مقالات الرأى

كأنك كنت تطارد خيط دخان

كأنك كنت تطارد خيط دخان.

بقلم: ا.د ابراهيم محمد مرجونه

استاذ التاريخ والحضاره الاسلاميه – رئيس قسم

التاريخ بكلية الاداب جامعة دمنهور

بين الحقيقة والوهم ملحمة. بين الواقع والسراب

خيط رفيع، لكنه لا ينقطع بسهولة إلا إذا وضعت يدك

عليه في المكان الصحيح، أو بلغة أخري إذا كشفت

الخدعة التي تفصل بينهما. وقتها فقط سينقطع الحبل

الفاصل بين الحقيقة والزيف، بين الواقع والسراب، بين الباطن والظاهر.

دعنى أوضح لك أكثر ما المقصود بمطاودة خيط

الدخان هنا المقصد المراد الحديث عنه هوالسراب

.فليس القصد من السراب هنا تلك الظاهرة التي نراها علي

الطريق عند اشتداد الحر وقت الظهيرة. فليت سرابي

في مقالي كالسراب الذي نراه في وضح النهار، إنما

أقصد هنا الصدمة التي نتلقاها بعد كشف الحقائق، أو

قل القناع الذي يسقط بعد كشف الحقيقة.

عندما تظن أنك تقف علي أرض يابس صلبة فتطمئن

بها وتسكن روحك للتحرك فوقها، وتقطع خطواتك

مسرعا لأن عقلك قد اقتنع بصلب الأرض وصلابتها

فباتت مأمنك،وفجأة تقع قدمك على قطعة فيها هشة فتهوى بك في قاع الظلمات.

حينما تأخدك الثقة كالفتى الهمام “عنترة”في الفيلم

العربي المعروف “عنترة بن شداد “عندما مشي في

بحر الرمال فغارت به الأرض. لم يكن ثقل وزنه ما أوقعه

في الفخ، بل ثقته في السراب والرمال الغادرة

.
بين وجوه تمثل الصدق وترتديه قناعا وبين عيون خائنه

ترسم ضحكات زائفة في وجوهنا، وتتحدث بأهمية

عن أمورنا وهى محصنة بقناع الكذب والزيف، تلك

الظاهرة التي نراها انتشرت في مجتمعنا يصادفها

الكثير منا ويكشفها من كان قلبه دليله ومرشده،

فأضحت وجوه الناس أقنعة كما قال الشاعر:

لاتكن إمعة واحذر الناس

فإن وجوههم أقنعة.

فكم من قناع يرتديه الكثيرون لإخفاء حقائقهم

الزائفة، ونفوسهم الغادرة .

وهذه الظاهرة ليست جديدة في عالمنا بل قديمة

الأزل. واذكر مثال لذلك السراب ما فعله أخوة يوسف

حينما ارتدوا سراب الحب ليتخلصوا

من أخيهم. حينما أظهروا مدى

حرصهم علي سلامة يوسف، فإذا بقناع

السراب قد سقط ليكشف عن وجه وحش وسلطان شيطان.

وأيضا ما حدث مع المتنبي الشاعر الكبير حينما ارتدى

كارهوه قناع الزيف وأوقعوا به عند سيف الدولة فقال:

أعيذها نظرات منك صائبة أن تحسب الشحم في من شحمه ورم.

فليس كل ما نراه ونسمعه حقيقة، بل يكون سرابا

أحيانا، وليس السراب في الوجوه وحسب، بل يكون

في أعمالنا حينا، فنجد أن ما قدمناه من أعمال وجهد كالسراب، بل نجد حياتنا سراب.

فاحذر أن تصبح ملجأ لممارسة السراب يلطمك كل من

يرتديه، فتصبح مجرد دخان ناتج عن احتراق سيجارة

يحمله الهواء بعيدا ينتهى أثره كأن لم يكن.

كأنك كنت تطارد خيط دخان
أ-د- إبراهيم محمد مرجانه

https://www.sadaelomma.com

https://twitter.com/sadaaluma

 

Facebook Comments
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: