غير مصنف

عملات غريبة فى المملكة.. كيف كان يتعامل السعوديون قبل الريال السعودي؟

 

كتبت رباب عطيه

قبل دخول الملك عبدالعزيز بن عبد الرحمن الفيصل مدينة الرياض سنة 1319هـ (1902م)، كانت تعيش المملكة العربية السعودية حالة من الفوضى السياسية، فالبلاد كانت عبارة عن أشلاء متناثرة ومتناحرة في الوقت نفسه، والروابط واللحمة الواحدة تنعدم فيما بينها. فكل إقليم يمثل كيانًا مستقلًا في جميع شؤونه، ناهيك عن أنه لم يكن لأي منها شيء من كينونة الدولة السياسية بمعناها الحالي.

وقد انعكس ذلك بشكل كبير على الأوضاع الاقتصادية التي كانت تعاني انهيارًا في معظم مقوماتها، مما أدى إلى تحويل معظم مجتمعاتها إلى قبائل رحل تعتمد في إتمام عملياتها التجارية بشكل كبير على نظام المقايضة، ويكاد هذا الوضع ينطبق وبشكل كبير على الأجزاء الداخلية من البلاد.

لقد أدى هذا التدهور السياسي والانهيار الاقتصادي إلى تعطيل عدد من الأنشطة الاقتصادية التي كانت تمثل أهم مورد لبعض الكيانات السياسية والقبلية، مما أدى إلى إفلاس السواد الأعظم من السكان وعجزهم عن دفع الضرائب التي كانت تمثل أهم مورد من موارد الدخل للدولة العثمانية في الجزيرة العربية آنذاك، وممثليها في حكم أقاليم البلاد. وبذلك بات سكان هذه الأقاليم ينتظرون الفرصة والخلاص من هذا الحكم الجائر الذي أرهق كاهلهم بدفع الضرائب، وأعادهم بل ودفع بهم سنين طويلة إلى التخلف والجهل.

البداية لعملة جديدة

استمر هذا الوضع قائمًا إلى أن دخل الملك عبدالعزيز مدينة الرياض، فكانت بداية القرن العشرين بداية انطلاقة الدور الثالث من الحكم السعودي المبارك، الذي وضع حجر الأساس لحياة جديدة في جزيرة العرب، وأعاد بناء الحياة السياسية، والحكم المستقر، والأمن الدائم إلى ربوعها، ليعم سائر أقاليمها التي صارت بفضل الله ثم بجهود هذا الملك الفذ حاضرةً للتجارة العربية والإسلامية في العصر الحديث. وكيانًا بارزًا يضطلع بدور مهم في مسار الاقتصاد العالمي.

تاريخ سك العملة فى السعودية

في ظل الفوضى النقدية لم يكن أمام الملك عبدالعزيز في بداية الأمرـ أي بعد دخوله مدينة الرياض وسيطرته على معظم إقليم نجد ـ سوى أن يقبل ولو بشكل مؤقت بهذا الوضع، حيث أبقى على التعامل بالنقود المتوفرة بالأسواق آنذاك، إلا أن إيجاد نقد موحد يتم تداوله في مناطق نفوذه آنذاك، كان هاجسًا يراوده كثيرًا، لإدراكه التام بأن النقود تعد أهم مظهر من مظاهر سيادة الدولة، وإحدى شارات الملك الثلاث. ولهذا نجد أن الملك عبدالعزيز وخلال تلك الفترة المبكرة من مسيرة التوحيد كان يحاول جاهدًا إصدار عملة نحاسية خاصة بسلطنة نجد آنذاك، رغبة منه في ضبط الأوضاع النقدية في أسواقها إبان تلك الفترة.

بعد هذه الخطوة الجريئة، وفي ظل سيادة العملات الأجنبية، لم يكن أمام الملك عبدالعزيز سوى إقرار التعامل في محيط نفوذه السياسي بالنقود المتداولة آنذاك. وهي النقود التي جرى تداول معظمها إبان عهد الدولة السعودية الثانية، والفترة التي سبقت دخوله مدينة الرياض.

أسماء العملات فى السعودية

ولعل أهم تلك العملات على الإطلاق التالر النمساوي، أو ما يعرف بـ “دولار ماريا تريزا” والمعروف محليًا باسم “الريال الفرانسي” وهو الاسم الذي أصبح مجازًا اسمًا رسمياَ لهذا النقد في معظم أقاليم الجزيرة العربية، بل وبعض الأقطار العربية.، وهو عبارة عن قطعة نقدية فضية كبيرة الحجم يبلغ وزنها أوقية واحدة، ولدقة وزنه أصبح فيما بعد وحتى الآن وحدة وزن في الأسواق الشعبية. وقد بلغ هذا النقد – كما مربنا من قبل – شهرة كبيرة، وتعلق به الناس، ووثقوا به كنقد رئيس في معاملاتهم التجارية خاصة سكان الجزيرة العربية التي كان بعض أقاليمها يخضع لسيطرة الدولة العثمانية. بل إنهم كانوا يرفضون التعامل بغيره، حتى النقود العثمانية نفسها، الأمر الذي أضطر بعض ولاة الدولة العثمانية على تلك الأقاليم إلى الطلب من الآستانة توفير كميات كبيرة من الريال الفرانسي تفي بمتطلبات ولاياتهم

وإلى جنب الريال الفرانسي تم تداول أنواع مختلفة من النقود العثمانية الذهبية والفضية والنحاسية. وإن كانت النقود الفضية والنحاسية ومثلها النقود (الكوبر نيكل) هي الأكثر انتشارًا وسيادة في التداول بين الناس، ذلك لأن هذه العملات تمتاز عن غيرها بفئاتها المتعددة التي جعلت منها نقودًا رائجة في المعاملات التجارية.

وواشتهر من تلك النقود ما عرف بالريال المجيدي نسبة إلى السلطان العثماني عبدالمجيد خان، كذلك البارات- جمع بارة – وهي نقود من (الكوبر نيكل) وتمثل في حقيقتها أجزاء للريال المجيدي. وتتميز هذه النقود بصفة عامة بأنها تحمل على وجهها توقيع السلطان المشتمل على اسمه كاملًا نقش بالخط الطغرائي، وعدد سنوات جلوس السلطان على العرش، أما الظهر فيشتمل على مكان وتاريخ السك، وتاريخ تولية السلطان.

إضافة إلى تلك النقود جرى تداول الجنيه الإنجليزي الذي لا يقل شهرة عن الريال الفرانسي، وقد عرف بين سكان البلاد بأسماء محلية منها: جنيه جورج، نسبة إلى الإمبراطور جورج الخامس الذي سك هذا النقد في عهده، كذلك عرف باسم محلي آخر هو جنيه أبو خيال. لوجود صورة رجل يمتطي صهوة جواد على ظهر القطعة.

وكان هذا النقد يرد إلى أسواق البلاد شأنه شأن باقي العملات الإنجليزية التي ترد عن طريق الهند أهم المستعمرات البريطانية آنذاك. ولأن هذا النقد مضروب من معدن الذهب فقد لقي رواجًا كبيرًا بين سكان البلاد. ناهيك عن نقاوة معدنه وثبات وزنه. كذلك جرى تداول النقود الهندية الفضية والمعروفة بالروبية وأجزائها والتي هي في حقيقة الأمر نقود إنجليزية سكت خلال الاستعمار البريطاني للهند. ولعل خير دليل على ذلك نقش صورة الإمبراطور الإنجليزي عليها. وقد كان للروبية وأجزائها ،والآنة وأجزائها، ومضاعفاتها شهرة واسعة وانتشار كبير في أسواق معظم أقاليم الجزيرة العربية، خصوصًا الأقاليم المطلة على الخليج العربي والبحر الأحمر. كذلك جرى تداول العديد من النقود الأخرى كالقروش المصرية ونقود بعض الدول المجاورة في الجزيرة العربية، ونقود دول شرق آسيا خاصة نقود الهند الشرقية، أو ما يعرف حاليًا بـ اندونيسيا.

وفي خضم تلك الفوضى النقدية التي كانت تعيشها البلاد، كان الملك عبد العزيز يسعى جاهدًا لإيجاد الحلول التي تساعد على ضبط الأوضاع النقدية تلك، وتحد من تنوع تلك النقود. ولعل أول خطوة عملية قام بها الملك عبدالعزيز تمثلت في دمغ بعض النقود الشائعة والرائجة في التداول بكلمة (نجد)، وكان ذلك قبل سنة 1340هـ (1922م). ومن أهم تلك النقود التي خضعت للإصلاح النقدي، الريال الفرانسي، والروبية الهندية وأجزاؤها، وبعض النقود العثمانية المضروبة من النحاس ومن (الكوبر نيكل) من فئة عشرة بارات، وفئة عشرين بارة، وأربعين بارة. وبعض القروش التركية مثل خمسة قروش، وبعض القروش المصرية والتي تعود إلى عهد السلطنة المصرية من فئة القرشين، وفئة الخمسة قروش، وفئة العشرة قروش، وفئة العشرين قرشًا.

وبعد أن تمكن الملك عبدالعزيز من توحيد الحجاز مع نجد سنة 1343هـ (1925م) أقر التعامل بالريال الفرانسي والنقود العثمانية وغيرها من النقود الأجنبية التي كان الشريف حسين بن علي قد منع تداولها خلال فترة حكمه، وكإجراء وقائي قام الملك عبدالعزيز بدمغ تلك النقود بكلمة (الحجاز)، ولعل أندر تلك النقود المدموغة وحدة النقد البريطاني المعروف بالبيني البرونزي (Bronze Penny) المسكوك في عهد الإمبراطور جورج الخامس، (بريطانيا العظمى).

على الرغم من هذه الخطوة التي سمحت بتدفق النقود الأجنبية إلا أن حاجة السوق المحلية كانت تتطلب كميات أكبر من النقود، الأمر الذي دفع الملك عبدالعزيز إلى سك نقود تفي بحاجة السوق. فجرى سك كميات كبيرة من النقود النحاسية من فئة نصف القرش، وفئة ربع القرش. نقش على وجهها اسم الملك عبدالعزيز كاملًا (عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود) على هيئة طغراء أو بالخط الطغرائي، وتاريخ سكها سنة (1343هـ) أما ظهر الفئتين فقد نقش عليها القيمة النقدية لكل منهما، ومكان السك وهو أم القرى. وبذلك يعد هذا الإصدار بفئتيه (نصف قرش، وربع قرش) أول الإصدارات السعودية النقدية، بل إنه نقد قانوني جرى التعامل به وفقًا للأوامر الصادرة آنذاك وما نقش عليه من عبارات لا تختلف في مضمونها عن أي نقد آخر.

ونظرًا لحاجة السوق إلى كميات إضافية من هذه النقود أمر الملك عبدالعزيز في السنة نفسها بسك كمية أخرى جاءت على غرار طراز القطع السابقة مع بعض الاختلاف في طريقة نقش اسم الملك، حيث ورد على النحو التالي: (عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل). ومع بداية سنة 1344هـ (1926م) أمر الملك عبدالعزيز بسك كمية أخرى من فئة نصف القرش فقط.

Facebook Comments
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: