رثائي لأمي
بقلم:عصام محمد عبد القادر سيد
قال ربي من فوق سبع سماوات : (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) الإسراء: 23
خصني ربي بأم تمتلك مهارات الأمومة التي يتمناها الإنسان على وجه البسيطة؛ فقد كانت أمي رحمة الله تعالى عليها حنونة على أبنائها وعلى من يتواصل معها ممن له صلة قرابة بها أو لم يكن، بحنانها امتلكت قلوب الجميع، وبات هذا الحنان بالنسبة لي مصدراً للقوة، وداحضاً لليأس، يملئ طيات نفسي بالدفء فيجعلها هادئة مستقرة، ويبعدها على الأحقاد، وما تسول له الأنفس تجاه بني البشر.
كانت أمي رحمة الله تعالى عليها قوية، تتحمل المسؤولية، وتشارك في بناء بيتها وإدارة شؤونه على الوجه الذي يتمناه الرجل؛ فتخفف عنه الأثقال وأعباء الحياة، وتهون عليه مشاق الحياة، ولا تترك للهموم والمشكلات الأسرية الطارئة منزعاً يحد من عزيمتها؛ فتواكلها على ربها مع العمل في كل أمر وكل صباح تشرق فيه الشمس؛ فهي من علمتني (بسم الله توكلت على الله ... اللهم عليك توكلت ... وإليك أنبت ... وإليك المرجع والمصير).
كانت أمي رحمة الله تعالى عليها قريبة من ربها، متمسكة بدينها، مرابطة على الذكر والشكر والحمد، سعت لبيته الحرام بمكة المكرمة بشغف وعشق، تستمع للقرآن، وتحرص على صلواتها، وتستمع لكلام الصالحين من عباده عبر المنابر الدعوية الوسطية ... تقبل الله منك يا أمي ... ورضي عنك وأرضاك وجعل الفردوس الأعلى مستقرك.
كانت أمي رحمة الله تعالى عليها معطاءة، تعرف جيدا أضرب الخير وتسعى إليها، ويأتيها من يحبهم الله من الفقراء والمساكين بموطنها محبين لها، حتى صارت علاقتها بهم وطيدة، لا ترتبط بالعطاء وفقط؛ لكن يكسوها التواصل الاجتماعي؛ فإذا ما غابت شمسها عن موطنها لا ينقطع السؤال عنها وعن أحوالها، وفي المقابل تتواصل أمي معهم بطرق كثيرة عبر أولادها ومن تثق فيهم، جعله الله في ميزان حسناتك يا أمي... وأعاننا الله على الوصال.
كانت أمي رحمة الله تعالى عليها صاحبة فطنة، تتعامل في المواقف الحياتية العصيبة بهدوء وتريث، وتستقرء آليات التعامل البسيطة والمؤثرة، والتي أثبتت فعاليتها ونجاحها منذ خلق آدم عليه السلام؛ حيث تقبل الطرف الآخر واحتوائه، والوصول به لقناعات يحالفها الصواب؛ فكم من بيت عمر على يديك يا أمي، ممن ينتمون لنسلك، وممن تربطهم بك صلة قرابة، وممن تربطك بهم حسن العشرة والوصال ... تقبلك الله في الصالحين يا أمي.
كانت أمي رحمة الله تعالى عليها متفاءلة، وكيف لا...!!! فقد جاهدت مع أبي رحمة الله عليه، وأحدثوا نهضة وطفرة في تربية أبنائهم، برغم حظهم المتواضع في التعليم؛ فقد تعلم الأبناء جميعاً تعليماً عالياً في زمن لا يشكل التعليم لدى غالبية الأسر أمراً بالغاً، كما تكاتفت مع أبي رحمة الله عليه، في توفير متطلبات الحياة التي لا تنتهي، فصار مكانهما نموذجاً يتطلع إليه الكثير ... جزاك الله عنا خير الجزاء يا أمي.
كانت أمي رحمة الله تعالى عليها تكن لي محبة خاصة؛ نظراً للظروف المرضية التي مررت بها بعد ميلادي بأربعين يوماً؛ حيث كابدت في علاجي، وطرقت كافة السبل، حتى أذن الله بذلك في عامي الثالث، احطتني بالرعاية في مهد الحياة، واستمرت تلك الرعاية وهذا الحنان المنهمر حتى فاضتت روحها الطاهرة ... فمن أين لى به الآن ... اللهم رحمتك بأمي وبعبدك الضعيف.
كانت أمي رحمة الله تعالى عليها تحمل الدعاء الطيب على لسانها الطاهر، ولا تنسى أحداً من أولادها في دعائها دبر كل صلاة، وفي أوقات الذكر والشكر، وجميعنا يهرع إليها بطلب الدعاء عند الحاجة، وفي الأوقات الشديدة، يارب أجعل دعائها لنا زخراً في الدارين، وأجعلنا يارب بارين لها ما حيينا.
كانت أمي رحمة الله تعالى عليها صبورة في تحملها لعناء المرض رغم شدته في يومها الآخير؛ لكنها رغبت في صعود روحها لبارئها الرحمن الرحيم بها؛ كي لا تشق علينا، وتنال أيام المغفرة في شهر رمضان الكريم، وقد حقق لها المولى ما تمنت، ولم تعاني القعود للحظة واحدة؛ فمن دعواتها التي احفظها عنها رحمة الله عليها ... اللهم اقبضني ساجدة أو ماشية ... ولا تحوجني لأحد من خلقك ... أسكنك ربي الفردوس الأعلى يا أمي وجعل مقعدك بين الصديقين والنبيين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً.
عزائي في أمي لا ينتهي ... وخواطري معها لا تنقطع ما حييت ... وبري لها مستدام أعاني الله عليه؛ فأشهد رب السماوات والأرض على محبتك وفؤداي المنفطر على فراقك يا أمي...!!!
اللهم أرحم آبائنا وأمهاتنا، وأعنا على مواصلة برهم في مماتهم، وحسن بفضلك وجودك تربية أبنائنا على برنا في الدارين ... اللهم آمين.
