recent
عـــــــاجــــل

الجمهورية العربية السورية بقلم: أيمن حسين السعيد




الجمهورية العربية السورية بقلم: أيمن حسين السعيد




في نهايات عام ألفين وثلاثة عشر، تقدم علي بطلب الإنتساب لما سمي ( لجان الدفاع الوطني) ....كان في الخامسة والعشرين من العمر، طويلاً عريض الصدر --بارزه- والمنكبين مفتول الساعدين قوي الهمة والعزيمة

ليضعوه مباشرة على أول خطوط المعارك التي كانت تجري مابين الجيش والميليشيات الإيرانية،والجيش الحر آنذاك إذ أنه كان قد خدم في القوات الخاصة السورية وتم تسريحه قبل اندلاع انتفاضة الشعب ضد الديكتاتور وحاشيته الفاسدة مطالباً بالإصلاح في بداية الأمر فما كان من السلطات إلا أن فتحت النار على المتظاهرين الذين

كانوا يسقط منهم المئات كل يوم مابين قتيل وجريح مما حدا بهم للمطالبة بإسقاط الديكتاتور نفسه ونظامه

إذ أنه لم يكن هناك فترة بعيدة ما بين تسريح علي من الجيش ومابين التحاقه به ثانية تحت مسمى الدفاع 

الوطني.
كان منزله في نفس الحارة التي كان منزلي فيها إذ أنه لا يوجد بعد مسافة كبير مايقرب المائة والخمسون متراً نزولاً باتجاه الغرب من بيتي الواقع على طريق إسفلتي يقسم القرية إلى جنوبية وشمالية فكان لا بد من أن أمر بمحاذاة داره التي كان على جدرانها من اليمين 

والشمال عشرات الأبواب والنوافذ المصنوعة من الألمنيوم وغرفة جلوس فخمة منجدة بقماش كحلي معرق باللون الأصفر إذ أنه بعد التحاقه لم يترك منزلاً مهجوراً في القرية سواء أكان للثوار- وكنا نصفهم بالمسلحين الإرهابيين بحكم تواجد الجيش السوري ومخابراته الجوية والعسكرية -أم كان هذا المنزل المهجور لنازحين لا علاقة لهم بطرفي الصراع قد نزحوا من كثرة اشتداد المعارك مابين الثوار والجيش 

فما أن تخرج رصاصة من بين بيوت القرية حتى يتم الرد بقصف مدفعي عنيف من قبل الجيش على بيوت 

الناس وبشكل عشوائي دون أن يكلف نفسه هذا الجيش عناء التريث والإستخبارات عن مكان وجهة مصدر النيران وكأن أرواح جميع من في القرية كانت لا قيمة لها بنظر الجيش السوري الذي كان من مكون ولون معين واحد لإنشقاق معظم العساكر والجنود والضباط عنه لرفضهم إطلاق النار على أهاليهم والناس الأبرياء بشكل عشوائي.

كان متغيباً عن المنزل منذ فترة لا بأس بها فمعارك حلب الشرقية ومنطقة حندرات وقتها كان حامياً وطيسها ما بين كر وفر لهذا أو ذاك حسب ماكنت أسمع من وسائل الإعلام المرئية ومن صفحات التواصل الإجتماعي الفيس بوك.


استيقظت مبكراً كعادتي وصعدت عبر طلعة الطريق الإسفلتي باتجاه فرن القرية الآلي إذ في هذا الوقت

يكون الخبز ناضجاً ....جيداً وعجينه مخمرممتازكون وجبات الصباح الباكر مخصصةً للجيش وليس لأهالي القرية مستغلاً معرفتي بمستثمر الفرن الذي كان على

صلة جيدة معي ومن القربى وكنت أدخل الفرن منتقياً الخبزات رغيفاً .....رغيفاً...وطازجاً مثيراً شهوة البطن لمنظره المنتفخ ووجهه الأحمر ورائحته الذكية...فكان لا بد من أن أستفتح صباحي برغيف طازج رغماً عن إرادتي مع العلم أني لم أكن أحبذ.... الأكل لوحدي
كي أستطيع تناول الفطور مع الأولاد ...قبل ذهابي وإياهم إلى المدرسة.

عائداً بالخبز إلى البيت فأتركه لزوجتي في البيت كي تفتحه إلى شريحتين ونصفين كي لا يعجن كما نقول 

بالعامية الدارجة كونه ساخناً

فأنزل باتجاه دار علي ومن بعدها إلى سوق القرية حيث أشتري اللبن والحليب وطلبات بقائمة يومية 

من زوجتي...التي كنت أرصد الطلبات فيها طلباً تلو الآخر حتى انتهيت وبينا أنا في طريق العودة والشمس لم تشرق بعد ولكن شقشقة ضوء الصباح واضحة حيث السماء صافية في فبراير من العام ألفين وأربعة عشر.

وإذ بعلي وحوله جمهرة من الجيران ومن بعيد أسمع

صوته العالي يقول لكل واحد منهم منادياً باسمه

-الله يسلمك أبو عادل عاراسي والله

حتى وصلت فكان لا بد من تهنئته بعودته سالماً من معارك حلب التي كانت آنذاك دائرة وحامية الوطيس
-الحمد لله على السلامة أخي علي 

وأخذني معانقاً 

-الله يسلمك أبو حسين الغالي على راسي والله.

وضعت الأغراض أرضاً وجلست على كرسي وثير من خشب الزان المطلي بلون بني محروق وأعرف صاحبه وهو كان قد قدم استقالته كمهندس في وزارة الزراعة وكان أول المهاجرين إلى ألمانيا في بداية العام ألفين واثنا عشر...مستقراً في مدينة ميونيخ.
ولكن كنت أرى أنه ليس من المناسب أن أقول له هذه الديوانات والموبيليا هي للمهندس محمد وهو ليس مسلحاً ولا إرهابياً فلما استوليت عليها وكنت أردد بيني وبين نفسي مقولة لكل زمان دولة ورجال دولة لصوص وحماتها من اللصوص فلا عجب في الأمر .
وتقدم مني أحد الجيران وسكب لي من دلة نحاسية فاخرة وقديمة العهد بنقوشها المسكوكة عليها بفنجان من نحاس القهوة المرة فبُهِت لمعرفتي أن هذه الدلة لعمي الرجل المسن النازح الذي لم يبق أحد من بناته المتزوجات حوله وبعد أن قتل الجيش بقصف مدفعي زوجته قام ابنه الوحيد وابن عمي بتزويجه من امرأة مستورة من معرة النعمان بعد أن اشترى بيتاً له في سلقين.
 أكرمه الله منها بولد آخر وبنت وظلت ترعى شؤونه حتى وفاته في العام ألفين وسبعة عشر وقبل أن أرتشف القهوة المرة سألت جاري الساقي هامساً في أذنه .

-من صاحب هذه الدلة 

-فقال:المعلم أبو عبدو علي جارنا

-والله ليست ملكه بل هي لعمي النازح فأنا أعرفها تماماً

-فقال هامساًأيضاً : لا تدقق ادخل داره ففي ساحتها وحديقتها أغراض ومتاع وأثاث بيوت جميع النازحين والمهجرين والمسلحين استولى عليها بغير حق ولكن

العميد يوسف أباح له ولعناصر الجيش واللجان حرية الإستيلاء عليها بحجة .....أن عمك وغير عمك من المسلحين..

-آيواااا...كملِت والله مع الناس حتى بيوتهم لم تسلم من السرقة.

- نعم مثلها مثل أراضيهم من الزيتون ألم يستولي عليها الجيش والشبيحة وقطفوا أراضي جميع الغائبين عن القرية بحجة أنهم مسلحون.

-نعم
وأكمل مسيره وصبه للقهوة بدلة عمي بينما كان قلبي يعتصر ألماً لما وصلت به حال الناس في القرية.

بينما كان علي يتحدث بصوته العالي كالعادة متفاخراً

ببطولاته وقتله لأكثر من خمسين من المسلحين الإرهابيين حسبما كان يسميهم.

-ولكن في معركة (حندراات )من المعارك عاهدت الله بعد أن حاصرنا الإرهابيون من كل جهة إن نجوت من الموت... 

سأترك اللجان وسأتوب إلى الله.

فقلت له :هل تم ذلك.

فقال: نعم النشامى من جماعة حزب الله والحرس الثوري الإيراني فكوا حصارنا ودخلوا بقوة لم يتركوا 

صغيراً أم كبيراً إمرأة أو شيخاً إلا ذبحوه .

-وهل كانوا مسلحين هؤلاء

-ماتقول يارجل ليسوا مسلحين ولكن المجانين لما يبقون في مناطق المسلحين وجودهم بينهم من تسبب بذبحهم وهؤلاء لا يرحمون الله يخرب بيتهم وحوش.


لم أعقب ولكن استهجنت في سريرتي فعل هذه الميليشيات الطائفية التي علمت عبر وسائل الإعلام

عن مجازر فظيعة ارتكبوها بحق أهلنا العزل في مناطق حلب الشرقية وحندرات.

ولكن لكي أُخلِّص ضميري وذمتي قلت له :

-ياجاري علي وقع عليك ماعاهدت الله عليه فالعهد لربك يجب أن توفي به...وتتوب وترتجع إلى الله.
فضحك مُقهقهاً وقال :

-إن شاء الله جاري أبو حسين إن شاء الله.

فقمت من مجلسي مكرراً الحمد على سلامته وأخذت الأغراض وعدت إلى بيتي حزيناً لما وصلنا به في الوطن من حال وغضباناً من وحشية الميليشيات الإيرانية التي تبعد عنا عشرات الآلاف من....... الكيلومترات فما دخلها بنا وبشؤوننا نحن السوريون والذين لم نكن نعرف الأحقاد قبل تدخل إيران وعبر ميليشياتها الطائفية الحاقدة في سورية.

لم أعد مذ هذه الجلسة أحب الجلوس عنده وعلى كراسيه ومجلسه المسروق مكتفياً بالسلام عليه عندما 

أضطر للمرور أمام داره التي كان دائماً يتواجد أمامها 

جمهرته المعتادة من العساكر والجيران وبعض من أصدقائه في الدفاع الوطني و أقاربه.

توفي أحد أصدقائه الذين كان يحبهم ومشتركاً معه في سرقة بيوت الناس المهجرة والنازحة والذين حملوا السلاح ضد الدولة بعد أن قُتِل الكثير من أحبابهم إما بقصف مدفعي أو بالبراميل المتفجرة التي كان يرمي بها الطيران المروحي السوري على منازلهم فتدمرها وتقتل من فيها.
هذا الصديق لعلي توفي بينا كان في نوبة رباطٍ ليلي 

في جبل الأربعين حيث أنه بعد انتهاء نوبة حراسته

ومن شدة الجوع أوقد ناراً ليشوي عليها أقراص وثمار 

الفطر التي كان قد قطفها نهاراً وبينا النار كانت متقدة 

وبدأ بشي ثمار الفطر انفجرت عبوة متفجرة من تحت النار المتقدة لوصول الحرارة لها كما سمعت من أهل القرية والبعض الآخر قال أن لغماً انفجر به أثناء شيه لثمار الفطر فقتله وأحاله أشلاء وقُتِل اثنان آخران وأصيب العشرات من الموجودين معه بجراح إذ انهار مبنى الحراسة عليهم بالكامل جراء الإنفجار.


علِم علي بمصرع صديقه حيث كان يخوض معركة في حلب الشرقية جنب إلى جنب .......مع الميليشيات الإيرانية.
فأصر علي على أهل صديقه أن لا يدفنوه حتى يصل غداً حيث يكون دوره في تبادل فوجه القتالي وسيحين دوره في استراحةٍ مدتها ثلاثة أيام ولأنه حزين عليه فقد وعد والده بزفة لصديقه لم تشهد لها القرية مثيلاً لها نكايةً بالمسلحين الأوباش حسب زعمه .
أذعن والد صديقه لطلب علي إذ أنه أبقى تابوت ما تبقى من أشلاء ابنه في ثلاجة الموتى في المستشفى
 الوطني بادلب...

كان الناس متهيأين لدفن صديق علي عصر اليوم حسب ما أذاع مؤذن القرية عبر مكبرات الصوت ولكن المؤذن عاد وعبر مكبرات الصوت أعلن بأن :

- إلى أهالي القرية الكرام زفة الشهيد ودفنه سيتمان غداً بعد صلاة الظهر إن شاء الله ..إنا لله وإنا إليه راجعون...الفاتحة..

ماقبل صلاة الظهر كان العساكر يمرون على منازل القرية يطلبون منهم حضور الجنازة تحت طائلة المسائلة وتحمل المسؤولية لمن لا يحضر وطالبوهم بخروج الجميع رجالاً ونساءً وشيباً وشبانا صغاراً وكباراً والتجمع في ساحة المقبرة الفوقانية للجميع

بعد صلاة الظهر وعند خروجي والناس من المسجد

القريب من المقبرة التي تبعد عنه إلى الشرق حوالي خمسمائة متر حيث هي في أرض الوقف و مشجرة 
بالزيتون ويمتد عمرها لأكثر من مائة وخمسين سنة 

كان صوت الرصاص مدوياً عرف القاصي والداني ربما 
في جبل الزاوية كله بسبب الصدى المتردد عبر الصخور والأودية بما يجري في القرية من تشييع لصديق علي الذي عقبت إحدى

 نساء القرية السليطات اللسان...على موته قائلة:
-صرعونا فيه من كثرة ما هو فجعان ومتوحم على الفطر قتل نفسه ورفاقه والله موكب الكبير والد الكبير
لم يضربوا فيه رصاصاً كما ضربوا لهذا أبو الفطر.


التقيت بموكب الجنازة الذي كانت تتقدمه سيارة العقيد حسن الذي كان خلوقاً وهادئاً وكان يمد برأسه من نافذة السيارة الخاصة به صارخاً.

-كفاكم إطلاق رصاص كفاكم إطلاق رصاص مشيراً بيده لموكب النعش المحمول على سيارة كيا مكشوفة 

وحوله زملاؤه الذي بلغ عددهم...... مايقارب العشرة

أشخاص بينهم علي الذي كان أكثرهم إطلاقاً للرصاص 

ففوهة بندقيته الكلاشينكوف كانت تلمع منها بصيص نار الرصاصات وبعض الدخان مما أضفى الرعب على موكب الجنازة حيث لم يكن مهيباً فحتى السيارات 

المدنية والعسكرية خلف سيارة النعش......المحمول عليها كانت تمشي ببطء خوفاً وتحسباً من حركة طائشة من قبل المطلقين فتصيبهم رصاصاتهم.

وصل موكب الجنازة ساحة المقبرة وتم وضعه لجهة 
الجنوب فيما كنا نسمع الرصاص وزغاريد خالات الميت...حتى أعلن أستاذ الشريعة عن تهيؤ االناس لصلاة الجنازة شارحاً لهم كيفية أدائها ليسود صمت رهيب...فاستأذن العقيد حسن الشيخ للكلام قائلاً

-الرجاء الرجاء منكم عدم إطلاق الرصاص 


وإذ بعلي يرفع صوته ويده الموشومة بوشم سيف سيدنا علي كرم االله وجهه قائلاً:

-سيدي بل سنطلق إذا لم نطلق النار في زفة شهيدنا 

أخي وصديقي الغالي فالجنازة لا طعم لها.

-أنا أحذر من إطلاق النار خوفاً على سلامتك ووسلامتنا وسلامة الموجودين معنا.

-ولا يهمك سيدي أنت والكبير في عيوننا

-حسناً تفضل شيخي باشر بالصلاة.

وما إن انتهت الصلاة تراجعت الناس للخلف وهربت من كثرة إطلاق النار الذي أصبح عن يميني وعن شمالي بينا نسير خلف النعش وإذا بأحد الفتيان المطلقين للنار يفقد التحكم ببندقيته لتخرج رصاصة أشتم على أثرها رائحة شعري المحروق والكثيف فأنظر له بازدراء وغضب بينما هو ابتسم وقال:

 حصل خيراً الحمدلله على السلامة 

فيما يتقدم العساكر حاملين النعش على أكتافهم وسط 

إطلاق رصاص كثيف وجنوني مرعب سمعت صيدلي

القرية يصرخ في وجه علي 


-هديء من روعك ياعلي هذه جنازة وليست حندرات

فرد علي غاضباً 

-اتركنا منك دكتور نحن جميعاً فداء صباط ( حذاء)

الكبير

كانت هذه آخر كلماته حيث نفدت رصاصات مخزنه فنزل على ركبة ونصف ليضع المخزن الإحتياطي بينا إصبعه على الزناد مستعجلاً خرجت رصاصتين مخترقتين فكه السفلي لتخرجا من نصف راسه فيما تدلى لسانه خارج 


فمه مسافة شبر كامل مرتمياً بلا حراك فيما عينيه جاحظتين وبارودته عند قدميِّ وبجانبه صيدلي القرية -قبل باب المقبرة -.....

فحملوه ووضعوه(العساكر والعقيد حسن) ...بسيارة الفان التي تقدمت مسرعة لإسعافه وأغلقوا بعجلة باب السيارة الخلفي على يده

 التي كانت ممدودة للخارج ثم أعيد فتح الباب وإدخالها متوجهين به إلى جسر االشغور ليأتوا بشهادة وفاته وجثته التي أثناء غسلها

 لم يستطيعوا إدخال لسانه المتدلي داخل فمه مطلقاً


لم يُوفِ ماعاهد الله عليه ولم يَتبْ ومات فداء 


صباط وحذاء الكبير.


google-playkhamsatmostaqltradent