ٌإسلاميات

وداعاً يا شهر التوبة

سلسلة خواطر رمضانية لفضيلة الشيخ/ اسامة حسن موافى مدير إدارة أوقاف رأس سدر

وداعاً يا شهر التوبة

كتب/ أحمد عليوة حسانين

ورد في الحديث أن صيام رمضان سبب لمغفرة

الذنوب(سبق تخريجه)، و كذا قيامه(لحديث أبي

هريرة رضي الله عنه، أخرجه البخاري برقم 37 في

الإيمان: باب: “تطوع قيام رمضان من الإيمان”)،

وقيام ليلة القدر(لحديث أبي هريرة رضي الله عنه

قال: قال صلى الله عليه و سلم: “من قام رمضان

إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه” أخرجه

البخاري برقم35، و مسلم برقم 760)، و الصحيح أن

المغفرة تختص بالصغائر، لقوله صلى الله عليه

وسلم: “الصلوات الخمس، و الجمعة إلى الجمعة،

ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن، إذا اجتنب

الكبائر”رواه مسلم (أخرجه مسلم برقم 233 14،

15، 16 في الطهارة، باب: “الصلوات الخمس

والجمعة إلى الجمعة…” من حديث أبي هريرة

رضي الله عنه) والجمهور على أن الكبائر لابد لها من توبة.

ثم إن العبد بعد فراق رمضان وقد كُفِّرت عنه

سيئاته، يجب عليه أن يحافظ على الصالحات،

ويحفظ نفسه عن المحرمات، و تظهر عليه آثار هذه

العبادات في بقية حياته، فذلك من علامات قبول

صيامه وقيامه و قرباته، فإذا كان بعد رمضان يحب

الصلوات و يحافظ على الجمع و الجماعات، و يكثر

من نوافل الصلاة، ويصلي من الليل ما قدر له،

ويُعوِّد نفسه على الصيام تطوعاً، ويكثر من ذكر الله

تعالى ودعائه واستغفاره، وتلاوة القرآن الكريم

وتدبره وتعقله، ويتعاهد الصدقة، ويصل أرحامه ويبر

أبويه، و يؤدي ما عليه من الحقوق لربه و للعباد،

ويحفظ نفسه و يصونها عن الآثام و أنواع الجرائم،

وعن جميع المعاصي وتنفر منها نفسه، ويستحضر

دائماً عظمة ربه ومراقبته وهيبته في كل حال، إذا

كان كذلك بعد رمضان، فإنه دليل قبول صيامه

وقيامه، وتأثره بما عمل في رمضان من الصالحات والحسنات.

ومع ذلك فإن صفة الصالحين وعباد الله المتقين

الحزن والأسى على تصرم الأيام الشريفة،

والليالي الفاضلة، كليالي رمضان، وهذه صفة

السلف الصالح وصدر هذه الأمة رحمهم الله تعالى،

فلقد يحزنون لانصراف رمضان، ومع ذلك يدأبون

في ذكره، فيدعون الله ستة أشهر أن يتقبله منهم،

ثم يدعونه ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، فتكون

سنتهم كلها في ذكر هذا الشهر، فهو دليل على

عظم موقعه في نفوسهم، و يقول قائلهم:

سلام من الرحمن كـل أوان على خير شهر قد مضى وزمان

سلام على شهر الصيام فإنه أمان من الرحمن كل أمـــان

لئن فنيت أيامك الغر بغـتة فما الحزن من قلبي عليك بفـان

لقد ذهبت أيامه و ما أطعتم.

وكتبت عليكم فيه آثامه وما أضعتم.

وكأنكم بالمشمرين و قد وصلوا و انقطعتم.

أترى ما هذا التوبيخ لكم؟

أو ما سمعتم قلوب المتقين إلى هذا الشهر تحن؟

ومن ألم فراقه تئن؟

كيف لا تجرى للمؤمن على فراقه دموع؟ وهو لا

يدري هل بقي له في عمره إليه رجوع.

شعر:

تذكر أياماً مضت وليالياً خلت فجرت من ذكرهن دموع

أين حرق المجتهدين في نهاره؟

أين قلق المتهجدين في أسحاره؟

فكيف حال من خسر في أيامه و لياليه؟

ماذا ينفع المفرط فيه بكاؤه و قد عظمت فيه

مصيبته و جل عزاؤه؟

كم نصح المسكين فما قبل النصح؟

كم دعى إلى المصالحة فما أجاب إلى الصلح؟

كم شاهد الواصلين فيه و هو متباعد؟

كم مرت به زمر السائرين و هو قاعد؟

حتى إذا ضاع الوقت و خاف المقت ندم على
التفريط حين لا ينفع الندم.

وطلب الاستدراك في وقت العدم.

دموع المحبين تدفق.

قلوبهم من ألم الفراق تشقق.

عسى وقفة للوداع تطفي من نار الشوق ما أحرق.

عسى توبة ساعة و إقلاع ترفوا من الصيام ما تخرق.

عسى منقطع عن ركب المقبولين يلحق.

عسى أسير الأوزار يطلق.

عسى من استوجب النار يعتق.

لا شك أن شهر رمضان أفضل الشهور، فقد رفع الله

قدره وشرفه على غيره، وجعله موسماً للخيرات،

وجعل صيامه وقيامه سبباً لمغفرة الذنوب وعتق

الرقاب من النار.

فتح فيه أبوابه للطالبين، ورغب في ثوابه المتقين.

فالظافر من اغتنم أوقاته، و استغل ساعاته،

والخاسر من فرط في أيامه حتى فاته.

جعله الله مطهراً من الذنوب وساتراً للعيوب وعامراً للقلوب.

فيه تعمر المساجد بالقرآن و الذكر و الدعاء والتهجد.

وتشرق فيها الأنوار وتستنير القلوب.

فهو شهر البركات والخيرات.

شهر إجابة الدعوات.

شهر إغاثة اللهفات.

شهر الإفاضات والنفحات.

شهر إعتاق الرقاب الموبقات.

فيه تكثر الصدقات و تتضاعف النفقات و يجود

المسلم بما يمكنه من العطايا و الهبات.

ترفع فيه الدرجات، و تقال فيه العثرات، و تسكب

فيه العبرات، فبعده تنقطع هذه الحسنات.

فمن قبله الله فهو من أهل الكرامات و أعالي

الدرجات في نعيم الجنات، و من رُدَّ عليه عمله فهو

من أهل الحسرات لما فاته من الخيرات.

فلا أوحش الله منك يا شهر الصيام و القيام.

و لا أوحش الله منك يا شهر التجاوز عن الذنوب العظام.

ولا أوحش الله منك يا شهر التراويح.

ولا أوحش الله منك يا شهر الذكر و التسبيح.

ولا أوحش الله منك يا شهر المصابيح.

ولا أوحش الله منك يا شهر التجارات المرابيح.

ولا أوحش الله منك يا شهراً يترك فيه كل قبيح.

فيا ليت شعري من المقبول منا فنهنيه، ومن المردود منا فنعزيه.

فيا أيها المقبول هنيئاً لك، و يا أيها المردود جبر الله مصيبتك.

عباد الله: حافظوا على عبادة ربكم بعد هذا الشهر،

وإياكم أن تعودوا لما كنتم فيه من الذنوب و الخطايا،

فإن رب الشهرين واحد، و هو الذي كلفكم و أمركم

ونهاكم، فإياكم أن تعودوا لما مضى من التفريظ

والإهمال، حتى يمحوا الله عنكم السيئات و يقبل

منكم الحسنات، و أكثروا من دعاء الله تعالى

والتضرع بين يديه


وداعاً يا شهر التوبة

الوسوم

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: