recent
أخبار ساخنة

مستقبل التعاون الأمني والدفاعي بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي بعد البريكست


مستقبل التعاون الأمني والدفاعي بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي بعد البريكست

أنـدرو ألبيـــر شوقي

باحث سياسي- مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار 

بعد ما يقرب من 50 عامًا في الاتحاد الأوروبي، بدأت المملكة المتحدة فصلًا جديدًا في تاريخها بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، وإبرامها لاتفاقية تجارية، دخلت حيز التنفيذ في 1 يناير 2021، إلا أن مجال التعاون الأمني والدفاعي لا يزال غير مؤكَّد بين الطرفين، فبينما يتوقَّع البعض أن تسعى بريطانيا إلى إتمام صفقة أمنية ودفاعية مع الاتحاد الأوروبي، يرى البعض الآخر أن لندن تتجاهل بشكل متعمّد بروكسل، وتريد تنشيط شراكتها مع بقية دول العالم، تحت مسمى "بريطانيا العالمية".

في هذا السياق، يتناول المقال ثلاثة محاور رئيسة لتحديد مستقبل العلاقات الأمنية والدفاعية بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي بعد البريكست؛ حيث يتناول المحور الأول التوقُّعات الإيجابية التي كانت تُرجِّح إتمام اتفاق أمني ودفاعي بين الطرفين، ويناقش المحور الثاني أسباب تعثر الوصول إلى اتفاق، ويسلِّط المحور الأخير الضوء على تقرير "بريطانيا العالمية" والذي يكشف مدى إمكانية إتمام شراكة مستقبلية بينهما.

أولًا: التفاؤل بشأن التوصل إلى اتفاق أمني ودفاعي بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا 

أظهر كلٌ من الاتحاد الأوروبي وبريطانيا استعدادهما للتحرك نحو سياسة خارجية ودفاعية أكثر تقاربًا حتى عام 2019؛ فمن جانب الاتحاد الأوروبي، كانت بروكسل تدرك حقيقة مفادها أن المملكة المتحدة هي أقوى قوة دفاعية في الاتحاد الأوروبي، وواحدة من دولتين في الاتحاد تمتلكان قدرات عسكرية هائلة، بما في ذلك قوة الردع النووي، كما أنها واحدة من ست دول أعضاء فقط تمتثل لمتطلبات حلف الناتو المتمثلة في إنفاق 2٪ من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع. 

وعلى الجانب الآخر، كان خطاب رئيسة الوزراء البريطانية السابقة "تريزا ماي" هو المحفز لإمكانية التوصل إلى اتفاق شراكة حقيقي بشأن قضايا الأمن والدفاع وكذلك التجارة، إذ كانت نغمة "ماي" أكثر تصالحية من اللغة الصارمة التي استخدمها رئيس الوزراء الحالي "بوريس جونسون" للإشارة إلى المفاوضات المتعلقة بإمكانية التوصل إلى اتفاق تجاري بين الطرفين.

وفي هذا الإطار، حدّدت " تريزا ماي" في مؤتمر "ميونخ" للأمن عام 2018 سببين لرغبة المملكة المتحدة في التعاون الوثيق مع الاتحاد الأوروبي في مجال السياسة الخارجية والأمنية؛ الأول: رغبة بريطانيا في تجنب الاستبعاد من المناقشات الدبلوماسية الأوروبية الرئيسة، والثاني: حرص لندن على الانخراط في مجال الصناعات العسكرية الأوروبية، وكذلك الحفاظ على وصولها إلى السوق العسكرية الأوروبية، وكذلك مشروعات التعاون العسكرية المستقبلية، مثل صندوق البيئة الدفاعي (Environment defense fund).

وثمّة أسباب وراء التفاؤل الحذر الذي ساد دوائر صنع القرار الغربية بأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيصاحبه مزيد من التعاون في العلاقات الدفاعية -الأمنية بين الطرفين:

1.  لا يغير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الموقع الجغرافي للمملكة المتحدة؛ حيث ستستمر المملكة والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في العيش في ذات البيئة الاستراتيجية والأمنية داخل أوروبا، وبالتالي، سيواجهان معًا نفس التهديدات الأمنية والجيوسياسية، بما في ذلك، تنامي النفوذ الروسي في القارة الأوروبية، والتحديات المتعلقة بظواهر الهجرة، واللجوء، والإرهاب، والتغيرات المناخية.

2.  نادرًا ما تخضع قضايا الأمن والدفاع، على الأقل بين الحلفاء، إلى نوع من المساومة أو المكاسب النسبية التي قد تحكم الاتفاقيات الاقتصادية، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أن الأمن غير قابل للتجزئة، فإذا خسر أحد الفاعلين، تخسر جميع الجهات الفاعلة الأخرى. 

3. أن عدم التعاون بين بريطانيا وأوروبا سيفقد الاتحاد الأوروبي مساهمًا رئيسًا في مجال الأمن والدفاع، ومن ناحية أخرى، ستفقد المملكة المتحدة القدرة على الوصول إلى المنتديات الرئيسة للتنسيق مع شركائها الأوروبيين في المجال العسكري، فعلى أقل تقدير، سوف تخسر بريطانيا مشاركتها في التزامات "السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة للاتحاد الأوروبي" (The Common security and Defense Policy). 

4. تزايد اهتمام بروكسل بالآليات الدفاعية الأوروبية لتأمين القارة من التهديدات الخارجية، وذلك كرد فعل على فك الارتباط الأمريكي بشكل ملحوظ مع أوروبا، وتراجع التوافق في حلف الناتو خلال فترة حكم الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، ولذلك، كان يُعتقد أن الأوروبيين كانوا يأملون في تطوير إطار أمن جماعي مع بريطانيا تعويضًا عن تراجع آلية الدفاع الجماعي "الناتو"، والتي أصيبت "بشلل دماغي" كما وصفها الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون".  

5. رغبة المملكة المتحدة في تعويض الروابط المؤسسية المفقودة، ومن ثمّ تمثلت رؤية بريطانيا في الشراكة الأمنية مع الاتحاد الأوروبي من خلال تبادل البيانات والمعلومات المهمة، وكذلك التعاون في ملفات الجريمة المنظمة والإرهاب، فضلًا عن استمرار مشاركتها في الوكالات الرئيسة للاتحاد الأوروبي، مثل: وكالة "يوروجاس" (Eurogas) و"يوروبول" (Europol)، وذلك بموجب ترتيبات جديدة تعترف بشراكة المملكة المتحدة دون أن تكون دولة عضوًا في الاتحاد.

وهكذا، كان يدرك الطرفان أن مثل هذه الترتيبات، المتعلقة بالدفاع والأمن، تأتي بتكلفة سيادة أقل من الاتفاقيات التي ترتبط بالتجارة والسوق المشتركة ومسألة مصايد الأسماك وقضايا الهجرة واللجوء، ولكن مع تولِّي "بوريس جونسون" منصب رئاسة الوزراء خلفًا لـ " تريزا ماي" في يوليو 2019، أعطت المملكة المتحدة الأولوية للاقتصاد، وبدا الطرفان أكثر انشغالًا بكيفية التوصل إلى صفقة تجارية بينهما، وهكذا تراجع الاهتمام بضرورة التوصل إلى اتفاق بشأن المجال الأمني والدفاعي،  ومما لا يثير الدهشة، أن "اتفاق التجارة والتعاون بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة"، والذي تمَّ الانتهاء منه في 24 ديسمبر 2020، ودخل حيز التنفيذ في 1 يناير 2021، لم يتضمَّن أية أحكام تتعلق بمجالات السياسة الخارجية والدفاع والأمن. 

google-playkhamsatmostaqltradent