ ‬النهوض‭ ‬والتمكين‭.‬

‭ ‬والعقيدة‭ ‬قوة‭ ‬لا‭ ‬غناء‭ ‬عنها‭ ‬بقوة‭ ‬أخرى‭ ‬لمن‭ ‬يفقدها،‭ ‬ولكنها‭ ‬هى‭ ‬وحدها‭ ‬لا‭ ‬تغنى‭ ‬عن‭ ‬الخبرة‭

‬والاستعداد،‭ ‬ولا‭ ‬تفسر‭ ‬لنا‭ ‬اختلاف‭ ‬النجاح‭ ‬باختلاف‭ ‬الخطط‭ ‬والقواد‭.‬

‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬المسلمون‭ ‬على‭ ‬عقيدتهم‭ ‬الراسخة‭ ‬يقوم‭ ‬لقائهم‭ ‬هوازن‭ ‬وشيعتها‭ ‬بوادى‭ ‬حنين،‭

‬فأوشكوا‭ ‬أن‭ ‬ينهزموا‭ ‬لاعتدادهم‭ ‬بكثرتهم‭ ‬وقلة‭ ‬مبالاتهم‭ ‬بعدوهم،‭ ‬وأوشكت‭ ‬على‭ ‬عاقبة‭

‬الاستخفاف‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬تصيب‭ ‬المسلمين‭ ‬كما‭ ‬أصاب‭ ‬الفرس‭ ‬والروم،‭ ‬وفى‭ ‬ذلك‭ ‬يقول‭ ‬القرآن‭

‬الكريم‭ : ‬‮«‬ويوم‭ ‬حنين‭ ‬إذا‭ ‬أعجبتكم‭ ‬كثرتكم‭ ‬فلم‭ ‬تغن‭ ‬عنكم‭ ‬شيئا‭ ‬وضاقت‭ ‬عليكم‭ ‬الأرض‭ ‬بما‭

‬رحبت‭ ‬ثم‭ ‬وليتم‭ ‬مدبرين‮»‬‭ ‬‮«‬التوبة‭ ‬‮٢٥»‬‭.‬

‭ ‬فمهما‭ ‬يهرب‭ ‬هؤلاء‭ ‬المؤرخون‭ ‬من‭ ‬الحقيقة‭ ‬فلا‭ ‬محيص‭ ‬لهم‭ ‬من‭ ‬الرجوع‭ ‬إليها‭ ‬لفهم‭ ‬الغلبة‭

‬الإسلامية‭ ‬أو‭ ‬فهم‭ ‬الهزيمة‭ ‬الفارسية‭ ‬والرومانية،‭ ‬وهذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬هى‭ ‬أن‭ ‬المسلمين‭ ‬كانوا‭

‬أيضًا‭ ‬أخبر‭ ‬بالفنون‭ ‬العسكرية‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬فارس‭ ‬والروم‭ ‬وكانوا‭ ‬أقدر‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬الخطط‭

‬العسكرية‭ ‬التى‭ ‬تنفعهم‭ ‬من‭ ‬قواد‭ ‬تينك‭ ‬الدولتين،‭ ‬وإن‭ ‬البادية‭ ‬العربية‭ ‬سواء‭ ‬فى‭ ‬عصور‭

‬الجاهلية‭ ‬أو‭ ‬صدر‭ ‬الإسلام‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬من‭ ‬الجهل‭ ‬بفن‭ ‬الحرب‭ ‬بتلك‭ ‬الحالة‭ ‬التى‭ ‬توهمها‭

‬المؤرخون‭ ‬الأوروبيون،‭ ‬بل‭ ‬معظم‭ ‬المؤرخين‭ ‬عامة‭ ‬ولا‭ ‬نحاشى‭ ‬منهم‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمين‭…‬

 

فالصورة‭ ‬الشائعة‭ ‬فى‭ ‬خيال‭ ‬أكثر‭ ‬القارئين‭ ‬عن‭ ‬البادية‭ ‬أن‭ ‬حروب‭ ‬الصحراء‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬إلا‭

‬مشاجرات‭ ‬بالسيوف‭ ‬والرماح‭ ‬أو‭ ‬بالقسى‭ ‬والمقاليع،‭ ‬لا‭ ‬ترجع‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬ولا‭ ‬تنهج‭ ‬على‭ ‬خطة‭

‬ولا‭ ‬يخلص‭ ‬منها‭ ‬فن‭ ‬يتعلمه‭ ‬المتعلم،‭ ‬ويتلقاه‭ ‬اللاحق‭ ‬عن‭ ‬السابق،‭ ‬وقوام‭ ‬أمرها‭ ‬شراذم‭ ‬من‭

‬السطاة‭ ‬والمغيرين‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تقبل‭ ‬حتى‭ ‬تدبر،‭ ‬وقصارى‭ ‬ما‭ ‬تعرفه‭ ‬من‭ ‬أساليب‭ ‬القتال‭ ‬أن‭

‬تفر‭ ‬بعد‭ ‬الكر‭ ‬أو‭ ‬تكر‭ ‬بعد‭ ‬الفرار‭.‬

‭ ‬وهذه‭ ‬صوة‭ ‬مضللة‭ ‬لمن‭ ‬يسترشد‭ ‬بها‭ ‬فى‭ ‬اختبار‭ ‬قدرة‭ ‬البادية‭ ‬على‭ ‬الحروب‭ ‬الكبيرة‭

‬والمناوشات‭ ‬الصغيرة‭.‬

‭ ‬فمن‭ ‬الخطأ‭ ‬‮«‬أولًا‮»‬‭ ‬أن‭ ‬تستخف‭ ‬بالرياضة‭ ‬التى‭ ‬يراض‭ ‬عليها‭ ‬الجيل‭ ‬بعد‭ ‬الجيل‭ ‬حيث‭ ‬تتعاقب‭

‬الأجيال‭ ‬على‭ ‬أمثال‭ ‬هذه‭ ‬المناوشات،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬نسميه‭ ‬اليوم‭ ‬حرب‭ ‬العصابات،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭

‬صح‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬هى‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يعرفه‭ ‬أهل‭ ‬الصحراء‭ ‬من‭ ‬فنون‭ ‬القتال‭.‬

‭ ‬فالذى‭ ‬لا‭ ‬ريب‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬الصحراء‭ ‬قد‭ ‬تعاقبت‭ ‬فيها‭ ‬الأجيال‭ ‬على‭ ‬حروب‭ ‬العصابات‭ ‬التى‭ ‬تشترك‭

‬فيها‭ ‬القبائل‭ ‬أبدًا‭ ‬بين‭ ‬عادية‭ ‬ومعدو‭ ‬عليها،‭ ‬وأن‭ ‬البدوى‭ ‬قد‭ ‬عاش‭ ‬زمنًا‭ ‬كما‭ ‬جاء‭ ‬فى‭ ‬التوراة‭

‬‮«‬يده‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬إنسان‭ ‬ويد‭ ‬كل‭ ‬إنسان‭ ‬عليه‮»‬‭. ‬فحصل‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬ملكة‭ ‬مطبوعة‭ ‬يصح‭ ‬أن‭

‬تسمى‭ ‬‮«‬حاسة‭ ‬الحرب‮»‬‭ ‬أو‭ ‬أهبة‭ ‬الميدان‭ ‬الخالد‭ ‬التى‭ ‬لا‭ ‬تفارقه‭ ‬هفى‭ ‬ليل‭ ‬ولا‭ ‬نهار‭. ‬فلا‭ ‬يزال‭

‬حياته‭ ‬فى‭ ‬حيطة‭ ‬المدافع‭ ‬واستعداد‭ ‬المهاجم‭ ‬ويقظة‭ ‬القلب‭ ‬للنضال‭ ‬الذى‭ ‬يتعرض‭ ‬له‭ ‬بين‭

‬مضطر‭ ‬مغتصب‭ ‬أو‭ ‬طائع‭ ‬مختار‭.‬

‭ ‬وهذه‭ ‬ملكة‭ ‬لا‭ ‬تحصل‭ ‬لأبناء‭ ‬المدن‭ ‬الذين‭ ‬يندبون‭ ‬للقتال‭ ‬بين‭ ‬آونة‭ ‬وأخرى،‭ ‬ويتدربون‭ ‬عليه‭

‬كأنه‭ ‬عمل‭ ‬يؤدى‭ ‬ف‭ ‬مكان‭ ‬العمل،‭ ‬ثم‭ ‬يطرح‭ ‬عن‭ ‬العاتق‭ ‬فى‭ ‬سائر‭ ‬الأوقات‭.‬

‭ ‬ومن‭ ‬الرياضة‭ ‬التى‭ ‬يراض‭ ‬عليها‭ ‬الجيل‭ ‬بعد‭ ‬الجيل‭ ‬حيث‭ ‬تتعاقب‭ ‬حروب‭ ‬العصابات‭ ‬أنهم‭

‬يتعودون‭ ‬الصبر‭ ‬على‭ ‬الفرار‭ ‬ويملكون‭ ‬الجأش‭ ‬عند‭ ‬الإدبار،‭ ‬لأن‭ ‬الفرار‭ ‬عندهم‭ ‬حركة‭ ‬من‭

‬الحركات‭ ‬المألوفة‭ ‬فى‭ ‬كل‭ ‬وقعة‭ ‬يخوضون‭ ‬غمارها،‭ ‬وليست‭ ‬هزيمة‭ ‬تطيش‭ ‬باللب‭ ‬وتخلع‭

‬الفؤاد‭ ‬وتوقع‭ ‬فى‭ ‬روع‭ ‬صاحبها‭ ‬أه‭ ‬ضيع‭ ‬الأمل‭ ‬ولم‭ ‬يبق‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬أطوار‭ ‬القتال‭ ‬غير‭ ‬التسليم‭.

‬فهو‭ ‬فى‭ ‬حالة‭ ‬صالحة‭ ‬لاستئناف‭ ‬القتال‭ ‬إن‭ ‬أقبل‭ ‬وإن‭ ‬أدبر،‭ ‬وسواء‭ ‬طمع‭ ‬فى‭ ‬النصر‭ ‬أو‭ ‬لاذ‭

‬بالنجاة،‭ ‬وكأنه‭ ‬يتأخر‭ ‬ليتقدم‭ ‬فى‭ ‬حينها‭ ‬أو‭ ‬بعد‭ ‬حين،‭ ‬ويتحول‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭ ‬كما‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭

‬الشمال‭ ‬أو‭ ‬اليمين،‭ ‬طوعًا‭ ‬لأمر‭ ‬مقصود‭ ‬وجريًا‭ ‬فى‭ ‬عنان‭ ‬ممدود،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تيسر‭ ‬لقواعد‭

‬العرب‭ ‬فى‭ ‬الغزوات‭ ‬الكبيرة‭ ‬أن‭ ‬يلموا‭ ‬شمل‭ ‬الجيش‭ ‬المنهزم‭ ‬فى‭ ‬سويعات‭ ‬معدودات،‭ ‬وأن‭

‬يتداركوا‭ ‬الخذلان‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬يعسر‭ ‬على‭ ‬الجيوش‭ ‬المنظمة‭ ‬أن‭ ‬تتداركه‭ ‬قبل‭ ‬زمن‭ ‬طويل‭.‬

‭ ‬ولن‭ ‬تخلو‭ ‬العصابات‭ ‬المغيرة‭ – ‬مع‭ ‬طول‭ ‬المرانة‭ – ‬من‭ ‬علم‭ ‬بأصول‭ ‬الاستطلاع‭ ‬والمباغتة‭

‬والتبييت‭ ‬والمخاتلة‭ ‬وحسبان‭ ‬الحساب‭ ‬للرجعة‭ ‬والإفلات،‭ ‬وهى‭ ‬على‭ ‬بساطتها‭ ‬أصول‭ ‬لا‭

‬ندحة‭ ‬عنها‭ ‬فى‭ ‬أكبر‭ ‬الميادين‭ ‬وأصغرها‭ ‬على‭ ‬السواء‭.‬

‭ ‬هذا‭ ‬إن‭ ‬صح‭ ‬أن‭ ‬حروب‭ ‬العصابات‭ ‬هل‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬حذقه‭ ‬عرب‭ ‬البادية‭ ‬من‭ ‬فنون‭ ‬القتال‭ ‬فى‭

‬تاريخهم‭ ‬القديم‭.‬

‭ ‬وذلك‭ ‬غير‭ ‬صحيح‭..‬

‭ ‬فالعرب‭ ‬قد‭ ‬عرفوا‭ ‬فى‭ ‬حروبهم‭ ‬التى‭ ‬وقعت‭ ‬بينهم‭ ‬تسيير‭ ‬الجيوش‭ ‬بعشرات‭ ‬الألوف‭ ‬على‭

‬اختلاف‭ ‬الأسلحة‭ ‬والأقسام،‭ ‬وقيل‭ ‬إن‭ ‬جيش‭ ‬الغساسنة‭ ‬الذى‭ ‬حارب‭ ‬المنذر‭ ‬بن‭ ‬ماء‭ ‬السماء‭

‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬أربعين‭ ‬ألفًا‭ ‬بين‭ ‬راجل‭ ‬وفارس،‭ ‬وكان‭ ‬فى‭ ‬الجيش‭ ‬معًا‭ ‬راكبو‭ ‬الخيل،‭ ‬وراكبو‭

‬الإبل،‭ ‬وحاملو‭ ‬السيوف،‭ ‬وحاملو‭ ‬الرماح،‭ ‬والضاربون‭ ‬بالسهام‭ ‬والنبال،‭ ‬والضاربون‭ ‬بالحرب‭

‬والحجارة‭.‬

‭….‬

‭ ‬ولقد‭ ‬كانت‭ ‬الغساسنة‭ ‬والمناذرة‭ ‬أصحاب‭ ‬ملك‭ ‬قائم‭ ‬لا‭ ‬يعسر‭ ‬عليهم‭ ‬تسيير‭ ‬هذه‭ ‬الألوف‭

‬المؤلفة‭ ‬إلى‭ ‬الميادين‭ ‬القريبة،‭ ‬ولكن‭ ‬القبائل‭ ‬التى‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬على‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الملك‭ ‬كانت‭

‬تسوق‭ ‬الألوف‭ ‬للقاء‭ ‬أمثالها‭ ‬وتستعد‭ ‬لها‭ ‬بالجيوش‭ ‬التى‭ ‬تساوى‭ ‬فى‭ ‬عددها‭ ‬بعض‭ ‬جيوش‭

‬القتال‭ ‬فى‭ ‬عصرنا‭ ‬الحديث،‭ ‬فاستعدت‭ ‬مذحج‭ ‬لقتال‭ ‬تميم‭ ‬يوم‭ ‬الكلاب‭ ‬الثانى‭ ‬بثمانية‭ ‬آلاف،‭

‬وجرى‭ ‬بين‭ ‬الفريقين‭ ‬من‭ ‬حيل‭ ‬الاستطلاع‭ ‬والمراوغة‭ ‬والهجوم‭ ‬والمطاردة‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬محتو‭ ‬لكل‭

‬عناصر‭ ‬الكفاح‭ ‬الأولى‭ ‬فى‭ ‬كل‭ ‬زمان‭.‬

‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬البادية‭ ‬لم‭ ‬يفتها‭ ‬قط‭ ‬علم‭ ‬الحرب،‭ ‬كما‭ ‬علمته‭ ‬دول‭ ‬الحضارة‭ ‬فى‭ ‬عصور‭ ‬الجاهلية‭

‬العربية،‭ ‬فكانت‭ ‬غسان‭ ‬على‭ ‬مقربة‭ ‬من‭ ‬الروم‭ ‬تدخل‭ ‬معهم‭ ‬فى‭ ‬الفرق‭ ‬المتطوة‭ ‬على‭ ‬حالى‭

‬الدفاع‭ ‬والهجوم،‭ ‬وكان‭ ‬ملوك‭ ‬الحيرة‭ ‬على‭ ‬مقربة‭ ‬من‭ ‬الفرس‭ ‬يخدمهم‭ ‬أحيانًا‭ ‬كتيبتان‭ ‬من‭

‬الجيش‭ ‬الفارسى‭ ‬هما‭ ‬الشهباء‭ ‬والدوسر‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الدوشير‮»‬‭ ‬بمعنى‭ ‬الأسدين‭ ‬شعار‭ ‬الدولة‭

‬الفارسية،‭ ‬وكان‭ ‬جند‭ ‬الشهباء‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬فارس‭ ‬وجند‭ ‬الدوسر‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬القبائل‭ ‬العربية،‭ ‬وليس‭

‬يحتاج‭ ‬العربى‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬وهذه‭ ‬القدوة‭ ‬لالتقاط‭ ‬الفنون‭ ‬التى‭ ‬يحتاج‭ ‬إليها‭ ‬فى‭

‬تعبئة‭ ‬الجيوش‭ ‬وللفطنة‭ ‬إلى‭ ‬المخاوف‭ ‬التى‭ ‬يتقيها‭ ‬فى‭ ‬مواجهة‭ ‬التعبئة‭ ‬النظامية‭ ‬من‭ ‬جانب‭

‬دول‭ ‬الحضارة‭.‬

‭ ‬وقد‭ ‬تبين‭ ‬هذا‭ ‬فعلا‭ ‬فى‭ ‬وقعة‭ ‬ذى‭ ‬قار‭ ‬التى‭ ‬تغلب‭ ‬فيها‭ ‬العرب‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬الفارسية،‭ ‬فإن‭

‬العرب‭ ‬كانوا‭ ‬فى‭ ‬تلك‭ ‬الوقعة‭ ‬أبرع‭ ‬قيادة‭ ‬وأخبر‭ ‬بفنون‭ ‬الزحف‭ ‬والتعبئة‭ ‬من‭ ‬قادة‭ ‬الجيوش‭

‬النظامية،‭ ‬لم‭ ‬يغفلوا‭ ‬قط‭ ‬عن‭ ‬حيطة‭ ‬واجبة‭ ‬أو‭ ‬حيلة‭ ‬نافعة‭ ‬قبل‭ ‬اشتباكهم‭ ‬بالجيوش‭

‬الفارسية،‭ ‬بعثوا‭ ‬الطلائع‭ ‬وبثوا‭ ‬العيون‭ ‬وقسموا‭ ‬جموعهم‭ ‬إلى‭ ‬ميمنة‭ ‬تولاها‭ ‬بنو‭ ‬عجل،‭

‬وميسرة‭ ‬تولاها‭ ‬بنو‭ ‬شيبان‭ ‬وقلب‭ ‬تولته‭ ‬بطون‭ ‬من‭ ‬بكر‭ ‬عليهم‭ ‬رئيسهم‭ ‬القدير‭ ‬هانئ‭ ‬بن‭

‬مسعود،‭ ‬وأنفذوا‭ ‬إلى‭ ‬قبائل‭ ‬العرب‭ ‬الذين‭ ‬فى‭ ‬جيش‭ ‬الفرس‭ ‬رسلًا‭ ‬يثيرون‭ ‬نخوتهم‭ ‬ويغرونهم‭

‬بالتخلى‭ ‬عن‭ ‬أصحابهم‭ ‬حين‭ ‬يجد‭ ‬الجد‭ ‬ويلتحم‭ ‬الجيشان،‭ ‬فوافقتهم‭ ‬إياد‭ ‬وبرت‭ ‬بوعدها‭ ‬من‭

‬الميدان‭ ‬فى‭ ‬أحرج‭ ‬الأوقات‭…‬

‭…..‬

‭ ‬ولما‭ ‬أصبح‭ ‬يوم‭ ‬الوقعة‭ ‬الحاسمة‭ ‬أقبل‭ ‬الفرس‭ ‬ومعهم‭ ‬الأفيال‭ ‬والفرق‭ ‬المدرعة،‭ ‬فلم‭ ‬يرع‭

‬قادة‭ ‬العرب‭ ‬ما‭ ‬شاهدوا‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الجيش‭ ‬الزاخر‭ ‬وتلك‭ ‬العدة‭ ‬الوافية،‭ ‬بل‭ ‬تشاوروا‭ ‬فى‭ ‬أمرهم‭

‬وعقدوا‭ ‬بينهم‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬‮«‬مجلس‭ ‬الحرب‮»‬‭ ‬فى‭ ‬اصطلاح‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭. ‬فقال‭ ‬ربيعة‭ ‬بن‭ ‬غزالة‭

‬السكونى‭ : ‬‮«‬لا‭ ‬تستهدفوا‭ ‬لهذه‭ ‬الأعاجم‭ ‬فتهلككم‭ ‬بنشابها،‭ ‬ولكن‭ ‬تكردسوا‭ ‬كراديس‭ ‬فإذا‭

‬أقبلوا‭ ‬على‭ ‬كردوس‭ ‬شد‭ ‬الآخر‮»‬‭. ‬وقال‭ ‬حنطة‭ ‬بن‭ ‬ثعلبة‭ : ‬‮«‬إن‭ ‬النشاب‭ ‬الذى‭ ‬مع‭ ‬الأعاجم‭

‬يفرقكم،‭ ‬فإذا‭ ‬أرسلوه‭ ‬لم‭ ‬يخطئكم،‭ ‬فعاجلوهم‭ ‬اللقاء،‭ ‬وابدأوهم‭ ‬بالشدة‮»‬،‭ ‬وقال‭ ‬يزيد‭ ‬بن‭

‬حمار‭ : ‬‮«‬أكمنوا‭ ‬لهم‭ ‬كمينًا‮»‬‭ ‬ففعلوا‭ ‬وأكمنوه‭ ‬فى‭ ‬موضع‭ ‬يقال‭ ‬له‭ ‬الخبيء،‭ ‬وأوصوه‭ ‬أن‭ ‬يظهر‭

‬حين‭ ‬يشتد‭ ‬القتال‭ ‬بين‭ ‬العسكرين‭ ‬وتفر‭ ‬قبيلة‭ ‬إياد‭ ‬من‭ ‬صفوف‭ ‬الأعاجم،‭ ‬فيكون‭ ‬فرار‭

‬أنصارهم‭ ‬وإقبال‭ ‬المدد‭ ‬إلى‭ ‬خصومهم‭ ‬مع‭ ‬احتدام‭ ‬القتال،‭ ‬ضربتين‭ ‬متداركتين‭ ‬لا‭ ‬يقوون‭

‬بعدهما‭ ‬على‭ ‬الثبات‭.‬

‭ ‬ولم‭ ‬يغفلوا‭ ‬عن‭ ‬حمية‭ ‬الجند‭ ‬والفرسان‭ ‬يلهبونها‭ ‬للمجازفة‭ ‬بالحياة‭ ‬والأنفة‭ ‬من‭ ‬طلب‭ ‬النجاة،‭

‬وهو‭ ‬ما‭ ‬نسميه‭ ‬اليوم‭ ‬بالروح‭ ‬المعنوية،‭ ‬فعمد‭ ‬حنطة‭ ‬بن‭ ‬ثعلبة‭ ‬إلى‭ ‬و‭ ‬ضين‭ ‬راحلة‭ ‬امرأته‭ – ‬أى‭

‬حزامها‭ – ‬فقطعه،‭ ‬وتتبع‭ ‬رواحل‭ ‬النساء‭ ‬فقطع‭ ‬وضنها‭ ‬جميعًا‭ ‬فسقطت‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬وصاح‭

‬بقومه‭: ‬‮«‬ليقاتل‭ ‬كل‭ ‬رجل‭ ‬منكم‭ ‬عن‭ ‬حليلته‭.. ‬وراح‭ ‬السيَّافون‭ ‬يقطعون‭ ‬أقبيتهم‭ ‬من‭ ‬مناكبها‭

‬لتخف‭ ‬أيديهم‭ ‬لضرب‭ ‬السيوف،‭ ‬وتسابق‭ ‬الخطباء‭ ‬والشعراء‭ ‬فى‭ ‬التذمر‭ ‬والتحريض‭ ‬فذهبوا‭

‬جميعًا‭ ‬يرددون‭ ‬قول‭ ‬قائلهم‭: ‬‮«‬المنية‭ ‬ولا‭ ‬الدنية،‭ ‬واستقبال‭ ‬الموت‭ ‬خير‭ ‬من‭ ‬استدباره‮»‬‭.‬

‭ ‬وتبارز‭ ‬بعض‭ ‬الفرسان‭ ‬من‭ ‬العسكرين،‭ ‬ثم‭ ‬التحم‭ ‬الفريقان‭ ‬وحمى‭ ‬الوطيس،‭ ‬وظهر‭ ‬الكمين‭

‬فى‭ ‬أوانه‭ ‬وولت‭ ‬إياد،‭ ‬فتبعها‭ ‬فريق‭ ‬ممن‭ ‬كسرت‭ ‬قلوبهم‭ ‬هذه‭ ‬الصدمة‭ ‬التى‭ ‬فوجئوا‭ ‬بها‭ ‬على‭

‬غير‭ ‬رقب،‭ ‬وأطبق‭ ‬الكمين‭ ‬على‭ ‬قلب‭ ‬الجيش‭ ‬ومعه‭ ‬كوكب‭ ‬الجيش‭ ‬العربى‭ ‬كله‭ ‬فحقت‭

‬الهزيمة‭ ‬العاجلة‭ ‬على‭ ‬أقوى‭ ‬الجيشين،‭ ‬وكتب‭ ‬النصر‭ ‬لأولى‭ ‬الفريقين‭ ‬به‭ ‬فى‭ ‬ميزان‭ ‬الفن‭

‬العسكرى‭ ‬الذى‭ ‬يشمل‭ ‬جميع‭ ‬المرجحات،‭ ‬ما‭ ‬عدا‭ ‬المرجع‭ ‬المادى‭ ‬دون‭ ‬غيره،‭ ‬وهو‭ ‬العدد‭

‬والسلاح‭.‬

إذ‭ ‬الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬غلبة‭ ‬العرب‭ ‬فى‭ ‬يوم‭ ‬ذى‭ ‬قار‭ ‬إما‭ ‬كانت‭ ‬غلبة‭ ‬لليقظة‭ ‬على‭ ‬الغفلة،‭ ‬وللكفاية‭

‬على‭ ‬العجز،‭ ‬وللخفة‭ ‬على‭ ‬الفخامة،‭ ‬وللفن‭ ‬الحربى‭ ‬الصحيح‭ ‬على‭ ‬النظم‭ ‬التقليدية‭ ‬التى‭ ‬لا‭

‬تصرف‭ ‬فيها،‭ ‬وللعزة‭ ‬المشكورة‭ ‬على‭ ‬الكبرياء‭ ‬المذمومة،‭ ‬وكان‭ ‬العرب‭ ‬خلقاء‭ ‬أن‭ ‬ينتصروا‭ ‬بكل‭

‬وسيلة‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬النصر‭ ‬فى‭ ‬الحروب‭ ‬القديمة‭ ‬والحروب‭ ‬الحديثة،‭ ‬إلا‭ ‬تفوق‭ ‬الفرس‭ ‬فى‭

‬بعض‭ ‬العدد‭ ‬التى‭ ‬لم‭ ‬ينفعهم‭ ‬تفوقهم‭ ‬فيها‭ ‬عند‭ ‬التحام‭ ‬الصفوف‭.‬

‭ ‬وليس‭ ‬فى‭ ‬وسع‭ ‬عالم‭ ‬من‭ ‬علماء‭ ‬الحرب‭ ‬فى‭ ‬زماننا‭ ‬هذا‭ ‬أن‭ ‬يأخذ‭ ‬عليهم‭ ‬خللًا‭ ‬فى‭ ‬خطتهم‭

‬لم‭ ‬يلتفتوا‭ ‬إليه،‭ ‬أو‭ ‬يحصى‭ ‬عليهم‭ ‬وجهًا‭ ‬من‭ ‬وجوه‭ ‬التدبير‭ ‬قصروا‭ ‬فيه،‭ ‬لأن‭ ‬وجوه‭ ‬التدبير‭ ‬كلها‭

‬فضول‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تستقيم‭ ‬للقاتل‭ :‬

‭ (‬‮١‬‭) ‬أهبة‭ ‬الاستطلاع‭. (‬‮٢‬‭) ‬رسم‭ ‬الخطة‭. (‬‮٣‬‭) ‬تنظيم‭ ‬الجيش‭ ‬فى‭ ‬مواقفه‭. (‬‮٤‬‭) ‬تنظيم‭

‬الجيش‭ ‬فى‭ ‬حركاته‭. (‬‮٥‬‭) ‬إذكاء‭ ‬الهزيمة‭ ‬فى‭ ‬نفوسه‭. (‬‮٦‬‭) ‬إضعاف‭ ‬العزيمة‭ ‬فى‭ ‬نفوس‭

‬خصومه‭. ‬وهذه‭ ‬كلها‭ ‬هى‭ ‬صفوة‭ ‬لباب‭ ‬الحرب‭ ‬فى‭ ‬العصر‭ ‬الحاضر‭ ‬وفى‭ ‬العصور‭ ‬الغابرة،‭ ‬وفى‭

‬جميع‭ ‬العصور‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬الزمان‭.‬

‭ ‬ويبدو‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬مزية‭ ‬الفرس‭ ‬فى‭ ‬أنواع‭ ‬الأسلحة‭ ‬والعدد‭ ‬كانت‭ ‬مزية‭ ‬مبالغًا‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬الأقل‭

‬فى‭ ‬ميادين‭ ‬الاشتباك‭ ‬والالتحام،‭ ‬رذا‭ ‬صح‭ ‬أن‭ ‬لها‭ ‬الرجحان‭ ‬فى‭ ‬مواقف‭ ‬الحصار‭ ‬ومواقف‭

‬الحرب‭ ‬من‭ ‬بعيد،‭ ‬لأننا‭ ‬عرفنا‭ ‬من‭ ‬أخبار‭ ‬الحروب‭ ‬الماضية‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الفرسان‭ ‬البواسل‭ ‬كانوا‭

‬يترجلون‭ ‬ليحكموا‭ ‬الضرب‭ ‬والحركة،‭ ‬وكانوا‭ ‬يخلعون‭ ‬عنهم‭ ‬شكتهم‭ ‬تبرمًا‭ ‬بها‭ ‬وتخففًا‭ ‬من‭ ‬ثقلها‭

‬ولاسيما‭ ‬فى‭ ‬أيام‭ ‬القيظ‭ ‬أو‭ ‬فى‭ ‬المواضع‭ ‬الوعرة‭ ‬التى‭ ‬تصعب‭ ‬فيها‭ ‬حركة‭ ‬المدرعين‭ ‬فى‭

‬الشكة‭ ‬السابغة،‭ ‬وكان‭ ‬بعض‭ ‬الضباط‭ ‬من‭ ‬النبلاء‭ ‬يستصحبون‭ ‬خدمًا‭ ‬لهم،‭ ‬ليحملوا‭ ‬لهم‭

‬شكتهم‭ ‬إلى‭ ‬حين‭ ‬الحاجة‭ ‬إلها،‭ ‬وجاء‭ ‬فى‭ ‬كتاب‭ ‬فيجتيوس‭ ‬Vegetius‭ ‬إنجيل‭ ‬الحرب‭ ‬عند‭

‬الرومان‭ ‬الأقدمين‭ ‬أن‭ ‬الجنود‭ ‬كانوا‭ ‬يضيقون‭ ‬ذرعًا‭ ‬بالدروع‭ ‬المعدنية‭ ‬ويستقلونها‭ ‬ويودون‭ ‬لو‭

‬يطروحونها‭ ‬ويتاح‭ ‬لهم‭ ‬العمل‭ ‬بغيرها،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬لهم‭ ‬حاجة‭ ‬بها‭ ‬إلا‭ ‬حين‭ ‬يرادون‭ ‬على‭ ‬الاقتراب‭

‬من‭ ‬مواقع‭ ‬السهام‭ ‬والنبال‭ ‬والحراب‭ ‬الطويلة،‭ ‬لأداء‭ ‬عمل‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭.‬

وعندنا‭ ‬أن‭ ‬العرب‭ ‬قد‭ ‬كسبوا‭ ‬الطريقتين‭ ‬معًا‭ ‬بنشأتهم‭ ‬فى‭ ‬البادية‭ ‬واقترابهم‭ ‬من‭ ‬دول‭

‬الحضارة،‭ ‬ونعنى‭ ‬بهما‭ ‬طريقة‭ ‬العصابات‭ ‬وطريقة‭ ‬الجيوش‭ ‬فى‭ ‬إدارة‭ ‬الحروب‭.‬

‭ ‬فهم‭ ‬قد‭ ‬برعوا‭ ‬فى‭ ‬حرب‭ ‬العصابات‭ ‬بالمرانة‭ ‬الطويلة،‭ ‬ثم‭ ‬اقتبسوا‭ ‬ما‭ ‬لزمهم‭ ‬أن‭ ‬يقتبسوه‭ ‬من

‭ ‬فنون‭ ‬الحرب‭ ‬عند‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬على‭ ‬أيامهم،‭ ‬فلم‭ ‬يخسروا‭ ‬بذلك‭ ‬إحدى‭ ‬الطريقتين‭ ‬بل‭

‬جمعوا‭ ‬بينهما‭ ‬واستفادوا‭ ‬بما‭ ‬تفيده‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬فى‭ ‬موضعها،‭ ‬فأضافوا‭ ‬سرعة‭ ‬العمل‭ ‬فى

‭ ‬طريقة‭ ‬العصابات‭ ‬إلى‭ ‬إحكام‭ ‬التنظيم‭ ‬فى‭ ‬طريقة‭ ‬الجيوش‭.. ‬وكانوا‭ ‬يقاتلون‭ ‬بفنين‭

‬متساندين‭ ‬يأخذون‭ ‬منهما‭ ‬ما‭ ‬يأخذون‭ ‬ويدعون‭ ‬منهما‭ ‬ما‭ ‬يدعون،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬الفرس‭ ‬أو‭ ‬الوم‭

‬يتقيدون‭ ‬بفن‭ ‬واحد‭ ‬على‭ ‬التراث‭ ‬المحفوظ‭ ‬الذى‭ ‬لا‭ ‬يحسنون‭ ‬التجديد‭ ‬فيه‭..‬

ومن‭ ‬المحقق‭ ‬أن‭ ‬قبائل‭ ‬العرب‭ ‬التى‭ ‬أقامت‭ ‬فى‭ ‬الحواضر‭ ‬كانت‭ ‬على‭ ‬الزمن‭ ‬تتلقى‭ ‬النصيب‭

‬الأوفى‭ ‬من‭ ‬كلتا‭ ‬الطريقتين،‭ ‬إما‭ ‬بالقدوة‭ ‬والتلقين‭ ‬أو‭ ‬بالتعليم‭ ‬المقصود،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬قبائل‭

‬قريش‭ ‬التى‭ ‬كانت‭ ‬تقيم‭ ‬فى‭ ‬عاصمة‭ ‬العواصم‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬الوجهة‭ ‬الأدبية‭ ‬والثقافية،‭ ‬وكانت‭

‬تجمع‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تفرق‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬الجزيرة‭ ‬من‭ ‬المزايا‭ ‬والمعارف‭ ‬والصفات،‭ ‬لأنها‭ ‬أخذت‭ ‬نفسها‭

‬بآداب‭ ‬الرئاسة‭ ‬المدنية‭ ‬والبدوية‭ ‬التى‭ ‬يدين‭ ‬بها‭ ‬جميع‭ ‬هؤلاء‭.‬

‭ ‬فالتاريخ‭ ‬الصادق‭ ‬يتقاضانا‭ ‬أن‭ ‬نعرف‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة،‭ ‬لنعرف‭ ‬موقع‭ ‬العدل‭ ‬والإنصاف‭ ‬من‭ ‬حكم‭

‬الزمن‭ ‬بين‭ ‬الأمم‭ ‬الكبيرة‭ ‬التى‭ ‬تنازعت‭ ‬السيادة‭ ‬بعد‭ ‬ظهور‭ ‬النهضة‭ ‬العربية‭.‬

‭….‬

‭ ‬فالنهضة‭ ‬العربية‭ ‬لم‭ ‬يكتب‭ ‬لها‭ ‬النصر،‭ ‬لأن‭ ‬الفرس‭ ‬والروم‭ ‬كانوا‭ ‬يستحقون‭ ‬الهزيمة‭ ‬وكفى،‭

‬بل‭ ‬هى‭ ‬قد‭ ‬انتصرت،‭ ‬لأنها‭ ‬كانت‭ ‬تستحق‭ ‬النصر‭ ‬بأسبابه‭ ‬التى‭ ‬لا‭ ‬مصادفة‭ ‬فيها‭ ‬ولا‭ ‬محاباة،‭

‬ولا‭ ‬محل‭ ‬لفلتة‭ ‬نادرة‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬التكرار‭..‬

‭ ‬وإنما‭ ‬كانت‭ ‬أسباب‭ ‬النصر‭ ‬عند‭ ‬العرب‭ ‬ناقصة،‭ ‬فتمت‭ ‬فى‭ ‬أونها‭ ‬فغلبوا‭ ‬بوسائل‭ ‬الغلبة‭ ‬جميعها‭.‬

‭ ‬كانوا‭ ‬متفرقين‭ ‬بغير‭ ‬باعث‭ ‬على‭ ‬الوحدة‭ ‬والنهوض،‭ ‬فجاءتهم‭ ‬الدعوة‭ ‬الإسلامية‭ ‬تجمع‭

‬شتاتهم‭ ‬وتبعث‭ ‬كرامتهم‭ ‬وتنطلق‭ ‬بهم‭ ‬فى‭ ‬سبيلهم،‭ ‬فتم‭ ‬لهم‭ ‬ما‭ ‬نقص‭ ‬وتهيأت‭ ‬لهم‭ ‬ذرائع‭

‬النصر‭ ‬فى‭ ‬شرعة‭ ‬الأرض‭ ‬والسماء،‭ ‬وعلم‭ ‬النبى‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬بيوم‭ ‬‮«‬ذى‭ ‬قار‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬يدعو‭

‬العرب‭ ‬إلى‭ ‬دين‭ ‬التوحيد،‭ ‬فرأى‭ ‬فيه‭ ‬بوادر‭ ‬نصر‭ ‬العرب‭ ‬على‭ ‬العجم،‭ ‬وأيقن‭ ‬أنه‭ ‬يوم‭ ‬تتلوه‭ ‬أيام،‭

‬وأنه‭ ‬مسمع‭ ‬بدعوته‭ ‬الأمم‭ ‬جميعًا‭ ‬عمًّا‭ ‬قريب‭.‬

Facebook Comments
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: