موقف الإسلام من الشعر

موقف الإسلام من الشعر

بقلم دكتور.طارق عتريس أبوحطب

الشعر أرقى أنواع الفنون، و هو صنو اشعور، و سجل الخلود، و معزوفة الإبداع الراقي، ولقد اهتمت

دعوة الإسلام منذ بزوغها بالشعر، و الشعراء،و يبدو موقف الإسلام من خلال نظرة الرسول إلى

الشعراء،و موقفه من الشعر، فقد أحـَّل الرسول صلى الله عليه وسلم الشعراء مكانا بارزا في الإعلام

الإسلامي ،فكثيرا ما يستمع إلى شعر حسان بن ثابت فيؤثره على غيره فيما قال من شعر في

نصرة العقيدة الإسلامية الجديدة و قد اعتبر هذا اللون من الشعر سلاحا حادا لا يستغني عنه صاحب

دعوة و قد كان رسولنا الأعظم- صلى الله عليه و سلم- يحث على سماع و نظم الشعر الجيد، بل

كان يكافئ عليه ، و لعل حثه لحسان على نظم الشعر و عفوه عن كعب بن زهير لدليل على تذوقه

للشعر، و على موقفه الإيجابي منه فقد كان عربيا فصيحا، يتفاخر بلغته، و بلاغتها ” أنا أفصح العرب

بيد أني من قريش “، وكان يحب الكلام الحسن و البليغ ويعتبر الشعر سلاحا حادا يتصدى به

للخصوم المشركين و بها جمعهم بنفس الوسيلة نظرا لما كان للكلمة من أثر على النفس و العرب

تقول “جرح السيف يزول و جرع اللسان يطول” أي أن أثر الكلمة في النفس أقوى من جرح السيف، و

يردد الشاعر العربي:

جراحات السنان لها التئام

و لا يلتئم ما جرح اللسان

ولقد كان الرسول الكريم يقول عندما يستمع إلى الرائع من الشعر أو النثر

” إن من الشعر لحكمة ، وإن من البيان لسحرا “

وكان يقول لحسان بن ثابت شاعر الإسلام :

“نافح عنا ، وروح القدس يؤيدك ” ، ” أجب عني ، اللهم أيده بروح القدس ” ، ” أهجهم وجبريل معك “

وقال لكعب بن مالك :

” أهجهم – أي الكفار- فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل “

وروي أنه عليه السلام كان يقول :” ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله بسلاحهم أن ينصروه

بألسنتهم “لقد وجه الرسول الكريم الشعراء الذين أسلموا وجهة جديدة ، وجعل للشعر وظيفة نبيلة

هي المنافحة عن الحق والرد على أعدائه والوقوف في طريق أولئك الذين أطلقوا ألسنتهم افتراءً

على الله ورسوله والمسلمين، و قد أحسن الشعراء ٱداء الرسالة التي أنيطت بهم ، فتصدوا لشعراء

المعسكرات المناوئة للدعوة آنذاك : المشركين واليهود والمنافقين ، فأبطلوا باطلهم وردوا افتراءاتهم

ووفقوا في ذلك التوفيق كله .

وكذلك استمر شعراء الإسلام على مر العصور دعاة هداة ، وجنودا حماة ، يرفعون صوتهم بالدعوة

إلى الله ، ويرمون بشعرهم أعداء الإسلام فيدركون المقاصد ويصيبون من أعدائهم إذن فقد اهتم

الإسلام بوظيفة الشعر ، واعتنى بتوجيه مضمونه ،فقد وجه الرسول الكريم الشعراء الذين أسلموا

وجهة جديدة ، وجعل للشعر وظيفة نبيلة هي المنافحة عن الحق والرد على أعدائه والوقوف في

طريق أولئك الذين أطلقوا ألسنتهم افتراءً على الله ورسوله والمسلمين،محاولا بذلك أن يسمو

بالشعر والشعراء وأن يجعلهم أداة بناء وإسعاد بعد أن كانوا من قبل أداة هدم وشقاء، وكثيرا ماحث

الرسول حسان بن ثابت الذي كان بمثابة شاعر خاص له للرد على شعراء المشركين و جعل شعره

سلاحا يتصدى به لهم ، و قد كان جزع قريش من هجاء حسان شديدا لما في معانيه من صفات

الهجاء المقذع ، اللاذع ، و قد كان المسلمون أنفسهم يعتمدون عليه اعتمادا كليا للدفاع عنهم و

التصدي لخصومهم المشركين و نصرة الدعوة الإسلامية خاصة في سنواتها الأول، لأنهم كانوا يرون

فيه الملكة الشعرية أقوى و أنضج مما في غيره من شعراء المسلمين إذ وجدوا في معاني شعره ما

يشبه الأسلحة الماضية التي تريح نفوسهم و تشفى غليلهم من حيف الخصوم ولم يقتصر دور

الشعراء في شعرهم على الهجاء او المدح او الرثاء فقط بل تطروقوا لشعر الغزل ايضاً فقد رُوى أن

على بن أبي طالب رضي الله عنه دخل يوماً على زوجته فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه

وسلم سيدة نساء اهل الجنة فراءها تستاك بعود الأراك فأراد مداعبتها فقال هذه الأبيات :

لقد فزت يا عود الأراك بثغرها

أما خفت يا عود الأراك أراك

لو كنت من أهل القتال قتلتك

ما فات مني يا سواك سواك

وقد كان من عادة الشعراء العرب أن يبدأوا قصائدهم بالغزل وروَت كتب السيرة أن كعب بن زهير بن

أبي سُلْمى لما قدم على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تائبًا قال قصيدته التي جاء فيها:

بانت سعاد فقلبي اليوم مَتْبُول

مُتيَّم أثرها لم يفد مكبول

وما سعاد غداةَ البين إذ رحلوا

إلا أغنُّ غضيض الطرف مكحول

تجلو عوارضَ ذي ظُلَم إذا ابتسمت

كأنه منْهل بالرَّاح معلول

ويقال: إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أُعجب بها وألبسه بُرْدته،فلم ينكر النبي من السعر إلا

هجينه، كشعر الخمريات و الغزل الماجن و شعر الهجاء الذي يمس كرامة الغير و يؤدي مسامهم و

يخدش أحاسيسهم ، خاصة ذلك الهجاء الصادر من المشركين ضد الإسلام و المسلمين لما فيه من مس بأعراض المسلمين و ضرر بالعقيدة الإسلامية ، فهذا اللون من الشعر قد عارضه النبي- صلى

الله عليه وسلم – و رفضه و عاقب الخصوم المشركين الذين تقولوا عليه و على المسلمين فيما

نظموه من شعر في هجائه و هجاء العقيدة الإسلامية، بينمايتمثل قبوله لغير ذلك من الشعر، في

إعجابه، و حبه لسماع الشعر النظيف الذي يحمل القيم والأخلاق الحسنة الذي لا يتعارض مع

التعاليم و المبادئ الإسلامية و خاصة ذلك الذي بنافح عن الإسلام و المسلمين، و من هنا كان

موقف الاسلام من الشعر والشعراء، لهدف أسمى، وهذا الهدف هو الرد على الوهم الشائع بين

بعض النقاد، وفحواه ان الشعر ضعف في عصر النبوة عن مستواه الفني، وذلك لأن الاسلام يكره

الشعر بل ويحرمه، و هذا محض افتراء على الإسلام،فهو لم يحرم الشعر،و لم يكن يوما سببا

لضعفه،وإنما انبهر شعراء العرب،و بلغاؤهم ببلاغة القرٱن الكريم،و حسن رونقه،و نبل غاياته،فتأثروا

بتلك البلاغة المعجزة التي بهرتهم،و أسرت نفوسهم،و رغم ذلك برزت آراء ألقيت هنا وهناك زعمت

أن الإسلام وقف من الشعر موقف العداء . وذم الشعراء وألحقهم بالغواة والمنافقين واستشهدوا ب

القرآن الكريم ، وأوردوا آيات منه قرءوها مجزَّأة مبتورة ليصلوا إلى تأييد رأيهم السقيم ، فقالوا بأن الله

ذم الشعر والشعراء في قوله الكريم :والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون،

وأنهم يقولون مالا يفعلون)الشعراء ٢٢٣.

ووقفوا في قراءاتهم واستشهادهم عند هذه الآيات ولم يتمموا القراءة لأنهم علموا أنها لا توافق ما

ذهبوا إليه . .. والقرآن الكريم يقول بعد ذلك :

(إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ

مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) جاهلين ان الشعراء الإسلاميين هم الذين يحيون تحت مظلة الاستثناء القرآني

الحكيم، فالقران الكريم لم يذم الشعر بإطلاقه ولم يذم الشعراء بعامتهم ، فالذي فعله القران الكريم

هو تقسيم الشعراء إلى فريقين :فريق مع الله إيمانا وتضحية،وفداء،وهديا ، وفريق مع الشيطان

فجورا،وكفرا،وزيفا،وبهتانا، وميز في الشعر اتجاهين؛ أحدهما يدعو إلى الشر وإلى إثارة النعرات

ويشهر بالأعراض ويقتحم المنكرات والآخر يدعو إلى الخير وينشر السعادة وينتصر للمظلومين وينافح

عن عقيدة الدين،كما استدلوا أيضابقوله تعالى(وما علمناه الشعر وما ينبغي له)يس ٦٩استخلصوا

من هذا أن القرآن يحط من قدر الشعر بدليل ان الله كرم نبيه ولم يعلمه الشعر، وما ذلك إلا لأن

الشعر ينقص من قدره ويحط من منزلته،واستشهدوا كذلك بما ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة

رضي الله عنه قال النبي- صلى الله عليه وسلم -” لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا يريه، خير من أن

يمتلئ شعراً “،والحق إن المتتبع لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشعر والشعراء

سيجدها لا تخرج عن الأهداف والغايات التي دعت إليها الآيات الكريمة ، وكيف تخرج عنها والرسول

عليه السلام إنما بعث بالقرآن . ولم تكن أحاديثه وأفعاله إلا مصدقة لكلام الله الكريم ومُفصلة لما

أجمله كلام رب العالمين .وأورد ابن قتيبة في ” الشعر و الشعراء ” متابعة هؤلاء النقاد الاصمعي

الذي يرى : ان الشعر نكد بابه الشر، فإذا دخل في الخير ضعف، ألا ترى ان حسان بن ثابت كان قد

علا في الجاهلية والاسلام، فلما دخل شعره في الخير – من مراثي النبي صلى الله عليه وسلم

وحمزة وجعفر – رضوان الله عليهم – لأن شعره وطريق الشعر هو طريق شعر الفحول مثل امرئ

القيس وزهير والنابغة من صفات الديار والرحيل والهجاء والمديح، والتشبيب بالنساء، وصفة الخمر

والخيل والحروب والافتخار، فإذا أدخلته من باب الخير لان “لكننا إذا نظرنا الى الأدلة السابقة نظرة

تأمل وتدقيق نستطيع ان ندفع تلك الشبهة من خلال النظرة الصائبة لهذه الأدلة.و يذكر الدكتور صلاح

الدين الهادي في “الأدب في عصر النبوة والخلافات الراشدين” فالآية الأولى : لا تقصد الى تهجين

الشعر بعامة، وذم الشعراء أجمعين، فالاستدلال بها على ما ذكروه تعميم خاطئ، وتأويل للآية على

غير وجهها الصحيح، ذلك ان أولى الأقوال بالصواب في تأويلها ما ذهب إليه اهل التأويل من المفسرين، من أن المراد بالشعراء المذمومين في الآية الكريمة شعراء المشركين، الذين يتبعهم غواة الناس او سفهاؤهم ،و في تفسير الطبري وتعلل الآية لهذا الحكم بان هؤلاء الشعراء (في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون)، أي أنهم يذهبون في شعرهم على غير قصد، بل يجورون عن الحق، وطريق الرشاد، وقصد السبيل، وهذا ” مثل ضربه الله لهم في افتتانهم في الوجوه، والتي يفتنون فيها بغير حق، فيمدحون بالباطل قوماً، ويهجون آخرين كذلك بالكذب والزور “

ومما يدل على أن المعنى بالشعراء في الآية شعراء المشركين خاصة قوله تعالى بعد هذا التعليل :

(إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات)، وهو استثناء للمؤمنين من الشعراء بعامة، قصد به شعراء رسول

الله بخاصة، الذين نافحوا عنه وعن دعوته وأصحابه ضد شعراء المشركين، بدليل قوله تعالى بعد ذلك

: (وانتصروا من بعد ما ظلموا)، أي انتصروا ممن هجاهم من شعراء المشركين ظلما، بشعرهم

وهجائهم أيام، واجابتهم عما هجوهم به، يقول الرازي في ” مفاتيح الغيب “وإذا دققنا النظر في آية

الاستثناء نجد ان القرآن الكريم – كما لاحظ الفخر الرازي – استثنى الموصوفين بأربعة أمور : الإيمان،

والعمل الصالح، وان شعرهم في التوكيد والنبوة ودعوة الخلق الى الخير، وهو قوله تعالى : (وذكروا

الله كثيرا) وألا يذكروا هجو أحد الاعلى سبيل الانتصار ممن يهجوهم، وهو قوله تعالى : (وانتصروا من

بعد ما ظلموا)، ونؤيد كلامنا بما قاله ابن رشيق يقول : ” فأما احتجاج من لا يفهم وجه الكلام بقوله

تعالى : (والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون) فهو

غلط، وسوء تأول؛ لأن المقصود بهذا النص شعراء المشركين الذين تناولوا رسول الله صلى الله عليه

وسلم بالهجاء، ومسوه بالأذى، فأما من سواهم من المؤمنين فغير داخل في شيء من ذلك : الا

تسمع كيف استثناهم الله عز وجل ونبه عليهم : (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا

وانتصروا من بعد ما ظلموا) يريد شعراء النبي صلى الله عليه وسلم الذين ينتصرون له، ويجيبون

المشركين عنه، كحسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وقد قال فيهم النبي صلى

الله عليه وسلم : هؤلاء أشد على قريش من نضح النبل ” (9) .. و ذكر ابن رشيق في ” العمدة ” فلو

ان الشعر حرام او مكروه ما اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم شعراء يثيبهم على الشعر، ويأمرهم

بعمله ويسمعه منهم .

ونستخلص مما أوردناه إن ٱية الشعراء لا يصح الاستدلال بها على كراهية القرآن للشعر، لأن القرآن

لم يكره الشعر من حيث هو شعر، وإنما يكره شعراً معيناً ويكره شعراء بعينهم وهم الذين يؤذون

الرسول والمؤمنين وأما الشعراء الذين دافعوا عن الاسلام، وذادوا عن حوضه وترسموا الأخلاق

الفاضلة والقيم العالية فهذه الطائفة التي يجلها القرآن، و ورد في كتاب النقد الأدبي للدكتور مخمد

إبراهيم نصر الآية الثانية التي تنفي الشعر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فليس في نفيه عنه

غض لقيمة الشعر، أو تقليل من شأنه، بل في نفيه عند دلالة إعجاب أشد، فقد نفى الله عن نبيه

الشعر الذي عرف بين العرب بقوة التأثير، وبلاغة الدلالة، والقدرة على الفصاحة، فلئن كان نثر العرب

أقل تأثيرا فقد علمه الله سبحانه وتعالى نبيه كلاما من جنس سائر النثر ” ولكنه أقوى تأثيراً، وأعظم

بيانا من الشعر و ذكر ابن رشيق “وأما قوله تعالى (وما ينبغي له) فالمقصود، وما ينبغي له ان يبلغ

عنا ما لم نعلمه، لأمانته ومشهور صدقه ولو كان كون النبي صلى الله عليه وسلم غير شاعر غض

من الشعر، لكانت أميته غضا من الكتابة، وهذا أظهر من أن يخفى على أحد “

ونرى ان الله سبحانه ينزه رسوله عن كونه شاعراً، حين نسبت قريش فضيلة الرسول، وحجته البالغة

الى تأثير الشعر، لا إلى فضل الرسالة، وزعمت ان يتلوه ليس وحياً من عند الله ،بل إلهاما من

شيطان الشعر.

وأما قول الرسول صلى الله عليه وسلم : “لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا يريه خير من أن يمتلئ

شعراً” .. فيرد على الذين استدلوا به بأمرين :

أولهما : إن مفهوم الحديث أن من غلب الشعر على قلبه، وملك نفسه حتى شغله عن دينه واقامة

فروضه، ومنعه من ذكر الله تعالى وتلاوة القرآن، والشعر وغيره – مما جرى هذا المجرى من شطرنج

وغيره – سواء، وأما غير ذلك ممن يتخذ الشعر أدباً وفكاهة وإقامة مروءة فلا جناح عيله وقد قال

الشعر كثير من الخلفاء الراشدين، والجلة من الصحابة والتابعين والفقهاء المشهورين.

الثاني : يتعلق برواية الحديث وهي منقوصة بدليل قول عائشة – رضي الله عنها – يرحم الله أبا

هريرة حفظ أول الحديث ولم يحفظ آخرة، وإن المشركين كانوا يهاجمون رسول الله صلى الله عليه

وسلم فقال : ” لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعراً من مهاجاة رسول الله

صلى الله عليه وسلم ” ذكره الألوسي في ” روح المعاني”

فحديث النبي صلى الله عليه وسلم ليس مقصوداً به الشعر عامة، وإنما قصد به الشعر الذي لا يتفق

مع آداب الإسلام، والدليل القاطع على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم استمع الى الشعر

واستنشده، بل ورواه وكافأ عليه.

و ورد في الشعر و الشعراء” ومن ذلك أنه لما أنشده النابغة الجعدي :

أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى

ويتلو كتابا كالمجرة نيرا

بلغنا السماء مجدنا وجدودنا

وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” الى أين أبا ليلى؟ فقال : إلى الجنة فقال : الى الجنة

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شاء الله، و ذكر صاحب العمدة وأنشده حسان بن ثابت

حين جاوب عنه أبا سفيان بن الحارث وكان قد هجا النبي قبل إسلامه:

ألا أبلغْ أبا سفيانَ عني، فأنتَ مجوفٌ نخبٌ هواءُ

وأن سيوفَنا تركتك عبدا, وعبد الدار سادتها الإماءُ

كَأنّ سَبِيئَة ً مِنْ بَيْتِ رَأسٍ، تُعفيِّها الرّوَامِسُ والسّمَاءُ

هجوتَ محمداً، فأجبتُ عنهُ، وعندَ اللهِ في ذاكَ الجزاءُ

أتَهْجُوهُ، وَلَسْتَ لَهُ بكُفْءٍ، فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُمَا الفِداءُ

فقال جزاؤك عند الله الجنة يا حسان

وأما ما قاله الأصمعي فهذا رأي لا نقره عليه؛ لان الغرض الشعري لا ينبغي أن يكون أساسا للحكم

على ضعف الشاعر او قوته، وإلا ترتب على ذلك أن تكون كل الاشعار في مجال الشر قوية، وكل

الاشعار في مجال الخير ضعيفة، وهذا ما لم يقل به أحد، وما يخالف واقع الشعر في القديم

والحديث.

كذلك فإن يترتب على هذا الحكم أيضاً أن يسقط الناقد من حسبانه عاطفة الشاعر وانفعاله

النفسي، ومدى ارتباطه بالموضوع الذي يعبر عنه إحساسه به، حيث يصدر حكمه على شعر الشاعر ..

و في كتاب ” موقف الإسلام من الشعر “للدكتور صلاح الدين عبد التواب” علما بأن قوة العاطفة

وصدق الانفعال هما اللذان يكسبان الشعر القوة والجودة بصرف النظر عن الموضوع ذاته في المديح

كان أو في الهجاء، وفي التهنئة كان أو في الرثاء.”.

فإذا كان الأصمعي قد اتخذ من تردي المستوى الفني في مراثي حسان سببا للحكم على الشعر

الاسلامي بالضعف، فليس هذا بصحيح؛ لأنه ليس شرطاً أن يجيد الشعر في كل فنون الشعر، وما

زلنا نتذكر أن الفحول أنفسهم من شعراء الجاهلية لم يبرعوا جميعا في كل فنون الشعر وأغراضه،

وما زال القول المشهور يتردد في كتب الأدب عن أشهر شعراء الجاهلية وهم :امرؤ القيس إذا ركب،

وزهير اذا رغب، والأعشى اذا طرب والنابغة إذا رهب “

و يذكر الدكتور أحمد فؤاد الغول في كتابه ” الشعر في الإسلام ” كذلك فإن حسان بن ثابت لم يكثر

من النظم في الرثاء في جاهليته، وأكثر من الفخر في جاهليته وإسلامه، فأبدع في العصرين، وإذا

كان الشعر صناعة يجيد صاحبها ويجود فيها إذا رغب أو رهب، كما يرى النقاد من معاصري الأصمعي،

فإن ” أصعب الشعر الرثاء؛ لأنه لا يعلم لرغبة ولا لرهبة “، ثم ما رد الأصمعي بضعف الشعر في

الاسلام وهو يستشهد بشعر حسان، وذلك فيما نقله ابن قتيبة عنه من أن الشعر نكد بابه الشر،

فإذا دخل في الخير ضعف .. هذا حسان بن ثابت فحل من فحول الجاهلية، فلما جاء الاسلام سقط

شعره ؟.

هل يريد الاصمعي بذلك الضعف او تلك الليونة ما يظهر على الشعر الاسلامي من سهولة الألفاظ

ووضوح العبارات، وبعده عن غرابة الألفاظ ووعورة الأساليب، بشكل أكثر مما عليه الشعر الجاهلي؟

اذا كان الأمر كذلك، فليس هذا بالعيب الذي يمكن أن يؤخذ على شعر حسان، بل إن الأمر على

العكس؛ لأنه يدل على مدى تأثر حسان بالظروف الجديدة التي ظهرت آثارها واضحة على الحياة

العربية، كما ظهر أثرها أيضاً في أسلوب التعبير عن هذه الحياة، ولا يمكن ان تعد استجابة الشاعر

لبيئته فكرا وأسلوباً من مظاهر الضعف أو اللين، ثم إذا كان الأصمعي يعد مراثي حسان حين وفاة

الرسول صلى الله عليه وسلم ضعيفة لخلوها من صور التفجع والجزع الشديد بألفاظ طنانة رنانة على

غرار المراثي الجاهلية، فإن الاصمعي يدرك جيداً ان الاسلام لا يرضى ذلك النوع من الرثاء القديم في

صخبه وجزعه وعويله وتفجعه، وأحاله الى تأبين وإشادة بالمناقب الإسلامية الرفيعة، مع تقبل ورضا

بقضاء الله وقدره واستبشار بما وعد الله به عباده الصابرين، ومن ثم غدا الرثاء يصدر عن نفس مؤمنة

متعلقة، لا عن عاطفة متطيرة مسرفة في حزنها.. فإذا كان الأصمعي يرمي هذه الروح بالسهولة

واللين والضعف فتلك روح الاسلام التي ترفض في الرثاء، بل وفي غير الرثاء ذلك الصخف وهذا العويل؛

لأنه ينافي ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان من الثبات ومن الوقار؛ فمن خلال ما سبق يتضح لنا

موقف الاسلام من الشعر، فنرى أن الاسلام لم يضعف كما زعم بعض النقاد، وإنما وقف منه موقف

الموجه إلى الطريق الأقوم الذي يتفق مع مبادئ هذا الدين، ليكون الشعر وسيلة بناء للمجتمع

الاسلامي، ودعوة للأخلاف الفاضلة لا وسيلة تفويض وهدم، ولم يقف الاسلام من الشعر موقف

الجمود الذي يؤدي الى خمود جذوته، وإنما طور وجدد في معاني الشعر وموضوعاته وأسلوبه

وصياغته، ولم يعد فيه مجال للمعاني الساقطة التي تشيع عواطف البعض، وإنما هي معاني تتكأ

على الالتزام بالعقيدة والدين والدعوة الى الفضائل، وبهذا أشاعت الحب والتآخي وإنما انتقل بها الى

طور جديد يلتئم مع طبيعته السمحة وآدابه العالية، ولم يتوقف الأثر الاسلامي في تطوير فن الشعر

عند المعاني والأغراض، وإنما طور أيضاً في الأسلوب والصياغة فقد تأثرت بروح الاسلام، وبعدت عن

الغريب والوحشي حتى يستطيع الناس فهمها وتذوقها واتجه الشعر في صوره وتشبيهاته وأساليبه

الى بعض ما اشتمل عليه القرآن من صور بديعة وأساليب جديدة.موقف الإسلام من الشعر

https://www.sadaelomma.com

https://twitter.com/sadaaluma

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: