ٌإسلاميات

فضيلة الصدق في الإسلام

فضيلة الصدق في الإسلام

بقلم دكتور.طارق عتريس أبوحطب

الإسلام رسالة عالمية التوجيه،فهو دعوة شمولية،و منحة إلهية ،جاء بكتاب شامل لكل ما يحتاجه النفس

البشرية في عاجل أحوالها،و آجله، وقد وردت الآياتُ الكثيرة الدالة على هذا الشمول؛ فيقول الله تعالى في

سورةالانعام ٣٨: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}، ذكر القرطبي في ” الجامع لأحكام القرآن “:”أي: ما تركنا

شيئًا من أمر الدِّين إلا وقد دلَلْنا عليه في القرآن، إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مجملة يتلقى بيانها من الرسولِ

صلى الله عليه وسلم أو من الإجماع أو من القياس الذي ثبَت بالنص”، كما يصرح جل في علاه: في سورةالنحل ٨٩

{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} قال ابن مسعود رضي الله عنه:

“قد بُيِّن لنا في هذا القرآن كلُّ علم وكل شيء”، وقال مجاهد: “كل حلال وحرام”، قال ابن كثير رحمه الله تعالى:

“وقولُ ابن مسعود أعمُّ وأشمل؛ فإن القرآنَ اشتمل على كلِّ علم نافع؛ مِن خبرِ ما سبق، وعلمِ ما سيأتي،

وحُكْمِ كل حلال وحرام، وما الناس إليه محتاجون في أمر دنياهم ودينهم، ومعاشهم ومعادهم”. وكيف لا يكون

القرآنُ شاملاً كاملاً وقد أنزله الله تعالى لخلقه منهجَ حياة، فلا بد أن يحتويَ كل ما يتعلَّق بأمورهم الدنيوية

والأخروية؛ فقد أكمل اللهُ به الدِّين، وأتم به النعمةَ، كما قال تعالى في سورةالمائدة ٣: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ

وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}.

ومن أهم ما تضمَّنه،و شمله هذا الكتابُ المعجز” جانبُ الأخلاق “، التي بها نهضةُ الأفراد والأمم؛ فما تقدمت

الدول ونهضت إلا بأخلاقِها، و قد أحسن أمير الشعراء- شوقي- حين قال:

إنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيت

فإن همُوا ذهَبت أخلاقُهم ذهَبوا

وكيف لا يضم القرآنُ الكريم بين طياته جانبَ الأخلاق واللهُ تعالى يقول في سورةالأنبياء ١٠ : {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ

كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ}، أي: شرفُكم وعزُّكم ومجدكم؟، ولا يُتصوَّرُ عزٌّ ورفعةٌ وذِكر بلا أخلاق.فربنا يقول في سورةالإسراء ٩

: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}، أي: “أعدل وأعلى في العقائد والأعمال والأخلاق”، وروى الإمام

البخاري، و أحمد، و الحاكم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما بُعِثْتُ لأتممَ صالح الأخلاق» وفي

رواية: مكارم الأخلاق .

ومن أعظم الأخلاق التي ناقشها القرآن العظيم ” الصدق”، هذا الخُلق الكريم الذي قل أن يتصف به إنسان إلا وقد

حسُنتْ أخلاقُه؛ فهو من الصفات التي تقوم عليها كثيرٌ من الأخلاق.ذكر صاحب”مدارج السالكين بينمنازلإياك نعبد

و إياك نستعين ” الإمام ابن القيم عن منزلة الصدق: “وهي منزلةُ القوم الأعظم، الذي منه تنشأ جميع منازل

السالكين، والطريق الأقوم، مَن لم يسِرْ عليه، فهو من المنقطعين الهالكين، وبه تميَّز أهل النفاق من أهل

الإيمان، وسكانُ الجنان من أهل النيران، وهو سيف اللهِ في أرضه، الذي ما وُضِع على شيء إلا قطعه، ولا واجَه

باطلاً إلا أرداه وصرَعه، مَن صال به لم تردَّ صولتُه، ومن نطق به علَت على الخصوم كلمتُه؛ فهو روح الأعمال،

ومحكُّ الأحوال، والحامل على اقتحام الأهوال، والباب الذي دخَل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال، وهو أساس

بناء الدِّين، وعمود فسطاط اليقين، ودرجة تاليةٌ لدرجة النبوة التي هي أرفعُ درجات العالمين”.

وقد تحدَّث القرآنُ العظيم عن موضوع الصدق بأساليبَ عدة، وعالجه من جوانبَ شتى، وما ذلك إلا لأهميته.

وبتتبع آيات القرآن الواردة في هذا الموضوع، نستخلص0ما يلي:

١

– الصدق صفة من صفات الله تعالى: قال تعالى في سورةآل عمران ٩٥: {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا

وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، وقال جل شأنه في سورةالنساء ١٢٢: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا}، وقال جل ذكره في

سورة النساء ٨٧: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا}، يقول

الطبري في “جامع البيان في تأويل آي القرآن”: “{وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} يعني بذلك: واعلموا حقيقةَ ما

أُخبِرُكم من الخبر؛ فإني جامعُكم إلى يوم القيامة للجزاء والعرض والحساب والثواب والعقاب يقينًا، فلا تشكُّوا في

صحته ولا تمتَرُوا في حقيقته؛ فإن قولي الصدقُ الذي لا كذبَ فيه، ووعدي الصدقُ الذي لا خُلْفَ له، وأيُّ ناطق

أصدقُ من الله تعالى حديثًا؟ وذلك أن الكاذب إنما يكذبُ ليجتلب بكذبه إلى نفسه نفعًا أو يدفعَ به عنها ضرًّا، والله

تعالى ذكره خالق الضرِّ والنفع، فغير جائزٍ أن يكون منه كذبٌ… ” ، ومن الآيات في ذلك: قوله تعالى في سورة

الأنعام ١٤٦: {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}، وقوله جل شأنه فيسورةآل عمران ١٥٢: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ

بِإِذْنِهِ}، و في سورة الأحزاب ٢٢:(وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ

وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا)، و في سورة الزمر ٧٤حكاية عن أهل الجنة: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ

وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}

٢

– خلقالصدق من أخلاق الرسل عليهم الصلاة والسلام، ومن أعظم صفاتهم، وكيف لا يتصفون بهذه الصفة وهم

المبلِّغون عن الله وحيَه، والمرسَلون بشرعه إلى خَلقِه؟ فلزم أن يكون الصدق ملازمًا لهم في الأفعال والأقوال..

وهذا ما حكاه الله تعالى عنهم في عدة آيات من القرآن الكريم؛ كقوله جل جلاله في سورة مريم ٤١: {وَاذْكُرْ فِي

الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا}، و في الآية ٥٤: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا

نَبِيًّا}، وفي نفس السورة ٥٦ و ٥٧: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا . وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا}، وقال عز

من قائل فيسورةيوسف ٤٦: {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ

سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ}، ووصَفه بالصدق بعدها فقال في الآية ٥١:

{قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} وفي سورةالصافات ٣٧ يقول

تعالى عن رسوله الكريم محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم: {بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ }، “أي: صدَّق مَن

كان قبله من المرسلين ؛ فإرساله صلى الله عليه وسلم لهو أصدق دليل على صدق الرسلِ فيما أخبَروا به.

ولعظم شأن الصدق؛ فقد أمر الله تعالى خاتَم النبيين وأفضل المرسلين أن يدعوَ بهذا الدعاء الجامع في سورة

الإسراء ٨٠: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا}، وقد كان

صلى الله عليه وسلم قمة في الصدق، بشهادة الذي يعلم السرَّ وأخفى، قال تعالى في سورة النجم٣و٤: {وَمَا

يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}، فزكَّاه في قِيله، بل زكاه في كل شيء فقال فيسورةالقلم ٤: {وَإِنَّكَ

لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}، يقول القاضي عياض في” الشفا بتعريف حقوق المصطفى”: “وأما أقوالُه صلى الله عليه

وسلم فقامت الدلائلُ الواضحة بصحة المعجزة على صدقِه، وأجمعت الأمة فيما كان طريقه البلاغ أنه معصومٌ فيه

من الإخبار عن شيء منها بخلاف ما هو به، لا قصدًا ولا عمدًا، ولا سهوًا ولا غلطًا، ومن الأحاديث في صدقه صلى

الله عليه وسلم وبُغضه للكذب ما أخرجه أحمدو البيهقي من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: “كان

أبغضَ الخُلق إليه الكذبُ”، و أخرج أحمد في مسنده، و الحاكم في مستدركه، عن عائشة رضي الله عنها قالت:

“كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا اطلع على أحدٍ من أهل بيته كذب كذبةً، لم يزل معرضًا عنه حتى يُحدِثَ

توبة”، ورد في المشكاة وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «إني لأمزَحُ ولا

أقول إلا حقًّا»، و أخرج أحمد و أبو داود و غيرهما بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: “كنت

أكتُبُ كل شيء أسمَعُه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظَه، فنهَتْني قريش، وقالوا: “أتكتب كل

شيء ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم بشرٌ يتكلَّم في الغضبِ والرِّضا؟”! فأمسكتُ عن الكتاب، فذكرتُ ذلك

لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بأصبعِه إلى فِيه فقال: «اكتُب؛ فو الذي نفسي بيده، ما يخرُج منه إلا حقٌّ».

وإنناليجب أن نجتهد في التحلي بخلق الصدق،كما تخلق به المرسلون ؛ فلنا فيهم أسوةٌ وقدوة، وعلى رأسهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه ربه في سورةالأحزاب٢١: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} .

٣- الصدق من صفات عباد الله المؤمنين: وصَف الله تعالى عباده المؤمنين بصفات عديدة، وخصالٍ حميدة، مِن

أعظمِها: صفة الصدق؛ قال تعالى في سورةالأحزاب٢٣ و ٢٤: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ

فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا . لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ

أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا}، وقال عز وجل واصفا عباده المؤمنين ف يسورة الحجرات ١٥: {إِنَّمَا

الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} .

٤

يعتبر- القرآن الكريم الصدق جامعا لكل صفات البر، و فضائل الخير يقول تعالى في سورةالبقرة ١٧٧: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ

تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ

عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ

وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ

الْمُتَّقُونَ}،فإن المتصفين بما ذُكِر مِن العقائد الحسنة، والأعمال التي هي آثارُ الإيمان وبرهانُه ونوره، والأخلاق

التي هي جمالُ الإنسان وحقيقتُه الإنسانية، فأولئك {الَّذِينَ صَدَقُوا} في إيمانِهم؛ لأن أعمالَهم صدَّقت إيمانَهم،

وهذا بيان صريحٌ في أن الصدق، هو مقامُ الإسلام والإيمان .

٥

– لقد أمرُ الله بالصِّدق ورغب فيه، و حثت الكثير من آيات القرآن الكريم عليه، منها على سبيل المثال لا الحصر:

قوله تعالى فيسورة التوبة ١١٩: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}،ذكر الألوسي في ” روح

المعاني”: “وفي الآية ما لا يخفى من مدحِ الصدق”.

والصادقون هم المعتصمون بالصدق والإخلاص في جهادهم إذا جاهدوا، وفي عهودِهم إذا عاهدوا، وفي أقوالهم

ووعودِهم إذا حدَّثوا ووعَدوا، وفي توبتِهم إذا أذنبوا أو قصَّروا…، والأحاديث في فضيلة الصدق، ورذيلة الكذبِ وكونها

من صفات المنافقين متعددة، فقد وردفي روايات عديدة: أن المؤمن قد يُطبَع على كل خُلق، إلا الكذبَ والخيانة،

وإنه لا رخصةَ في الكذب إلا لضرورة من خديعة حرب، أو إصلاح بين اثنين، أو رجل يحدِّث امرأته ليرضيها.. “، كما

أخرج أحمدو الترمذي من حديث أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا

يصلح الكذبُ إلا في ثلاث: الرجل مع امرأتِه لترضى عنه، أو كذب في الحرب؛ فإن الحربَ خَدعةٌ، أو كذب في إصلاح

بين متخاصمين،ولكن هذه الروايةَ تقيَّد بحديث: «إن في المعاريض لمندوحةً عن الكذب» أخرجه البخاريُّ في

الأدب). ومن الآيات المرغِّبة في التحلي بالصدق قولُه جل ذكره في سورة محمد٢١: {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا

عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ}.

٦- لقد قسم القرآن الناسَ إلى صادق ومنافق: قال تعالى فيسورةالأحزاب٢٤: {لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ

وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ}، فدلت الآيةُ على أن الناس صنفان: صادقون ومنافقون؛ وذلك لأن

الإيمان أساسه الصدقُ، والنفاق أساسه الكذبُ، فلا يجتمع كذبٌ وإيمان إلا وأحدُهما محارِبٌ للآخر.

٧

– عِظَم الله جزاء أهل الصدق ووعَدالصادقين بأعظم الجزاء، وأفضل الثواب؛ وما ذلك إلا لعِظَم هذه الخَصلة التي تحلَّوْا بها، والصفة التي اتصَفوا بها، بل إن اللهَ جعَل مرتبة الصِّديقين بعد مرتبة النبيين، وجعَلهم من المنعَم عليهم

الذين وعَد اللهُ أهلَ طاعتِه وطاعةِ رسوله برفقتِهم في الجنة؛ فقال تعالى فيسورةالنساء٦٩: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ

وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}،

والصِّدِّيقون هم الذين كمُل تصديقُهم بما جاءت به الرسلُ، فعلِموا الحقَّ وصدَّقوه بيقينهم وبالقيام به؛ قولاً وعملاً

وحالاً ودعوةً إلى الله. { وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} بالاجتماع بهم في جنات النعيمِ، والأنس بقربِهم في جوارِ رب

العالمين، وقال عز وجل في آخر سورة المائدة ١١
٩

: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رضي الله عنهم

وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}، فأخبَر الله تعالى في هذه الآية أنه لا ينفَعُ يوم القيامة إلا الصدقُ؛ فوحده الصدق

هو الذي ينفع في ذلك اليوم العظيم، الذي يشيبُ مِن هولِه الولدانُ، وتضع كلُّ ذات حملٍ حملها، وترى الناس

سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذابَ الله شديد، ففي ذلك اليوم الشديد، لا ينفع إلا الصدقُ: الصدق في

الاعتقاد والأقوال، والأفعال والأحوال، فالصدقُ في هذه الثلاثة، الصدق في الأقوال: استواء اللسان على الأقوال

كاستواء السُّنبلة على ساقِها، والصدق في الأعمال: استواء الأفعال على الأمر والمتابعة كاستواء الرأس على

الجسد، والصدق في الأحوال: استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص، واستفراغ الوُسْعِ وبَذْل الطاقة،

وبحسَب كمال هذه الأمور فيه وقيامها به تكون صِدِّيقيَّتُه؛ ولذلك كان لأبي بكر الصِّديق رضي الله عنه وأرضاه ذروة

سَنامِ الصِّدِّيقيَّة، سُمي الصديق على الإطلاق، والصِّديق أبلغُ من الصَّدوق، والصَّدوق أبلغ من الصادق، قال تعالى

فيسورةالزمر ٣٣ و ٣٤: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ . لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ

الْمُحْسِنِينَ}، وقال جل وعلا في سورةآل عمران من ١٥ إلى ١٧: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ

رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ . الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا

إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ . الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ}، وقال

جل شأنه في الأحزاب ٣٥: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَ

الصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ

فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} والنكرة في سياق الإثبات

تأتي للتعظيم، فلا تسأَلْ عن عِظَم هذا الأجر الذي أعده اللهُ لهؤلاء، ومنهم الصادقون،وأخرجالبخاري ومسلم عن

عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «إن الصدقَ يهدي إلى البر، والبر يهدي

إلى الجنة، وإن الرجلَ لَيصدُقُ حتى يُكتَب عند الله صدِّيقًا، وإن الكذبَ يهدي إلى الفجور، وإن الفجورَ يهدي إلى

النار، وإن الرجل لَيكذِبُ حتى يُكتَبَ عند الله كذابًا» .

و ما أجمل قول الشاعر:

عود لسانك قول الصدق تحظ به

إن اللسان لما عودت معتادفضيلة الصدق في الإسلام

https://www.sadaelomma.com

https://twitter.com/sadaaluma

Facebook Comments
الوسوم

Yehia Khalifa

اللهمـےآني آستودعكـ آيآم مضت من عمري بآن تغفرهآ ليےوترحمني وتعفو عنيـےوآن تبآركـ ليـےفي آيآمي القادمه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: