الجامعات تحتاج إلى أخلاق الكبار لا صراعاتهم
بقلم: أ. د. عيد عبدالواحد علي درويش
ليست أخلاق الكبار مجرد مجموعة من القواعد التي نتحدث عنها أو المبادئ التي نطالب الآخرين بالالتزام بها، وإنما هي سلوك يومي وممارسة عملية ومسؤولية تجاه الأجيال القادمة. فالكبير لا يعيش لنفسه وحدها؛ لأن كلماته تُسمع، وتصرفاته تُراقب، ومواقفه تتحول – بوعي أو دون وعي – إلى دروس يتعلم منها من هم أصغر سنًا.
ولهذا فإن أخلاقيات الكبار تبدأ من إدراك حقيقة بسيطة وعميقة: أن الطفل والشاب لا يتعلمون مما نقوله لهم فقط، بل يتعلمون بدرجة أكبر مما يرونه منا.
الأخلاق تبدأ من القدوة
قد يقضي الأب أو المعلم ساعات طويلة في الحديث عن الصدق، ثم يكذب أمام أبنائه، وقد يتحدث المسؤول عن احترام القانون، ثم يبحث عن استثناء لنفسه، وقد يطالب المجتمع أبناءه بالانضباط بينما يرى هؤلاء الكبار يتجاوزون القواعد كل يوم.
هنا يفقد الكلام قيمته، لأن السلوك أقوى من الموعظة.
إن الطفل الذي يرى والديه يحترمان الآخرين، ويعترفان بالخطأ، ويحفظان الأمانة، ويختلفان دون إساءة، ويتعاملان مع الضعيف باحترام؛ يتعلم الأخلاق بصورة طبيعية، دون الحاجة إلى عشرات المحاضرات.
أخلاقيات الكبار مسؤولية وليست امتيازًا
كلما تقدم الإنسان في العمر أو ارتفع موقعه الاجتماعي أو الوظيفي، ازدادت مسؤوليته الأخلاقية.
فالمكانة ليست امتيازًا للحصول على معاملة خاصة، وإنما هي تكليف يفرض على صاحبها قدرًا أكبر من الانضباط والعدل والرحمة.
والكبير الحقيقي هو الذي يستطيع أن يقول: أخطأت، وأن يعتذر عندما يخطئ، وأن يعترف بفضل الآخرين، وألا يستخدم سلطته لإهانة من هم أضعف منه.
فالقوة الحقيقية ليست في القدرة على فرض الرأي، وإنما في القدرة على ضبط النفس واحترام الإنسان الآخر.
احترام الكبير لا يعني إلغاء حق الصغير
من أخطر المفاهيم التي تحتاج إلى مراجعة أن احترام الكبار يعني بالضرورة طاعة الصغار لهم في كل شيء.
نعم، للكبار مكانتهم وخبرتهم، ولكن للصغير أيضًا حق في أن يُسمع، وأن يسأل، وأن يناقش، وأن يعبر عن رأيه بأدب.
والأسرة التي تمنح أبناءها مساحة للحوار لا تُضعف هيبة الكبار، بل تبني أجيالًا أكثر ثقة وقدرة على التفكير.
فالهدف من التربية ليس صناعة إنسان يخاف من الكبير، وإنما صناعة إنسان يحترم الكبير ويحترم نفسه والآخرين في الوقت نفسه.
أخلاق الاختلاف
ربما تكون أخلاقيات الاختلاف واحدة من أكثر الأخلاقيات التي نحتاج إليها اليوم.
ليس مطلوبًا أن نتفق جميعًا، ولكن المطلوب أن نختلف دون أن نتحول إلى خصوم.
ومن أخلاق الكبار أن يدركوا أن اختلاف الرأي لا يعني فساد النية، وأن النقد لا يعني العداء، وأن الاعتراف بصواب الآخر لا ينتقص من مكانتنا.
والكبير الذي يعلم أبناءه أن يقولوا: «قد أكون مخطئًا»، يقدم لهم واحدة من أهم أدوات الحياة.
أخلاقيات المسؤولية في العصر الرقمي
لم تعد أخلاقيات الكبار مرتبطة بالشارع والمدرسة ومكان العمل فقط؛ فقد انتقلت إلى العالم الرقمي.
فما يكتبه الكبير على وسائل التواصل الاجتماعي يراه أبناؤه، وما ينشره من أخبار دون تحقق، وما يستخدمه من ألفاظ، وطريقة تعامله مع المختلفين معه، كلها رسائل تربوية غير مباشرة.
ومن أخلاق الكبار في العصر الرقمي ألا يكونوا جزءًا من نشر الشائعات، أو التنمر، أو التشهير، أو انتهاك خصوصية الآخرين.
فالكبير الذي يطلب من أبنائه أن يكونوا مسؤولين على الإنترنت، عليه أولًا أن يقدم لهم نموذجًا مسؤولًا.
أخلاقيات الكبار في العمل
وفي بيئة العمل تظهر الأخلاق الحقيقية بوضوح.
فالمسؤول الأخلاقي لا يميز بين الناس بسبب القرب أو المجاملة، ولا ينسب إنجاز الآخرين إلى نفسه، ولا يعاقب موظفًا لأنه اختلف معه، ولا يستخدم سلطته للضغط أو الإهانة.
كما أن الموظف الكبير في الخبرة أو السن مسؤول عن مساعدة الأصغر منه، ونقل المعرفة إليه، وفتح الطريق أمامه، لا إغلاقه.
فالأخلاق المهنية ليست أن تنجح وحدك، وإنما أن تساعد الآخرين على النجاح دون أن تشعر أن نجاحهم ينتقص منك.
ماذا نترك وراءنا؟
في نهاية المطاف، لن يتذكر الناس كم تحدثنا عن الأخلاق بقدر ما سيتذكرون كيف عاملناهم.
قد ينسى الأبناء كثيرًا من نصائح آبائهم، لكنهم لن ينسوا كيف كان الأب يتعامل مع أمه، وكيف كان يحترم زوجته، وكيف كان يتصرف عندما يغضب.
وقد ينسى الطلاب تفاصيل كثير من الدروس، لكنهم يتذكرون المعلم الذي احترم عقولهم، والمسؤول الذي أنصفهم، والشخص الكبير الذي منحهم الثقة بدلًا من أن يكسرهم.
لذلك فإن أعظم تركة يمكن أن يتركها الكبير ليست المال ولا المنصب ولا الشهرة، وإنما سيرة أخلاقية جميلة يتعلم منها الآخرون.
الكبار مرآة المستقبل
إن المجتمع لا يستطيع أن يطالب أبناءه بالأخلاق إذا كان الكبار يقدمون لهم نماذج معاكسة.
فالطفل الذي يرى الصدق سيكبر وهو أكثر ميلًا إلى الصدق، والذي يرى الاحترام سيتعلم الاحترام، والذي يرى الرحمة سيتعلم الرحمة، والذي يرى العدل سيؤمن بالعدل.
ومن هنا فإن إصلاح أخلاق المجتمع لا يبدأ دائمًا من الطفل، وإنما يبدأ أحيانًا من الكبير الذي يقف أمام الطفل نموذجًا وقدوة.
إن أخلاقيات الكبار ليست قضية عمر، وإنما قضية وعي ومسؤولية وقدوة.
فليس الكبير من تقدم به العمر، ولا من ارتفع منصبه، ولا من كثرت أمواله؛ وإنما الكبير حقًا هو من كبرت أخلاقه، واتسع صدره، وعدل في حكمه، ورحم من حوله، واعترف بخطئه، وحفظ كرامة الآخرين، وترك أثرًا طيبًا أينما مرّ.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي لكل واحد منا أن يسأله لنفسه:
ماذا يتعلم أبنائي، وطلابي، ومن هم أصغر مني، من الطريقة التي أعيش بها؟
فالأجيال القادمة لا تحتاج إلى كبارٍ يتحدثون كثيرًا عن الأخلاق، بقدر حاجتها إلى كبارٍ يمارسون الأخلاق أمامها كل يوم.
.png)