صدى القارئ

ضمير صالح للإستعمال

ضمير صالح للاستعمال !

بقلم ا.د/إبراهيم محمد مرجونة

أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية-رئيس قسم التاريخ

كلية الآداب بدمنهور

لو افترضنا أن الضمير أمرٌ فطري، فهذا يعني أن

الضمير قوة أخلاقية ولادية تولد مع الإنسان بحيث

تكون النفس مزودة بقدرة التمييز بين الصواب

والخطأ وامكانية ضبط الإرادة لتجنب الخطأ. فالينظر

كل منا في مرآته هل مازال ضميره صالح للإستعمال أم انتهت صلاحيته؟.

مفهوم الأخلاق يختلف بين شخص وآخر بحسب التربية

والنشأة والوسط الذي يعيش فيه الإنسان، هذه

حقيقة لا يختلف عليها اثنان، فالتربية مسئولة عن

سلبيات وإيجابيات سلوك الفرد والمجتمع. عندما نربي

الوجدان في أبنائنا هذا أكبر دافع لحياة ضمائرهم

ويقظتها الدائمة ليميزوا بين الصواب والخطأ، والحق

والباطل، ويستطيعوا تقدير أفعالهم ومسئولياتهم

الدينية والأخلاقية، نربي الضمير الداخلي لديهم

، «الوجدان» نعودهم أطفالاً ومراهقين وشباباً على

مراقبة ضمائرهم الرقابة الداخلية الذاتية التي تتمثل

في فهم المبادئ والقيم الأخلاقية والسلوك، في هذه

الحالة أفعالهم لا شك ستتفق مع هذه القيم ويكون

لديهم وازع من دين وضمير لأن مجموعة المشاعر

والأحاسيس الطيبة التي ربيناهم عليها تمثل ميزان

الحس والوعي عندهم فتضبط سلوكهم وضمائرهم

. ولو أجبنا عن سؤال لماذا يختفي الضمير وكيف؟

أقول: يختفي في حالات كثيرة، أهمها التربية

القاصرة التي لم توجه الضمير الوجداني الوجهة

الصحيحة وتتركه يغرق في متاهات لا أول لها ولا

آخر من السلوك غير المرغوب، كالخداع والغش

والأنانية والفساد بأنواعه، فيعلو حب الذات وتسيطر

الأنا ويخفت صوت الضمير ويختفي وهذا أسوأ واقع

يعيشه المجتمع. عندما يعلو صوت الأنا على صوت

الضمير قل على الدنيا السلام!! أنانية بجميع أشكالها

، أحاسيس مفقودة، مشاعر ميتة، عواطف مسافرة إلى عالم اللاوجود.

غابت القدوة فتشتت الذهن، الكبار يقولون ما لا

فلماذا لا يجرب هو إذن التمرد الأخلاقي والسلوكي

وربما الديني وهو في غفلة عن أعين الكبار فهل

ينجح؟ النتيجة خطأٌ يجر خطأ وهلم جرا!! خاصة

مع غياب الرقابة الخارجية وضمور الوازع الديني

وتناقضات التربية، وازدواجية المجتمع وتناقضاته

، يخفت الضمير مع أول خطأ ويختفي مع تكراره فهو

لا يخشى موت ضميره بقدر ما يخشى المؤاخذة القانونية

والعقاب الدنيوي ولا يخشى الله وعقابه. ومن أسباب

اختفاء الضمير في الإنسان الانبهار بالجاه والشهرة

، مع علو مبدأ الغاية تبرر الوسيلة وهنا الكل مذنب

. ليس من شيء أكثر إيلاماً من ضمير مذنب يعرف

أنه مذنب، ومن يذنب جراحه لا تلتئم أبدا إلاّ بالعودة للخوف

من الله وإيقاظ الضمير.

تهذيب الضمير وتربيته لا تقتصر على التربية في

البيت وحده، لابد وأن تتكامل تربية النشء التي

تتمثل في تكاتف كل المؤسسات التربوية مع بعضها

البعض، مدارس، مساجد، كنائس كل منابر العلم

والتثقيف الديني والسلوكي بإيجابياتها التربوية

ليستشعر الأبناء مراقبة الله في السر والعلانية،

ويعتقدوا اعتقاداً جازماً بأن الله يعلم مكنونات

الصدور وذلك أكبر دافع لحياة الضمير ويقظته الدائمة، ومنع اختفائه.

ذلك أن دور الضمير حسب مفهوم علم السلوك وعلم

النفس التطوري هو تعزيز الإيثار المتبادل بين الأنا

والآخر. يعتقد نيتشة ان الضمير قد ينحرف عن

مساره حين يبالغ في توجيه اللوم والإتهام والنقد

لداخل الذات بدلا من محاسبة الأطراف الخارجية التي ارتكبت الخطا..

ويموت الضمير بغرور الإنسان وأنانيته وجهله

وتعصبه لقناعات تحرمه متعة تجديد وتحريك الراكد

فيه وتسلبه حرية وزن الأمور وتقييمها ، أفعال كثيرة

لها دور كبير في اختفاء الضمير يصعب حصرها

وذكرها في هذا المقال لكن أسوأها الذي يصل لموت

الضمير لا لاختفائه فحسب، فقد يختفي الضمير فترة

ويعود ليظهر لكن عندما يصل للموت فكيف يستيقظ

الميت؟!! يبدأ هذا الموت بموت الضمير المهني أكبر

قضايا الفساد، فغياب الضمير المهني قضية جوهرية مهمه

قد يبررها معدومو الضمير لحاجة في نفوسهم تؤدي

لموت الضمائر والعمل بلا ضمير، ولاقتناعهم بما

يبررون يسخرون من الضمائر الحية عجباً !! ويا

لسخرية القدر تستهزئ الضمائر الميتة بالضمائر

الحية!! حسبنا من السعادة ضمائر نقية ونفوس

هادئة وقلوب شريفة فليسخر من يسخر ، يكفينا ما

بداخلنا من أحكام عادلة تبقى يقظة في النفوس هى احكام

الضمير، وتلك هي الحياة السعيدة المثالية التي

نرجوها للجميع وعلينا أن نعي أمور غاية في الأهمية

وهى :أن لا شيء أكثر خطراً على صحة ضمائرنا من الجهل

والحقد.و لن نصل إلى ضمائر يقظة تنعم بالخير

والسلام إلا باتقان فن الحب ولغة الحوار.ويبقى

الإحترام… احترام النفس وكرامتها وهذا لن يتأتى إلا

من سلاح الضمير الذي لا يهزم أبداً.وما من صوت

يستحق أن نصغي إليه باحترام إلا صوت الضمير.

ضمير صالح للاستعمال
دكتور إبراهيم محمد مرجونه

https://www.sadaelomma.com

https://twitter.com/sadaaluma

Facebook Comments
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: