عربىمقالات الرأى

قصة قصيرة..لحظات الوداع الأخيرة

قصة قصيرة..لحظات الوداع الأخيرة…

.بقلم.أ._أيمن حسين السعيد..الجمهورية العربية السورية.

تأنق جيدا رغم أنه كان ذولحية كثيفة وشعر طويل، فلبس بدلة السموكينغ الرماديةالفاخرة ولف ربطة عنق فضية نمساوية أهدته إياها إحدى صديقاته الأوروبيات في الماضي، ماقبل زواجه فهي من الحرير الخالص الطبيعي، و مناسبة جدا لقميص الموف المائل إلى اللون الأزرق بشكل خفيف واضعا زريه الفضيين على كميه الكبك ، ورش العطر الباريسي المركب على ذوقه من عدة روائح شتوية حصرا خاصة بشهر نوفمبر، وأخرج حذاء الجلد الفضي من خزانة الأحذية..فمسحه..ببوليش شفاف لامع..ثم اخرج زوجا من دستة جوارب قديمة جديدة له من خزانته في غرفة النوم فلبسهما..وحشر قدميه في حذائه النظيف اللامع..فلامشكلة في أن يدوس به سجاد البيت والموكيت.

 فاليوم عرس ابنته البكر، الذي رفض عرض أمها بأن يقام في منزل أهلها بسبب طلاقه لها، فهذا ليس من العادات والتقاليد المناسبة حسب العرف المتبع لديهم في قريتهم.

إذ أن العرف يقتضي أن تخرج البنت في ليلة زواجها من بيت أبويها أو أهلها ،أما في حالة كحالته منفصل عن أمها..فقد رفض عرض خطيب ابنته بشكل قاطع أن تخرج ابنته من بيت أهل زوجته، فهو الأساس وهو الأب، ويعتبر نفسه مسؤولا عنها وعن أولاده جميعا ،وعليه واجب القيام بدوره كأب رغم انفصاله عن أمهم ،وسيبقى يؤدي رسالته وواجبه تجاههم حتى آخر نفس في حياته.

هكذا كانت قناعته وستبقى وهو تعود على العطاء دااائما فكيف تتزوج ابنته وتخرج من منزل غير منزل والدها أيعقل هذا…مستحيل لن يكون هذا الأمر،وإن كان فعلى جثته، وهذا ماقاله لابنته وخطيبها مرارا عبر تواصله معه في بيته أو عبر الهاتف.

ولكن إلحاح زوجته السابقة على هذا الأمر وبالضغط على صهرها ،جعله يلح ويكرر طلبهامنه ،مماجعله يستشيط غضبا منه، وهدده بأنه لن يحصل عرس أبدا في حال رضخ لمطالب حماته، وسيوجه إخوته في القرية وأعمام ابنته نحو إفشال الزواج في حال تم في منزل أهل زوجته السابقة ،وابنته ستخرج من بيته معززة مكرمة في المدينة والذي عاشت فيه وبكنفه، وحولها هو و أعمامها جميعهم فأي عز لها في خروجها من بيت أهل زوجته والناس محتقرة إياهم وهم أصلا ليسوا بأهل واجب ولا يليق العز بهم ولا يستحقونه حسب زعمه.

رضخ قائلا له:

-مثلما تريد ياعم. ورضخ الجميع لشروطه وكان له ما أراد.

كان قبل يومين قد استدعى خادمة قامت بتنظيف البيت على خير مايرام، ماعدا غرفة المكتب والمكتبة متقصدا ذلك، خشية أن تخرب وتخلط الأوراق والكتب على غير مايحب، ولكنه مباشرة بعدما دفع لها أجرتها شاكرا إياها،شمر عن ساعديه وقام هو بتنظيفها وترتيبها،ووضع على منتصف الطاولة صورة للعائلة كلها ،وهم فيها أمامه وحوله وعن يمينه وشماله وأتى بأطر جميلة كان قد اشتراها سابقا وأخرج صور عرسه وليلة دخلته..على زوجته السابقة واضعا الحميمي منها في أطر مذهبة،ورتبها بوضعها في كل الغرف، وبعثر الصور التي تجمعه بها واولاده في مختلف الأعمار والأزمنة والأمكنة على طاولة المكتب متقصدا هذا العمل الذي يود فيه معرفة رد فعلها فهي اليوم ستحضر إلى البيت، الذي عاشت فيه معه وأولاده، واليوم عرس ابنتهم، وكم كان يود أن يسلم ابنته بليلة عرسها ،الذي صادف تزامنه مع تخرجها من كلية الصيدلة الجامعية، إلى زوجها وهما ليسا منفصلين، ولكن الأقدار هكذا شأءت أن يطلقها قبل زواج ابنته بشهرين، فشوقه لها كان عارما ،وربما لانه أصيل ولازال مقدرا محبته وعشرته لها،وهو سيراها نعم سيراها،وأول شيء سيفعله هو سرقة قبلة من خديها وإن أمكن من شفتيها بل وسيقرصها..حتى لو كان الجميع حولها… لا ليس مناسبا أمام أهل صهره وأخواته ..وإخوته

-لا هذا جنون وقلة حياء..ولكن لابأس إن كان منفردا بها…

هكذا كان يحدث نفسه …عليه الآن أن ينزل السوق بسيارته ويجلب بعض الشيكولاته الفاخرة و وجبات الطعام الجاهزةو المشروبات والفاكهة..قبل وصول ابنته وزوجته السابقة وأخوات صهره. فهو يعرف روتين زوجته فحتما لم تتناول وابنته الفطور،وأمسك بقبضة الباب يريد الخروج ولكنه استدار إلى المرآة المقابلة للباب ونظر لنفسه نظرة أخيرة..مسويا ربطة عنقه ومرتبا دبوس مثبتها الذهبي بالقميص جيدا.

نزل بدرج البناية وإذ بجارته الأرملة التي نظرت إليه بنظرات مندهشة ،فهي لم تتعود أناقته منذ انفصاله عن زوجته وطلاقه لزوجته الأخرى الذي لم يعمر فيه سوى شهر واحد لاكتشافه بها عاهة وأمرا عاهد نفسه أن لا يذكره لأحد،فارتسمت ابتسامة لاحت في عينيها وعلى وجهها من غير ان تظهر ضواحكها.

كان مفعما ومتأججا بالنشاط وكان بينما يمر بجانبها في بهو الدرج الضيق، يفكر بضرب مقعدتها المكورة الملفتة للنظر، ولكن دااائما الخوف كان ينتابه، فالاحكام.هنا..تحت حكم مايسمى الفصائل الإسلامية،تتراوح مابين الجلد،وقطع الرقبة..عدا عن الفضيحة،فعدل عن فكرته..مكتفيا بنظرة مفترسة جعلتها تضع ناظريها خجلا بالأرض وهي تعض شفتيها.

لم يتأخر كثيرا بجولته في السوق حتى عاد،وأنزل الأغراض من السيارة وطلب من ابن الجيران الذي كان أمام بوابة البناية مساعدته.

وضع جميع الأغراض في المطبخ وأنقد الصغير شاكرا إياه، وطلب منه أن يوصل سلامه لوالده..وخلع سترته واضعا إياها على أحد كراسي طاولة المطبخ مشمرا عن كميه، وأمسك بإبريق الشاي الكبير وملأه بالماء وبعض حبات الهيل واضعا إياه على البوتجاز…سيحضر القهوة العربية المرة وذلك من أجل إخوته الذين سيحضرون تسليم ابنته إلى العريس وأهله.وهو ينظر الى الساعة الالكترونية المعلقة والتي كانت قد قاربت الثانية والنصف بعد الظهر ولم يبق الكثير لوصولهم…من عند الكوافيرة.حسبما أخبرته ابنته باتصالها الهاتفي معه.

فبدلة عرسها الجديدة. قد جاء بها صهره منذ الصباح.

موجودة في غرفتها.التي سيتم تجهيزها فيها وحقائبها الخاصة بينما جهازها..الخاص بأهلها.من عنده الذي احتوى على أغراض كثيرة تليق بمحبته وتقديره لها..وكقيمة لها في كسر عين أهل زوجها، بسماحه لابنته باخذ ماتحب وتريد.من البيت…

فقد تم نقله البارحة بواسطة خطيب ابنته والذي استغرق منه نصف اليوم..رغم وجود سيارة واحدة.

يرن جرس البيت….يفتح الباب يفاجأ بوجه حماته الحاقدة البغيضة، والتي أصبح عمرها مايقارب الخمس وسبعون سنة ولا زالت تستخدم الكحل وكافة مستلزمات طراوة بشرتها..فهي في خوف دااائم من أن يراها الناس بوجه مترهل..ولكن قلبها مفعم بالحقد والكره لكل الناس، رغم أنها لا زالت تفتكر نفسها تعيش في مرحلة الطفولة والصبا،وبغضها وحقدها كنزق طفل صغير..لايغير في الأمر شيئا بالنسبة له لأنه يفهمها ويعرفها.ويفهم نفسيتها المدللة..فقلبها أسود

مفعم بالحقد والكره حتى لزوجها ولا يعجبها العجب ولا الصيام في رجب وتعتبر نفسها شيئا عظيما…كامبراطورة ولكنها محتقرة من معظم من حولها من أقاربها وجيرانها، وحتى من زوجها و أولادها فقد كانت آخر اهتمامهم ويرضونها بكلام منافق معسول..حتى يتخلصون من كلامها وطلباتها،فإذا ماطلبت منهم مالا لحاجتها..كان الجميع يتبرم بحجة أنها ستعطي ذلك المال لابنتها الأخرى المتزوجة من قريبها الذي اختلف معهم على أمور تتعلق بالإرث والميراث، وكان أولادها يتقيدون بأمر أبيهم في عدم اعطاء أمهم قرشا واحدا كي لاتعطيه لنسيبها وقريبها..وبينماهو الوحيد من أنسبائها الذي لاصلة قرابة تجمعه بها، وكان يحترمها ويكرمها أكثرمن الجميع،مغدقا عليهابكرمه وبكلامه اللطيف ،ومنبها زوجته وأولاده إلى ارضائها ،والاهتمام والعناية بها،بل ويحتفي بها كلما زارتهم في بيته، ولم يرفض لها طلبا طوال عمر زواجه من ابنتها،واليوم تقابله الجاحدة بهذا الوجه الذي ينقط حقدا وسما.

وكان من خلفها ابنته مغطاة بوشاح أسود مرتفع ومتطاول إلى أعلى بحكم تسريحة الشعر التي صففتها عند الكوافيرة وبجانبها حماتها ومن غير أن تسلم عليه تقول حماته السابقة:

-نريدك أن تخرج من البيت ريثما نجهز البنت .

-حسنا تفضلوا ريثما أحضر القهوة العربية المرة الخاصة بالضيوف.

وصافحته ابنته مقبلة يده ورأسه، بينما هو ينظر إلى عيني ووجه زوجته السابقة الأولى، الذي علته ابتسامة باهتة فيها الخوف والاستنكار واللامبالاة فليست غريبة نظراتها وهو الذي ماتعود منها خلال حياته معها سوى التصنع والجحود.ومبادلته البرود كلما تأجج في حبه لها.

وقالت وهي تطأ بقدميهامنزلا احتضنهاوجدرانه وأحضانه فيه: السلام عليكم..بصوت خفيض يدل على خزيها.

لأول مرة يرى وجهها، وكأنه مطلي بشحوار أسود لقد تغيرت سحنتها ،فقد كان وجهها متألقا أيام كانت زوجته، أما اليوم فهو يرى وجهها وكأن الشيطان قد دهنه بشحوار الإثم والشر والخزي..حقيقة هكذا رآها ،وهل تعرف أصلا وأمها إلا الحقد والنكران والجحود وأما

السلام وحقيقته وصفاته فبعيدةكل البعد عنها،فهو لم يعرف وداعة السلام معها أبدا طوال فترة زواجه ،لأنانيتهاوحقدها،بل السلام بريء منها هكذا كانت نفسه تحدثه بينما رد بنبرة جافة:

-وعليكم السلام أهلا وسهلا تفضلوا.

وسحب ابنته من يدها باتجاه المطبخ قائلا لها:

-ابنتي..أكييد لم تتناولي فطورك بعد…هذه بعض وجبات الطعام وتكفي لك ولأمك ومن معك والباقي لأعمامك..ولاتنس الفواكه والمشروبات..والشيكولاته فقد جلبت لك ولأمك منها دستة ألواح السادة التي تحبونها.

-شكرا بابا يعطيك العافية الله يديمك على رأسنا.

وضعت ابنته بعض الوجبات في صينية كبيرة وحملتها إلى غرفتها حيث جلسوا جميعهم وهي تقول:

-بابا وكأنك تعرف أننا جائعون.

-شيء طبيعي بابا بالنسبة للوضع والظرف.

لمح زوجته عبر الممر وهي تجول على الغرف، تحرك من المطبخ، وسارع إليها.

-كيف الحال وقام بقرصها من الخلف مباغتا إياها

فصرخت…-آآآخ..

وإذا بحماته تخرج من غرفة ابنته سائلة إياها .

-مابك..

-لا شيء أمي لاشيء .

ونظرت إليه في استنكار مع ابتسامة باهتة.

وبقيت حماته حولهم وكأنها تحرسهم،فعاد إلى المطبخ فرائحة الهيل بدأت تفوح في أرجاء البيت..

وأنزل الإبريق ووضع البن العربي المطحون الخاص بالقهوة المرة، وأعاد وضعه على البوتجاز على نار هادئة وهو يحركها بالملعقة..كي تأخذ طعما طيبا بذوبان البن فيه بشكل نهائي بعملية تحريكه بالملعقة،أثناء الغلي فيتعقد تماما بالمياه المهيلة كما تعقدت وعبقت رااائحتها الذكية بأرجاء البيت التي ذكرته بالأيام الخوالي عندما كان يضج البيت بحبه لها ولأولاده وهم حوله ولم يتبق من أثر كل ذلك إلا رائحة ذكراهم بعدما هاجروا إلى أوروبا بسبب الحرب، وهي حوله ولكنها ليست زوجته وتعاملها معه كأنه غريب عنها وكأنه لم يكن بينهم من العشرةسوية خمس وعشرون سنة وخمسة أولاد واليوم زواج ابنتهم البكر…فأي قلب من الصوان كان بين يديه يقتدحه وبخل عليه حتى بشرارة حب واحدة منها.

 تابع غلي القهوة العربية،و أطفأ البوتجاز فلف الإبريق تماما مغطيا إياه.. بمنشفة نظيفة كي تتخمر وتتعتق القهوة..حسب عادة درج عليها وأهله ،ووزع الشيكولاته وجوز الهند في زورقين خاصين بهما من الكريستال والفاكهة في زوارق خزفية ذهبية مكسيكية وصحونا وسكاكين خاصة على صينيتين نحاسيتين ،والمشروبات وضعها بعلبها كما هي..في صينيتين من الستانلس مع شراقاتها.

وبينما هو كذلك لمحها عبر الممر من باب المطبخ وبيديها أطر الصور وحقيبة بلاستيكية تضعها فيها، كانت تلملم جميع صورها معه..ولكن..أمعقول الذي رأه..لما عينيها مغرورقتان بالدموع…ووجهها أصبح كتفاحة حمراء اللون..يترك مابيده..

ويتجه نحوها.

-لست أول وآخر من طلق طلاقا..ثالثا..عودي..كثير من المشايخ يعيدونك.. لي ويعقدون كتابنا.

-لا يجوز…القرآن واضح وصريح لكل مكان وزمان.

-ولكن نيتي القلبية لم تكن طلاقك.

-طلقتني والجميع سمعك وأنت تنطق بها.

-بسبب أخاك المعتوه الأحمق،فما كنت أريد منه إلا كلمة طيبة يساندني فيها، لتصرفك الخاطيء معي..وذهابك دون إذني وعلمي.

-الذي انكسر..انكسر..والذي..جرى هو خير من الله.

-أي خير..أي خير

-اطلب من الله الخير …الله يعزك.

ماحصل لم يكن إلا حصيلة الحقد الذي سقاه والدك ﻹخوتك وأمك..تجاه عائلتي..التي…لم تفعل لكم شيئا أبدا..لا سامحكم الله…جميعا..فما قدمت لكم إلا الود والحب والإحترام وما بادلتموني إلا الحقد والحسد والبغض.

-سامحني…أنا أسامحك.

-أسامحك…كيف…وأنا…ما قدمت لك إلا الحب وما قدمت لك إلا الرعاية والحنان والإهتمام…تذكري أنت ماذا قدمت لي..والله..أمرك…وأوصى الزوجات بأزواجهن بأن يكن سكن لهم فهل كنت…سكنا..لي..

-أنا كان جل همي أولادي.

-بل نفسك…وتربيتك لأولادك…كانت موجهة بأمر والدك الحاقد بأن لا يميلوا..صوب أهلي وعشيرتي..الله يحرق نفسه في الدنيا والآخرة.

-أنا ضحيت من أجل أولادي.

-من تعبي ورزقي…وأنكرت فضلي واستخسرت مجرد الحب والإهتمام بي..أمر واحد فقط..لن أسامحك..فيه وأهلك..إذا كان حقدكم كالطوفان لي ولأهلي ولعشيرتي فلما ارتبطت بي…الله يفتح بيني وبينكم بالحق…فأنتم أناس حاقدون مبغضون لا تحبون..أحد…فقط..الناس تجعلونها مطية لتحقيق أهدافكم ومآربكم…ولكن الحق ليس عليك بل على المنافق الحاقد…والدك..الذي رعيته لمدة سنتين كأب لي بينما أولاده تركوه…خوفا…على حياتهم..بسبب الحرب وماذا كانت النتيجة بل ماذا كان المقابل من خدمتي وإكرامي ورعايتي وتقديري وعطائي لك ولأهلك…طوال خمس وعشرين سنة النكران والجحود..وتسألون لما يكرهكم الناس لأنه لا ماء في وجوهكم.

-تزوج..مرة ثالثة…

– لما لا تتزوجين أنت…وإن وجدت نفسك سعيدة مع من تتزوجينه…فربي يسر…وإن لم تجد السعادة معه سأكون بانتظارك.

-بعد هذه الكبرة جبة حمراء

-أهو عيب أم حرام…الشرع شرع لا يميز بين صغير وكبير..

-الله يكتب الخير….لي ولك.

-آمين…لما تهربين مني…أليست ابنتك..تعالي إلى المطبخ وقومي بمساعدتي…بتوزيع الضيافة ووضعها في الصالون للنساء وفي غرفة الضيوف للرجال.

-ريثما أنتهي من تجهيز البنت..تكرم عينك..

-حسنا…يبقى بيننا عشرة عمر وأولاد….وأنا لا أنكر هذا الأمر وأنا مقدر له تماما..وحاول..الإمساك..بيدها..فسحبتها ولكن دموعها …السوداء الممتزجة بلون الكحل راحت. تمسهحا بمنديلها. وهي تدخل غرفة ابنتهم.

يرن جرس البيت…فيفتح الباب وإذ بأخوات العريس وعماته..

وبناتهن…فيطلب منها…أن تستقبلهم…بينما يعود للمطبخ لإكمال تجهيز أمر الضيافة والقهوة.

بعد مجيء أقارب العريس من النسوة عرف أن موعد خروج ابنته،إلى بيت أهل العريس حيث سيحتفل أهله بعرسه قد اقترب، وانشغل بتأخر إخوته، نزع المنشفة عن إبريق القهوة وصبها في دلتين نحاسيتين،

ونادى على زوجته السابقة…

-خذي هذه الدلة..والفناجين وعودي لتأخذي بقية الضيافة ووزعيها في الصالون بينما أنا اقوم بذلك في غرفة الضيوف حيث سيحضر الرجال.

وذاهبة آيبة…إلى المطبخ وهو يناولها..بقية الضيافة لم يكن يفكر في ان يحدثها بأي شيء..والصمت سيد الموقف بينهما لإنشغالها هي الأخرى وانهماكها…بينما زغاريد قريبات العريس..لم تكن عالية و كثيرة..بسبب وفاة أخت والد العريس وعمته..الذي لم يمض على على وفاتها قرابة الشهرين والوضع بشكل..عام..كان مأساويا..بسبب ظروف الحرب..

رن جرس البيت…وإذ بخمس من إخوته.. فأشرق وجهه بحضورهم طالبا منهم مساعدته..في توزيع الضيافة.

وانتهى الأمر على خير مايرام وأشعل سيجارة وهو يتناول القهوة المرة مرتاحا ومتنفسا الصعداء مع غصة أنه..لم يأخذ منها..جوابا في أمر عودتها له.

تناديه..باسمه..

-أريد..منك..علبتي..شيكلس..

-تكرمي

نزل درج البناية..إلى السمان المقابل لبنايتهم ، فتذكر ليلة دخلته عليها ، فهو من عادته مضغ الشيكلس والتطيب بالعطر…قبل أي قبلة حميمية بينهما..وذلك لعدم محبتها راااائحة دخان السجائر منه وكان مقدرا لهذا الأمر..اشترى علبتين…وبينما هو بباب البناية وإذا بأبواق سيارات كثيرة..يتناهى لسمعه..فعلم أنه موكب عريس ابنته…فأسرع وهو يصعد الدرج.إلى المنزل.مناديا..إياها…فأعطاها الشيكلس وأخبرها…بقدوم موكب العريس…

وأخذ مكانه…في غرفة الضيوف…مع إخوته…بعد أن فتح الباب على مصراعيه…لدخول الناس ومن أجل ألا يعيق خروج ابنته بسبب حجم بدلة زفافها..الكبيرة التي رآها…من غير انتباه منها وهو يعطي أمها ماطلبت منه سعيدا بابتسامتها وحزينا…لطلاقه أمها.

وماهي إلا بضع دقائق..حتى جاء العريس ومن معه..من أقاربه وإخوته..واستقبلهم وإخوته…في غرفة..الضيوف..وقام أحد إخوته..بصب القهوة المرة..وتمرير قطع الشيكولاته..المحشية..

للضيوف..لم يكن فكره..نقيا صافيا..ولم يفكر البتة..في أمر عرس وزواج ابنته البكر…فهذا شيء طبيعي..وسنة الحياة تقتضي هذا الأمر ماعكر مزاجه وعده أمرا غير طبيعي..هو أنه وأمها مطلقين..رغم محاولاته المتكررة لإعادتها..وبمساعدة صهره فمنذ شهرين ماضيين..وفي جلسة وسهرة سابقة..حاول والد صهره المريض بالسكر بإقناعها..بأنه يوجد فتوى لعقد قران جديد..وبما أنه كان قاضيا..شرعيا..لدى الدولةوهو متقاعد الآن ويبلغ من العمر حوالي الخمسة والسبعين سنة..شرح لها..وعلى كافة المذاهب..وأجاز لها العودة وعقد القران ثانية على المذهب الجعفري…فوافقت..شرط تنازله عن رزقه كاملا..وبقاء العصمة بيدها…فرد عليها القاضي بأن طلبها غير منطقي أبدا…

ومع ذلك..وافق على كتابة الرزق لها وحق الإنتفاع له مدى الحياة..مع رفض منه لبقاء العصمة بيدها…

وبعد جدال مع وقاحة..منها..وافقت شرط حضور أهلها..الذي لم تعتبر لهم أي قيمة واعتبار..عندما تزوجها رغم رفضهم له..وتزوجته رغما عنهم بل إنها أضربت عن الطعام وقتها..حتى تم لها ما أرادت..مالذي جرى..مالذي غيرها مالذي فعل..بحقها..علم فيما بعد زواجه منها منذ خمس وعشرين سنة..أنها أحبت كرمه..وعلم أيضا بشح وبخل أهلها وتعرضها لمهانات من قبل والدها وإخوتها..

الآن بفضل تضحياته..وبعدما ساعدها في دراستها في سنتها الأخيرة وتخرجت من كلية الحقوق وساعدها عبر نفوذه ومعارفه وقتذاك، في توظيفها ككاتبة عدل كانت أول كاتبة عدل في المحافظة كلها..وبعدعشرةبينهما دامت خمس وعشرون سنة من الدعم المعنوي والمادي..لها..وتحقيق ما أرادت حتى أن أحوالها باتت موضع حسد كل من حولها حتى إخوتها..وأخواتها..تنكرت لكل ذلك..عندما..انكسر ذراعه وقل عليه رزقه بسبب الحرب فما عاد باستطاعته استثمار أراضيه ومحله في المدينة ولم يتبق له إلا معاشه التقاعدي الذي لا يسعفه ويسد رمقه..بعد أن كلفته هجرة أولاده إلى أوروبا ما كان معه من مدخرات وعمل في أحد المعامل لتستطيع ابنته الكبرى إكمال دراستها الجامعية، أما الآن فلم تعد بحاجته فيعلو في وجهه بوقاحة..صوتها وبكل صلف نفشت ريش تكبرها.متهمة إياه بالتقصير لم يكن مستغربا منها ذلك الجحود فقد عرف جحود أهلها واخوتها قبلها فلم يقدروا ماصنع معهم في خوالي الأيام الماضية .وكانت هذه الحرب كاشفة لهم ولأختهم..الجاحدة الناكرة.لكل تضحياته لهاولهم،لم يكن غبيا مطلقا..فهو عرف أنها لم تكن تحبه وأنها تزوجته..لتتخلص من أهلها والوضع المقيت السيء لها ولتستفيد من طيبة قلبه مستغلة حبه لها لتحقيق مآربها وكان أول هدف انتقامي لها هو اثبات وجودها وعلو كعبها عندما أصبحت زوجته وذلك كله بسبب تربية والدها الحاقد بعدم اكتراثه بالبنات واحتقاره لهن ولأزواجهن وحبه للأولاد الذكور وزوجاتهم ، لأنه حسب زعمه أن ذرية البقاء وتخليد اسمه المحتقر من الناس سيكون عبر ذريته. وهي قرأت ذلك صدفة في مذكراته وذكر فيها كلماتها ودعاؤها ومسباتها على والدها..ولم يجد تلك الصفحات التي يصف أنفاسها ومشاعرها تجاهه وتجاه أهلها تماما معه ،ويصف برودها..لدرجة..راح..فكره يأخذه بعيدا رغم بغضه لتلك الأفكار..ومع ذلك ذهب إلى أهلها..وطلب منهم الحضور لعقد قرانها على يد شيخ أزهري، فكان ردهم بأنه لاعلاقة لهم فيما بينه وبينها وبالصدفة يرن هاتف أخيها وهو يرجوه حضوره لعقد القران ووالدها..وإذ بزوجته السابقة تطلب من أخيها عدم الحضور ووالدها وتسأله عن زوجها ..فيجيبها.أخوها بأنه إلى جانبه..فتسأله هل سمع كلامها..

فيرد.الزوج المطلق لها…بأعلى صوته..

-نعم سمعتك…يانجسة..الأمر منته..لجهنم..وبئس المصير.

لم يعرف أبدا..سر عدم عودتها له.بالضبط وتماما.إلى هذه اللحظة..ومازاد الطين بلة..دخول خطيب ابنته الأخرى الصغرى..الذي دخل على خط تشجيعها ورفضها..العودة له..لرفضه وابنه البكر في المهجر عرض الزواج من قبله لابنته الصغرى الأخرى ..ولكنه…تحت التهديد والوعيد..في منطقة واقعة تحت سيطرة الدولة..ومخافة من أن يجره إلى مالا يحمد عقباه..وبرغبة منها..كتب كتاب ابنته الصغرى بشكل غير رسمي ووافق عليه..وثبتته في المحكمة من غير حضوره مستخدمة ومستغلة منصبها ونفوذها، مخافة أن يسأله القاضي على اعتبار أنه وكيل ابنته الصغرى عن موافقته..على هذا العقد..فيكون رده رفضه حتما..لأنه منافق و كاذب وقذر بكل معنى الكلمة سيما وأنه قال لها سابقا أنه سيذكر للقاضي أنه تحت تهديد منهم ،وبحكم منصبه الأمني في الدولة.تم إجباره على التوقيع …على ذلك الكتاب الذي كان يرجو الله ألا يتم مخافة على ابنته ومصيرها،فعمدت..لتسجيل كتابه على ابنته الصغرى من غير حضوره مستغلة منصبها في المحكمة ونفوذها، على عكس ابنته الكبرى التي حضر مراسم كتب كتابها في المحكمة برضا وطواعية منه..فقط لأنها رغبة ابنته،ثم أن صهرها الثاني الأمني في الدولةساعدها في قبض رواتب كثيرة لأناس يشتبه في معارضتهم للدولة…..وقبضها مبالغ طائلة لقاء استحصالها على جوازات سفر..من غير حضور أصحابها..والمتواجدين خارج الحدود أيضا وساعدها على انجازها ذلك الصهر السيء السمعة وأهله من القذارة في السمعة مالا يجد تعبيرا يصفهم..كانت المصلحة متقاطعة فيما بينه وبين حماته فوعدته بزواجه من ابنتها..مقابل مساعدتها في تسيير أمور لا قانونية..وكان ريعها يعود مناصفة فيما بينه وبينها..وبسبب أنها لا تريد أن يعرف احد..مايجري بينهما.. وبسبب رفضه واصراره على عدم زواج ذلك الأمني المتواطيء معها في أمورها فقد استغلت..طلاقه..لها..لتقول..للناس أن عودتها إليه بعقد جديد حرام شرعا، بينما هو في الحقيقة حق أريد به باطلا وتحررا من تدخله ومعارضته لما تفعله وبغضه واحتقاره لتدخل ذلك القذر صهره في حياتهم الخاصة..وكانت بحكم ضعفها أمام المال لم تكن تأبه لقيمة واحترام خصوصيتهما كزوجين..وهو لازال ينتظر عدالة الله فيها ،وفي ذلك القذر وأهله القذرون..والذين يتخذون من موالاتهم للدولة ستارا لأعمالهم القذرة…وهي كذلك..مثلهم تماما..فالوضع لا يحتمل..في أن يضع نفسه في مواجهتهم وعندما علم بأن المسلحين سيستولون على بيته ورزقه ترك مكانه وعمله وعاد..إلى بلده الأصل..الذي يقبع تحت سيطرة الفصائل المسلحة..وما كان طلاقه..لها..إلا لخروجها ومن دون إذنه وغيابها لعدة ساعات في غير وقت وغير مكان عملها إلا حقا..يمليه العرف والله والشرائع كلها عليه ولم تقبل كرامته به..فكان طلاقها بمثابة نجاة الطوق لها ،لتكمل أعمالها الخبيثة..مع صهرها..وذلك عبر نفوذه وتغلغله بأصحاب القرار بالمال الذي أصبح رزا بين يديه ويديها ،ولذلك فضل عدم المواجهة…لأنه حسب قناعته..لاعدالة في الأرض.في هكذا وضع وظرف…فعدالة الأرض للأقوى وفي وضع لايحتمل كوضع وطنه فما عاد المسؤول يميز بين مدان وبريء وكم زهقت أرواح بريئة لمجرد تقرير أمني كاذب كان هدفه التخلص منهم بسبب كره أو حقد أو جسد أو وضع كوضعه، وكان هذا الصهر الذي لم يذكر اسمه يوما وينعته بالقذر قد هدده سابقا إن بقي على موقفه في رفضه لأمر زواجه من ابنته فإنه سيرتب له مصيرا سيئا،فالنفوذ..والمال ومن يقرر مصيره هو رهن مالهم ونفوذهم وكانوا الأقوى..فترك الأمر لعدالة السماء في أخذ مجراها…..ورغم محبته لها إلا أنه يعد طلاقه لها خيرا…له..فهي..لا أمان منها ولا أمان لغدرها ومكرها..كأهلها الذين خبرهم وعهد منهم ذلك الأمر،وربما نجاه الله من مصير سيء كان يحاك له…فكيف يرجو من جاحدة مثلها خيرا، والأمور لم تكن في صالحه..أبدا..ولم يرد مواجهة..ليس خوفا منها ومن صهرها…بل لاعتبارات بسبب أولاده..ولا يحب الفضائح…إذ..أنه..عرض عليه..أذية صهره وزوجته من مصدر مسؤول..وذو قوة وسطوة فرفض لأنه يعرف طبع زوجته..وعقلها المسيطر عليه حب المال بل وعبادته..ومن أجل ابنته..الصغرى..التي صرحت له بحبها..له..ففرمل..وما عاد..يذكر سيرته أبدا.

ولم يصحو من عكرشرود ذاكرته فيما جرى..له إلا على نداء..زوجته السابقة له..

-نحن..جاهزون تفضل..يا أبو…

وذهب إلى الصالون الذي كان يعبق بمختلف أنواع الروائح من العطور النسائية واستقبلته النسوة بالزغاريد…وقبل رأس ابنته..وهو يجول بعينيه على النسوة عله يجد…عروسا..منهن..فلم تتوقف الحياة عند امرأة..عظم قدرها لمحبته إياها..ولكن للأسف فقلبه قد أساء الإختيار..ولم تعرف ولن تعرف أبدا عظمة حبه لأن أمثالها لايعرف الحب أبدا..واقتنع بذلك الأمر وهو يسحب ابنته ومحاطة بأعمامها…وهي خلفه بحسبها عزيزة ولكنها ذليلة حسب قناعته…فلا يقارن الحب والتقدير…بمال يذهب ويجيء..بينما الحب الصادق..ربما يأتي وربما لايأتي..فما يفعل بقلبه الذي أحاله إلى عقله..فوجد زوجته السابقة قليلة القدر رخيصة الأصل عديمة الفهم والرقي متعفنة بتربية نجسة حاقدة لا أخلاق فيها…وهاهو يسلم ابنته التي أخذت شكله وطيبة قلبه ومحبته للعلم.. يقف صهره على باب المنزل…ويسلمه ابنته قائلاله:

-هذه أمانتنا فضعها في رقبتك..فاحفظ الأمانة وصنها والعهد..أن تضعها في عيونك..وألف ألف مبارك عليك ولأهلك الكرام…

كان العريس مضطربا وخائفا..من أن يحدث مشاكل بين عمه وحماته وألا يتم أمر زواجه..على خير مااايرام فرد عليه..

-قبلنا أمانتكم وسنضعها في عيوننا.

فعلت…زغاريد النسوة…وكأن عزرائيل قد حضر وقتها وانتزع من قلبه زوجته وطليقته..وهو ينزل الدرج مع ابنته..وصهره..إلى بوابة البناية التي كانت سيارة دفع رباعية..مزينة بورود الجوري وشرائط من الحرير باللونين الأحمر والأبيض والبالونات…كذلك..من جوانبها الأربع وأبوابها..

لقد فهم طليقته ورغبتها..فوظيفتها..وما ستجنيه..من عملها كمعقبة معاملات..بالإضافة إلى إغداق..ولديها في المهجر عليها..ووجود صهر تستند عليه..في غربتها..ومع تقدمها..في العمر..لن تكون بحاجته فدوره الذي رسمت له قد انتهى..يا لتفاهتها…مدعية داااائما حرصها كذبا…على الأولاد…بل حتى الأولاد سخرتهم لمصلحتها ومنفعتها المادية…التي..لم ولن تشبع منها كوالدها…وهي سره المقدس اللعين.

وإذ بأخيه يشبك يده بينما كانت تدخل ابنته السيارة وإلى جانبها والدتها يقول:

-ولا يهمك…عقبال عرسك الثالث.

فنظر في وجهها المفعم بالخبث..قائلا لها:

-للمرة الأخيرة أقول لك عودي…ولنعقد قراننا…

ولكن صمتها…وعدم جوابها بأي رد..كان وكأنه ورقة نعوتها في قلبه..فقال:

-..إنا لله وإنا إليه راجعون.

وبينما موكب السيارات يغادر صاخبا بمختلف الأصوات من الأبواق..كان يقول في نفسه…

سيأتي يوم تعودين فيه إلي باكية..وتقولين ياليتني عدت إليك ولم أتركك..عندما تدركين أنك لن تلاقي قلبا ومحبة كقلبي ومحبتي وستحلمين لآخر سنين عمرك أن يأتي الغد الذي سيجمعك بي…إن لم أكن في عداد  الأموات…تم..لحظات الوداع الأخيرة..بقلمي.أ.#أيمن حسين السعيد..الجمهورية العربية..السورية.

Facebook Comments
الوسوم
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: