حكاياتي:ما أوحشك يا رمضان
بقلم :كوثر زكي
يمر رمضان فى أيامه الأخيرة كطرفة العين تاركا فى نفوسنا شجن الرحيل لشهر يتوب فيه العاصى ويتقرب إلى الله ويزيد من مرضاته المؤمن الكيس طمعا فى رحمته ومغفرته فى هذا الشهر الكريم الذى ترفع فيه أعمالنا أملا أن يرضى الله عنا ويبلغنا رمضان وتبقى الجمعة اليتيمة كما أطلق عليها أهالى المحروسة كما لو كان بإنتهاء هذا الشهر فقدوا الأب والحامى من المعاصى ومزيد الحسنات والتقرب إلى الله....
جرت العادة فى مصر فى العصور الوسطى ، منذ عهد الفاطميين ،أن يصلى الخليفة أيام الجمع الثلاث ، الثانية والثالثة من رمضان فى مساجد الحاكم والأزهر أما الجمعة الرابعة فكان يؤديها فى جامع عمرو بن العاص بالفسطاط . وكان يصاحب هذه الصلوات عادات وتقاليد خاصة فقد كان يصرف من خزانة التوابل الند ( البخور ) وماء الورد والعود لكى يبخر ويعطر به الموكب والمسجد ، وكان موكب الخليفة يحاط بالكثير من مظاهر العظمة ، أما المسجد فكان يفرش بالفرش المختص بالخليفة يحمله كبار الفراشين وهو من الحرير الأحمر الديبقى ( مدينة قرب دمياط ) ويعلق على المحراب ستران مرقوم فيهما بالحريرالأحمر بعض قصار السور من القرآن الكريم . ثم يصعد قاضى القضاة وفى يده مبخرة من الفضة المطعمة بالذهب فيها ند لايشم مثله إلا هناك فيبخر ذروة المنبر التى عليها القبة المعدة لجلوس الخليفة للخطبة . ويركب الخليفة بملابسه البيضاء غير المذهبة توقيرا لصلاة الجمعة وحول ركابه عدا الحرس قراء القصر من الجانبين يرفعون أصواتهم بالقراءة مناوبة من حين ركوبه من القصر إلى حين دخوله قاعة الخطابة ، فيدخل من باب
الخطابة فيجلس فيها وإن أحتاج إلى تجديد وضوئه فعل . وعقب الصلاة يذاع بلاغ رسمى يعرف بإسم "" سجل البشارة""
أما فى عصر الملكية فقد تعود الملك فاروق أن يصلى الجمعة الأخيرة ( الجمعة اليتيمة ) من شهر رمضان فى جامع عمرو بن العاص بمصر العتيقة . وفى يوم الجمعة 23 رمضان 1364 هجريا ( 31 أغسطس 1945 م ) أعتذر فاروق عن الذهاب بنفسه وأناب عنه دولة محمود فهمى النقراشى باشا رئيس الوزراء حيث كان المسجد فى ذلك اليوم حاشدا بكبار ضباط الجيش وكبار الموظفين ورفع يده بتحية السلام الملكى عند وصوله للمسجد وكان من أشهر أحداث شهر رمضان عام 1945 هو إنتهاء الحرب العالمية عقب إلقاء أمريكا لقنبلتين ذريتين على مدينيتى"" ناجازاكى وهيروشيما""وفى هذاالعام أيضا كان ظهور كتاب ( جنة الشوك ) لطه حسين ورواية ( قنديل أم هاشم )ليحيى حقى، (القاهرة الجديدة ) لنجيب محفوظ ...
ووفاة شيخ الأزهر محمد مصطفى المراغى وأحمد زيور باشا رئيس الوزراء السابق ود . مححجوب ثابت الطبيب الوطنى وأحد ظرفاء عصره فقد كان طعم رمضان فى هذا العام ذو مذاق خاص تملؤه الفرحة والسرور والشعور بالأمان وبمناسبة ذلك أقام الملك فاروق العديد من المآدب الرمضانية لكل أطياف شعب المحروسة للموظفين والعمال والغرباء والفقراء فى مأدبة إفطار أقيمت بقصر عابدين لشيوخ الطرق الصوفية وأئمة المساجد والطلبة الغرباء وتبارى الخطباء والشعراء فى إلقاء كلماتهم وقصائدهم
وقد شدى الفنان كارم محمود بأغنيته الشهيرة فى وداع رمضان :
ما أوحش الرحمن منك دعاءنا
يا عينى جودى بالدموع وودعى
شهر الصيام تشوقا وحنانا
وفيه أستجاب الله دعانا
