‭ ‬‮«‬بالرضا‭ ‬صنعتها‮»‬‭ ‬قصة‭ ‬قصيرة‭ ‬

15

‭ ‬‮«‬بالرضا‭ ‬صنعتها‮»‬‭ ‬قصة‭ ‬قصيرة‭ ‬

بقلم-‭ ‬سماح‭ ‬إبراهيم‭ ‬مقلد

‭ ‬مللت‭ ‬حياة‭ ‬أشبه‭ ‬بقفصٍ‭ ‬جدرانه‭ ‬أقدار‭ ‬أصدم‭ ‬بها،‭ ‬فأعود‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬أتيت،‭ ‬عشت‭ ‬فى‭ ‬منزل‭

‬صغير،‭ ‬ضمنى‭ ‬وأسرتي،‭ ‬المكونة‭ ‬من‭ ‬ستة‭ ‬أفراد،‭ ‬كنت‭ ‬سابعتهم،‭ ‬وبقدر‭ ‬ما‭ ‬ضم‭ ‬هذا‭ ‬المنزل

‭ ‬الصغير،‭ ‬عددًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬الأفراد،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬ضم‭ ‬من‭ ‬محبتهم‭ ‬وسعادتهم،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يفسد‭ ‬علينا‭

‬سعادتنا‭ ‬سوى‭ ‬الفقر‭.. ‬الحرمان‭. ‬كم‭ ‬من‭ ‬ليالٍ‭ ‬مضت‭ ‬عليَّ‭ ‬وإخوانى‭ ‬نحلم‭ ‬بمنزل‭ ‬جديد،‭

‬ينتشلنا‭ ‬من‭ ‬مزاحمة‭ ‬الحشرات‭ ‬لنا‭ ‬ومشاركتها‭ ‬لنا‭ ‬فى‭ ‬مسكننا،‭ ‬كم‭ ‬من‭ ‬دموع‭ ‬أغرقت‭

‬أحلامنا‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬يأتى‭ ‬العيد‭ ‬علينا،‭ ‬ولا‭ ‬نجد‭ ‬شيئًا‭ ‬جديدًا‭ ‬نرتديه،‭ ‬مللت‭.. ‬ثرت‭.. ‬تمردت‭ ‬من‭

‬داخلى‭ ‬رغم‭ ‬صمتى‭ ‬الدائم،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬بركان‭ ‬الحزن‭ ‬والحرمان‭ ‬كان‭ ‬يحرقنى‭ ‬بثورته‭ ‬الدائمة،‭

‬تعلقت‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬جميل‭.. ‬الشوارع‭ .. ‬الفنادق‭.. ‬المطاعم‭.. ‬القصور‭.. ‬كنت‭ ‬أحلم‭ ‬بها‭ ‬كل‭ ‬يوم،‭

‬فى‭ ‬كل‭ ‬وقت‭ ‬وفى‭ ‬أى‭ ‬مكان‭. ‬وفى‭ ‬يومٍ‭ ‬أذكره‭ ‬جيداً‭ ‬وقفت‭ ‬أمام‭ ‬نادٍ‭ ‬فاره،‭ ‬أنظر‭ ‬إليه‭ ‬بعينين،‭

‬يملأهما‭ ‬التمني،‭ ‬وفكرت‭ ‬فى‭ ‬دخول‭ ‬النادي،‭ ‬لكن‭ ‬رسومه‭ ‬كانت‭ ‬باهظة،‭ ‬وإن‭ ‬توفرت‭ ‬لى‭

‬رسوم‭ ‬أخرجت‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬كنت‭ ‬قد‭ ‬ادخرته‭ ‬وشيء‭ ‬من‭ ‬مصروفى،‭ ‬وجمعت‭ ‬أشلاء‭ ‬نقودى‭

‬المبعثرة،‭ ‬أحلم‭ ‬ألملم‭ ‬قليلها‭ ‬لتكمل‭ ‬كثيرها،‭ ‬ودفعت‭ ‬الرسوم‭ ‬ودخلت‭.. ‬نعم‭ ‬دخلت‭.. ‬انبهرت‭

‬بكل‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬حولي،‭ ‬الناس‭ ‬غير‭ ‬الناس‭ ‬والجمال‭ ‬يحيط‭ ‬بالمكان‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الجهات‭. ‬دخلت‭

‬ووجدت‭ ‬نفسى‭ ‬غريبة،‭ ‬دون‭ ‬أنيس‭ ‬أو‭ ‬صديقة‭ ‬وأخذت‭ ‬أجر‭ ‬قدميّ‭ ‬خلفي،‭ ‬وكأنى‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭

‬شيء‭ ‬لا‭ ‬أعرفه،‭ ‬وما‭ ‬إن‭ ‬وجدت‭ ‬مكاناً‭ ‬خالياً‭ ‬أبتعد‭ ‬فيه‭ ‬عن‭ ‬إحساسى‭ ‬بالغربة،‭ ‬حتى‭ ‬جلست‭

‬فيه‭ ‬مطرقة‭ ‬السمع،‭ ‬أشعر‭ ‬بشيء‭ ‬يطردنى‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المكان‭. ‬شعرت‭ ‬بتعاسة‭ ‬فاقت‭ ‬كل‭

‬تعاسة‭ ‬شعرت‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬وفجأة‭ ‬اندفعت‭ ‬من‭ ‬مكانى‭ ‬أهرب‭ ‬بسرعة‭ ‬من‭ ‬وطأة‭ ‬حملٍ‭ ‬ثقيل‭

‬لم‭ ‬يحتمله‭ ‬قلبي‭. ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬النادي،‭ ‬ولكن‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أنظر‭ ‬حولي،‭ ‬فى‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬شعرت‭

‬بأن‭ ‬المكان‭ ‬قد‭ ‬امتلأ‭ ‬قبحاً،‭ ‬وإننى‭ ‬سأكون‭ ‬سعيدة،‭ ‬لو‭ ‬دخلت‭ ‬منزلنا‭ ‬الجميل‭. ‬وما‭ ‬إن‭ ‬وطأت‭

‬قدماى‭ ‬خطوة‭ ‬خارج‭ ‬النادى‭ ‬حتى‭ ‬شعرت‭ ‬بحمل‭ ‬ثقيل‭ ‬انزاح‭ ‬عن‭ ‬صدري،‭ ‬وإنى‭ ‬قد‭ ‬عدت‭ ‬إلى‭

‬الحياة‭ ‬بمعناها‭ ‬الحقيقي،‭ ‬ولكن‭ .. ‬هيهات‭ ‬أن‭ ‬يغير‭ ‬هذا‭ ‬الإحساس‭ ‬تمردى‭ ‬بسهولة،‭ ‬وتعجبت‭

‬لنفسى‭ ‬عندما‭ ‬وقفت‭ ‬مأخوذة‭ ‬بأضواء‭ ‬مسرح‭ ‬باهر‭ ‬عظيم،‭ ‬وأردت‭ ‬لو‭ ‬بعت‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬أملك‭

‬وأدخل‭ ‬هذا‭ ‬المسرح،‭ ‬وكان‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬معى‭ ‬حفنة‭ ‬من‭ ‬النقود‭ ‬لا‭ ‬تكفى‭ ‬للدخول‭. ‬وللمرة‭ ‬الثانية‭

‬بعد‭ ‬المائة‭ ‬أشعر‭ ‬بالعجز‭ ‬والنقص‭ ‬وبدوامة‭ ‬كبيرة‭ ‬تغرقنى‭ ‬فى‭ ‬أمواج‭ ‬الحيرة،‭ ‬توجهت‭ ‬إلى‭

‬المنزل‭ ‬ورجوت‭ ‬أمي،‭ ‬أن‭ ‬تعطينى‭ ‬نقوداً‭ ‬فرفضت،‭ ‬ولكنى‭ ‬أصريت‭ ‬وقلت‭ ‬لها‭: ‬أنا‭ ‬فى‭ ‬حاجة‭

‬للنقود،‭ ‬فأجابت‭: ‬أنت‭ ‬تعلمين‭ ‬أن‭ ‬النقود‭ ‬بالكاد‭ ‬تكفى‭ ‬قوتنا،‭ ‬فى‭ ‬اليوم‭ ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭. ‬فقلت‭:

‬احرمينى‭ ‬من‭ ‬مصروفى‭ ‬عامًا‭ ‬كاملًا،‭ ‬ولكن‭ ‬اتركينى‭ ‬وأعطينى‭ ‬النقود‭. ‬أخرجت‭ ‬أمى‭ ‬نقودها‭

‬القليلة،‭ ‬لكن‭ ‬قليلى‭ ‬على‭ ‬قليلها‭ ‬كثير‭ ‬فى‭ ‬يدى‭ ‬ودخلت‭ ‬المسرح،‭ ‬آه‭.. ‬ليتنى‭ ‬ما‭ ‬دخلت‭..

‬الغربة‭ ‬تطاردنى‭ ‬ووحدتى‭ ‬تقتلني،‭ ‬وإحساسى‭ ‬بالذنب‭ ‬تجاه‭ ‬أسرتى‭ ‬التى‭ ‬أخذت‭ ‬من‭ ‬قليلها‭

‬الكثير‭ ‬يبنى‭ ‬جداراً‭ ‬بينى‭ ‬وبين‭ ‬الاستمتاع‭ ‬بأضواء‭ ‬المسرح‭ ‬أو‭ ‬أداء‭ ‬تمثيلية‭. ‬آه‭.. ‬خرجت‭ ‬من‭

‬المسرح،‭ ‬ركضت‭ ‬فى‭ ‬الشارع،‭ ‬وأنا‭ ‬أحتضن‭ ‬الهواء،‭ ‬أحتضن‭ ‬الفقر،‭ ‬أحتضن‭ ‬الحرمان،‭ ‬أنا‭

‬لست‭ ‬فى‭ ‬حاجة‭ ‬للنقود،‭ ‬أنا‭ ‬فى‭ ‬حاجة‭ ‬لأسرتي،‭ ‬إخوتي،‭ ‬أصدقائي،‭ ‬أهلي،‭ ‬حياتى‭ ‬التى‭

‬عشتها‭ ‬أحببتها‭ ‬ولن‭ ‬أتركها‭.. ‬دخلت‭ ‬المنزل،‭ ‬الله‭! ‬يا‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬منزل‭ ‬رائع‭ ‬جدرانه‭ ‬سعادة،‭ ‬لا‭

‬أستطيع‭ ‬الخروج‭ ‬منه،‭ ‬نعم‭ ‬السعادة،‭ ‬بالرضا‭ ‬صنعتها،‭ ‬وبالتمرد‭ ‬قتلتها‭.‬

 

سماح إبراهيم مقلد
سماح إبراهيم مقلد
قد يعجبك ايضا
%d مدونون معجبون بهذه: