recent
عـــــــاجــــل

الإرهاب الدولي في عصر التحول الرقمي

 



الإرهاب الدولي في عصر التحول الرقمي



















 

في ضوء التطورات المتلاحقة التي أعقبت سيطرة حركة طالبان على السلطة في أفغانستان، بالتزامن مع الانسحاب الأمريكي، تصاعدت حدة المخاوف من تنامي ظاهرة الإرهاب.

 

ومع التطورات التكنولوجية سريعة الوتيرة، تزداد ظاهرة الإرهاب خطورة؛ إذ اسْتُحدثت مفاهيم جديدة مؤخرًا وثيقة الصلة بمفهوم الإرهاب من قبيل الإرهاب السيبراني واستخدامه لتصفية الحسابات بين الدول وخصومها. ومن ثم، بات الإرهاب تحديًا جسيمًا يُهدِّد الأمن والسلم الدولييْن. الأمر الذي يتطلب تضافر الجهود الدولية من أجل ملاحقة الإرهابيين وتجفيف منابع الإرهاب، وكذا تبادل الخبرات والتجارب بشأن الأدوات والسياسات الأكثر فاعلية لمجابهته.

 

وانطلاقًا مما سبق، يسلط هذا المقال الضوء على المفاهيم المتصلة بمفهوم الإرهاب؛ لعل أبرزها الإرهاب السيبراني أو الإلكتروني، والإرهاب البيولوجي، والإرهاب النووي، وكذا الفاعلين المسلحين من غير الدول، والفرق بين الإرهاب والتطرف.


كما يعرض المقال مؤشرات وحقائق حول ظاهرة الإرهاب؛ وفي مقدمتها مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2020، ومؤشر "بازل" لمكافحة تمويل الإرهاب 2021، كما تطرَّق العدد إلى تطور ظاهرة الإرهاب في عصر التحول الرقمي، ودور الذكاء الاصطناعي في مكافحتها، بالإضافة إلى الهجمات السيبرانية باعتبارها الوجه الآخر لتصفية الحسابات بين الخصوم.

 





ساهمت التطورات الاجتماعية والتكنولوجية التي لحقت بالعالم منذ انتهاء الحرب الباردة في تغيير طبيعة الإرهاب ورسالته وأهدافه، فلم يعد ظاهرة داخلية، بل أضحى ظاهرة عالمية، فلم تعد هناك دولة واحدة محصنة ضد العمليات الإرهابية حتى لو كانت على مستوى عالٍ من الاستعداد التكنولوجي والأمني.


وفي هذا السياق، يمكن القول إن الإرهاب الدولي يتعلق بالأعمال العنيفة المنافية للقوانين التي تنفذها جماعات مسلحة أو منظمات أجنبية تتسم بطبيعتها العابرة للحدود، وتتأثر بالتطورات العالمية الراهنة، وعلى رأسها الثورة التكنولوجية التي عززت من قدرة الشبكات الإرهابية على نشر أفكارها المتطرفة عبر وسائل التكنولوجيا المختلفة، التي يتم استخدامها في الحصول على التمويلات وفي عمليات نقل الأموال عبر الإنترنت إلى مختلف الوكلاء حول العالم، وكذا في عمليات شراء المعدات، أو جمع المعلومات أو تجنيد المزيد من الأفراد وتدريبهم على أشكال القتال المتباينة، فضلًا عن الترويج لأنشطة الشبكات الإرهابية المتنوعة باستخدام الأشكال الدعائية كافة؛ الأمر الذي جعل الإرهاب الراهن أكثر تعقيدًا، وبالتبعية بات من الصعب محاربته بالطرق التقليدية. 


فلم تعد الشبكات الإرهابية تقتصر على وسيلة تواصل واحدة؛ إذ أصبحت تسخِّر جميع أشكال الاتصالات لتحقيق مآربها، بدءًا من الهاتف المحمول وصولًا إلى البريد الإلكتروني ومواقع الإنترنت المختلفة –خاصة وسائل التواصل الاجتماعي- التي باتت وسيلة رئيسة في تجنيد الأفراد –خاصة المهمشين في مجتمعاتهم- المتواجدين في مساحات جغرافية وثقافية مختلفة، وفي تشجيعهم على الانتقال من بلادهم إلى أماكن النزاع المختلفة؛ بهدف الارتقاء بمكانتهم الاجتماعية أو تحقيق أهدافهم السامية التي انضموا للجماعات الإرهابية بسببها، كما يتم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي الآن للتنسيق بين أفراد الشبكات الإرهابية المختلفة أثناء تنفيذ العمليات الإرهابية، وهو الأمر الذي كان صعبًا قبل ظهور الثورة التكنولوجية.


ومن الجدير بالذكر أن التطور الذي طال شبكات النقل والمواصلات قد سخَّر الوقت وقلل الجهود المبذولة من جانب الشبكات الإرهابية؛ إذ باتت أسرع وأكثر قدرة على الانتقال من مكان إلى آخر، كما قلَّ الوقت الزمني الذي كانت تحتاجه لتخطيط وتنفيذ عمليات إرهابية في مكان ما.


ومن المثير للقلق تنوع الأسلحة التي تستخدمها الجماعات الإرهابية الراهنة، والتي ساعدتهم على أن يكونوا أكثر قدرة على استهداف ضحاياهم بدقة، حيث تتنوع الأسلحة ما بين أسلحة دمار شامل وأسلحة صغيرة وأخرى خفيفة، وتكون المخاوف الكبرى من نجاح الجماعات الإرهابية عبر الشبكات العنكبوتية الخفية كالإنترنت المظلم "Dark Web" في الحصول على البيانات المتعلقة بكيفية تصميم وتسخير العوامل البيولوجية المختلفة على غرار الفيروسات أو المواد السامة، أو الحصول على مواد متفجرة كيمائية تكون أكثر قدرة على إلحاق الضرر بمجتمعات بأكملها؛ مما يؤدي إلى سقوط عدد كبير من الضحايا والوفيات.


وفي ضوء ما سبق ذكره، يمكن القول إن المخاطر والأضرار الناجمة عن الإرهاب العالمي، والتي تضر بالسلم والأمن الدوليين، تتطلب جهودا دولية رادعة له، ومحتوية لما ينجم عنه من انعدام للاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي لمختلف الأنظمة.

 




1- الإرهاب السيبراني

يُعد الإرهاب الإلكتروني (السيبراني) أحد الاستخدامات غير السلمية للفضاء الإلكتروني، وترجع بداية استخدام مصطلح "الإرهاب الإلكتروني" إلى دراسة أجراها ”بارى كولن”، أوضح فيها صعوبة وضع تعريف محدد لظاهرة الإرهاب الإلكتروني، لكنه أكّد أن المفهوم يشير بشكل أساسي إلى استخدام  الفضاء الإلكتروني كأداة لإلحاق الضرر بالبنية التحتية 


وقد قدمت دوروثي دينينج (Dorothy Denning)، أستاذة علوم الكمبيوتر، تعريفًا شهيرًا للإرهاب الإلكتروني في مايو 2000، حيث أشارت إلى أنه "يعبر عن التقاء الإرهاب وعالم الكمبيوتر وأنه الاستخدام غير المشروع للقوة والتهديدات بضرب أجهزة الكمبيوتر والشبكات والمعلومات المختزنة فيها من أجل ترويع وإكراه الحكومات وشعوبها على تحقيق أهداف سياسية واجتماعية، ولكي يعتبر هذا الاستخدام إرهابًا لا بد أن يؤدي إلى ترويع الحكومات والأشخاص، أو على الأقل التسبب في الضرر والخوف، وكذلك التسبب في وقوع ضحايا، فضلا عن أضرار اقتصادية جسيمة، واستهداف البنية الأساسية، وإعاقة عمل الخدمات الأساسية


فيما عرّف حلف شمال الأطلسي في عام 2008 الإرهاب السيبراني بأنه "هجوم إلكتروني يستخدم أو يستغل شبكات الكمبيوتر أو الاتصالات لإحداث دمار كافٍ لتوليد الخوف أو ترهيب المجتمع، ومن ثم تحويل ذلك إلى هدف أيديولوجي.

وغالبًا يكون الإرهاب الإلكتروني ذا دوافع سياسية، وقد يأتي في صورة:

 

1-    تدمير نظم المعلومات لدى الخصم، وإفقاده القدرة على الحصول على المعلومات.

2-    شل قدرة الخصم على التواصل مع أعضاء فريقه عن طريق تدمير مواقعه الإلكترونية.

3-     اختراق شبكات المعلومات الرسمية للوزارات والحكومات بغرض تدميرها أو الحصول على معلومات سرية.

 


 




 



2- الإرهاب البيولوجي

الإرهـــــاب الـبـيـولـوجـــــي هـو الإطلاق المتعمـد للفيروسات أو البكتيريا أو المواد السامة أو غيرها مـن العوامـل البيولوجية الضـارة المستخدمة لنشر الأمـراض أو التسبب في الوفاة للبشر أو الحيوانات أو النباتات، وتوجد هذه العوامل عادةً في الطبيعة، ولكن من الممكن تغييرها لزيادة قدرتها على التسبب في المرض، أو جعلها مقاومة للأدوية الحالية، أو لزيادة قدرتها على الانتشار في البيئة، كما يمكن أن تنتشر العوامل البيولوجية عن طريق الهواء أو الماء أو الطعام. ويستخدم الإرهابيون العوامل البيولوجية؛ لأنه قد يكون من الصعب للغاية اكتشافها، ومن الممكن لبعض عوامل الإرهاب البيولوجي، مثل فيروس الجدري، أن تنتشر من شخص لآخر، والبعض الآخر، مثل الجمرة الخبيثة، لا يمكن أن ينتشر.


ويمكن للجماعات الإرهابية استخدام البيولوجيا التركيبية لصنع أسلحة بيولوجية، باستخدام البيانات لتصنيع مسببات الأمراض الخطيرة أو تعديل مسببات الأمراض التي يسهل الوصول إليها لجعلها أكثر ضراوة، لكن لا تزال هناك بعض العوائق التي تحول دون تمكين هذه الجهات الفاعلة من العمل بحُرية في الوقت الحالي؛ حيث لا يزال الوصول واسع نطاق إلى بعض مسببات الأمراض والأدوات والبيانات محدودًا، لكن هذه الحواجز ستستمر في الانحسار خلال العقد القادم. 


 ويطرح الإرهـاب البيولوجـي تهديدات حقيقـية؛ إذ تشـير التقاريـر الحاليـة إلـى أن الأفـراد والجماعـات الإرهابيـة تمتلك القـدرة علـى اسـتخدام العوامـل البيولوجيـة لإلحـاق الضـرر بالمجتمـع، أخـذًا فـي الاعتبـار أن الوصـول إلـى المعـارف والبيانـات بـات متاحًـا بشـكل متزايـد عبـر شبكة الإنترنـت، مـع اسـتخدام المجرميـن لقنـوات اتصـال سـرية، مثـل الشـبكة الخفيـة (Darkweb)، من أجل الشـراء والبيـع وتبـادل البيانـات والتواصـل، ويمكـن أن تأخـذ الأضـرار الناجمـة عـن مثـل هـذه الحـوادث أبعـادًا هائلـة، وتسـبب أمراضًـا ووفيـات واسـعة النطـاق، بمـا يثيـر الخـوف والذعـر علـى نطـاق عالمـي.

 

3- الإرهاب النووي

يُعرّف الإرهاب النووي بأنه "استخدام أو التهديد باستخدام جهاز متفجر نووي من أي نوع من قِبل فرد أو مجموعة لأغراض إرهابية". 


ووفقًا لمعاهدة الأمم المتحدة لقمع أعمال الإرهاب النووي لسنة 2005، فإن الإرهاب النووي يُعد جريمة تُرتكب إذا استخدم شخص ما بطريقة غير مشروعة وعن قصد "المواد المشعة بأي شكل من الأشكال بغرض التسبب في الوفاة أو إصابة جسدية خطيرة، أو بقصد إلحاق أضرار جسيمة بالممتلكات أو بالبيئة.

 

وفقًا لتقرير صدر عام 2011 عن مركز "بيلفر للعلوم والشؤون الدولية بجامعة هارفارد" (Belfer Center for Science and International Affairs, Harvard University)، يمكن تمييز الإرهاب النووي من خلال خمسة مسارات:

 


 


وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس الأمريكي الأسبق "باراك أوباما" قد وصف  الإرهاب النووي بأنه "أهم تهديد للأمن القومي تواجهه الولايات المتحدة"، وذلك في أول خطاب له أمام مجلس الأمن الدولي، موضحًا أن "سلاحًا نووًا واحدًا ينفجر في مدينة -سواء كانت نيويورك أو موسكو أو طوكيو أو بكين أو لندن أو باريس  يمكن أن يقتل مئات الآلاف من الناس"، وسوف "يزعزع استقرار أمننا واقتصاداتنا وطريقة حياتنا".

 

4- الفاعلون المسلحون من غير الدول

تُعد ظاهرة الفاعلين المسلحين من غير الدول من الظواهر التي تصاعدت بشكل كبير في الآونة الأخيرة، وقد فرض تصاعد هذه الظاهرة تحديات جوهرية على حالة الاستقرار للعديد من الدول، ليس على المستوى الوطني فقط، بل على المستويين الإقليمي والدولي، ولعل أبرز التنظيمات المسلحة التي ظهرت خلال العقدين الأخيرين، هما: "تنظيم القاعدة"، الذي تبني هجمات 11 سبتمبر ضد الولايات المتحدة الأمريكية، ومازال مستمرًا حتى الآن، و"حركة طالبان"، والتي ظهرت في أفغانستان وفرضت سيطرتها مؤخرًا على السلطة في كابول عقب الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، كما ظهر تنظيم "داعش" بالتزامن مع اندلاع ثروات الربيع العربي، وسيطر على مساحات واسعة من الأراضي السورية والعراقية، كما تبني العديد من الهجمات المسلحة.


وفي ضوء ما سبق، يُمكن تعريف مفهوم الفاعلين المسلحين من غير الدول بأنه "تنظيمات أو جماعات مسلحة أو شبكات إجرامية منظمة، تمارس أنشطتها بعيدًا عن سيطرة الدولة، وتستخدم القوة من أجل تحقيق أهدافها، وبذلك فهي تتحدى مبدأ حق الدولة في الاستخدام المشروع للقوة".

 

وانطلاقًا من هذا التعريف، يمكن استنتاج أهم الملامح التي تميز الفاعلين المسلحين من غير الدول، من خلال ثلاثة عناصر

 




واستنادًا إلى التعريف السابق، فإن العالم في الوقت الحالي يشهد عدة أشكال وأنماط للفاعلين المسلحين من غير الدول، والتي تختلف حسب طبيعة وهيكل التنظيم، أو الأهداف التي يسعى لتحقيقها، أو هوية وهيكل التنظيم للفاعلين المسلحين، وكذلك تختلف حسب النطاق الجغرافي لأنشطة التنظيم، وعلاقتهم مع الدولة والمجتمع، ولعل أبرز أنماط هذه التنظيمات: التنظيمات الإرهابية، والتنظيمات الجهادية المسلحة، وعصابات الجريمة المسلحة، والميليشيات المسلحة، والتنظيمات شبه المسلحة، وحركات التمرد والانفصال، وأمراء الحرب، وميليشيات المرتزقة.

 

5-  الفرق بين التطرف والإرهاب

يُعد التطرف (Extremism) ظاهرة حديثة رغم أنها تعود إلى الماضي، وقد تزايدت حدة خطورتها في ظل عصر العولمة؛ حيث إن لها انعكاسات عديدة سواء على الصعيد المحلي أو الإقليمي أو العربي أو الدولي، كما أن التطرف أصبح ظاهرة كوكبية لا تنحصر في مُجتمعات معينة، ولا تقتصر على دين أو شعب أو جنسية أو ثقافة بعينها، وذلك مع اختلاف الأسباب والدوافع والظروف، غير أنه في المُجمل يُشير إلى عدم قبول الآخر ورفض التنوع، والسعي بشكل حثيث إلى فرض الرأي بالقوة والعنف والترهيب.


وتزداد خطورة التطرف إذا تحول من المستوى الفكري والنظري إلى المستوى الحركي والتنفيذي، لا سيَّما إذا كان الدين هو ذريعة التطرف، والذي يتمثل في "تكفير" الآخر (Expiation)، الأمر الذي ينتج عنه في نهاية المطاف انتشار ظاهرة الإرهاب (Terrorism) والتطرف العنيف (Violent Extremism)؛ لفرض الرأي بالقوة وخارج إطار القانون والدستور وقواعد الدولة الديموقراطية، من أجل تحقيق أهداف أيديولوجية أو دينية أو سياسية.


ومن هذا المُنطلق، فإن التطرف يكون نابعًا بالأساس من التعصب (Fanaticism) والتشدد، سواء لفكرة أو دين أو رأي أو أيديولوجية أو قومية أو طائفة، ولا سيَّما إزاء نظرته للآخر وعدم تقبله للاختلاف؛ إذ إن المتطرف ينظر بعين الشك والارتياب إلى كل ما هو مختلف، كما أن التطرف من الممكن أن يكون دينيا أو سياسيا أو اجتماعيا أو ثقافيا أو قوميا، كما أنه لا يقتصر على دين دون غيره، كما أنه من الممكن أن يكون تطرفًا علمانيا وحداثًا، وليس فقط دينيا مُحافظًا؛ حيث إن التطرف في تعريفه الواسع يُشير إلى الخروج عن الوسطية السياسية أو الدينية أو الأيديولوجية، وانتهاك القيم والمعايير الاجتماعية والسياسية القائمة والأيديولوجية السائدة في المجتمع، وعدم الرغبة في الاستماع إلى وجهة نظر مُعارضة.


أما الإرهاب فإنه يتجاوز التطرف، وينتقل من مستوى الفكر والتنظير إلى مستوى الفعل، ويتمثَّل الإرهاب في العنف الجسدي أو المعنوي والنفسي، وقد عرَّفه المُفكر الأمريكي "نعوم تشومسكي" بأنه "كل محاولة لإخضاع أو قسر السكان المدنيين أو حكومة ما عن طريق الاغتيال والخطف أو أعمال العنف؛ وذلك بهدف تحقيق أهداف سياسية، وسواء كان فرديا أو جماعيا أو تمارسه دولة أو جماعة. ويعد كل إرهاب تطرفًا، غير أنه في بعض الحالات قد لا يكون الإرهابيون متطرفين؛ حيث من الممكن أن يرى بعض الأفراد الإرهاب أو العنف هو السبيل الوحيد للتغيير وليس لأنهم يحملون أفكارًا متشددة أو متطرفة.


وعلى الجانب الآخر، فليس كل متطرفٍ إرهابيا؛ حيث إن هناك بعض من أشكال التطرف لا تمت للإرهاب بأي صلة، فهناك بعض التيارات أو الأشخاص الذي يتبنون أفكارا وتوجهات سلمية ترفض العنف بشكل مُطلق، وتعد في هذه الحالة سلمية متطرفة (pacifism extreme)، كما أن الفعل الإرهابي أو الإجرامي تتم مواجهته بالآليات الأمنية والقانونية والقضائية، في حين أن التطرف تتم مواجهته بالفكر والرأي والحجج المنطقية.

 




1- مؤشر الإرهاب العالمي 2020:

يصدُر عن معهد الاقتصاد والسلام (IEP) سنويًّا، وهو مؤشر يقيس الآثار الناجمة عن العمليات الإرهابية على مستوى العالم خلال العام، كانت آخر إصدارته في نوفمبر 2020، ويُغطي المؤشر 163 دولة، يتم تقييمها بأرقام تتراوح ما بين صفر و 10، على أن يكون الصفر للدول الأقل تضرُّرًا من العمليات الإرهابية، و الـ10 للدول الأكثر تضرُّرًا من العمليات الإرهابية خلال العام، وتتحدد قيمة المؤشر بالنسبة للدولة بناءً على 4 نقاط رئيسة، وهي:

العدد الإجمالي للحوادث الإرهابية خلال العام محل الدراسة.

العدد الإجمالي للقتلى نتيجة العمليات الإرهابية خلال العام محل الدراسة.

إجمالي عدد الإصابات التي تسبب فيها الإرهابيون خلال العام محل الدراسة.

قياس إجمالي الأضرار التي لحقت بالممتلكات من جراء الحوادث الإرهابية خلال العام محل الدراسة.

 







 

2- مؤشر "بازل" لمكافحة تمويل الإرهاب 2021

دليل بازل لمكافحة غسل الأموال هو تصنيف سنوي مستقل يوضح مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب في جميع أنحاء العالم، ويعتمد في تقييم درجة الخطورة على البيانات التي تقدمها مجموعة من المؤسسات الدولية، منها: مجموعة العمل المالي (فاتف)، ومنظمة الشفافية الدولية، والبنك الدولي، والمنتدى الاقتصادي العالمي، وتتراوح قيم المؤشر ما بين صفر و 10؛ حيث إن القيمة صفر تعني أن الدولة أقل عُرضة لمخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب، في حين أن 10 تعني أن الدولة أكثر عُرضة لمخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ويُقيم المؤشر الدول وفقًا لـ5 مجالات أساسية، وهي:

الإطار الحاكم لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

الرشوة والفساد.

الشفافية المالية.

الشفافية العامة والمساءلة.

المخاطر القانونية والسياسية.









1- وسائل التواصل الاجتماعي كأداة لنشر الإرهاب والتطرف

أصبح استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في نشر الإرهاب والتطرف من القضايا المثيرة للجدل في الآونة الأخيرة على مستوى العالم؛ حيث تستغل الجماعات الإرهابية المتنوعة مواقع التواصل الاجتماعي في العديد من أعمالها، ومن بينها: التجنيـد، والتدريـــب، والتواصـــل مـــع أتباعهـــا وداعميهـــا والممولين لهـــا، وذلك بالنظر إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي تمثَّل وسيلة سهلة وفعالة للجماعات الإرهابية لنشر أفكارها والدعاية لأنشطتها وممارستها الإرهابية.


ويُنظر إلى الجماعات الإرهابية التي تقوم باستخدام منصات التواصل الاجتماعي للترويج لأفكارها، وتجنيد أعضاء جدد، والتواصل مع أعضائها والممولين لها، باعتبارها "إرهابًا جديدًا" أو "غير تقليدي" New Terrorism، وهو الإرهاب الذي يتسم بعدة سمات، من بينها: اللامركزية، وعدم تماسك كياناته التنظيمية، هذا فضلا عن الاسـتخدام الاحترافـي للإنترنـت، والقـدرات العاليـة علـى التلاعـب بوسـائل الإعلام الجديـدة، وفي غالب الأحيان  يتفاعـل الإرهـاب الجديـد مـع وسـائل التواصل الاجتماعي والإعلام لنشـر الخوف، من خلال نشـر أخبار عن أنشـطته وعملياتـه الإرهابيـة؛ حيث إن الإرهاب لا يستهدف فقط ضحاياه، ولكن يسـتهدف الأشـخاص الذين يشـاهدون العمليات الإرهابيـة، ويتابعـون أخبارهـا عبـر المنصـات الإعلامية ووسـائل التواصـل الاجتماعي المتنوعة.


كما تقوم الجماعات الإرهابية عبر وسائل التواصل الاجتماعي بحملات اتصال مستمرة، تستهدف من خلالها الضعفاء والمتعاطفين معهم؛ لحثهم ودفعهـم علـى التطـرف وممارسـة العنـف.


ونظرًا إلى أن وسائل التوصل الاجتماعي أضحت أداة الاتصـال الأكثـر تفضيـلا لتقديـم وجهات نظر الفرد أو تعليقاته ومشـاركة معلوماتـه، فضلا عما تقدمه من خيارات الخصوصيـة للمسـتخدم، مثـل: المجموعـات المغلقـة، والمحادثـات الخاصـة، والمجموعـات المفتوحـة، أو الصفحـات العامـة، فقد اهتمت الجماعات الإرهابية باسـتخدام برامـج التواصـل الاجتماعـي للتواصـل مـع العالـم، بلا حـدود أو قيـود، وبشكل سريع وغير مكلف، لتوزيع المعلومات ونشـر الأفـكار المتطرفة والإرهابية.


وتستخدم الجماعات الإرهابية وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة لأهداف متنوعة، من بينها: جمع المعلومـــات الاســـتخباراتية، وتبـــادل المعلومــات، والتجنيــد، والتدريــب، وفي هذا الصدد أفاد مركـــز "ســـيمون ويزنتـــال" بلوس أنجلوس في تقريره لعام 2014 بأن هنـــاك أكثـــر مـــن ثلاثيـــن ألـــف منتـــدى وموقـع إلكترونـي وحسـاب علـى مواقـع التواصـل الاجتماعــي، تــروج للإرهــاب فــي الولايـات المتحــدة الأمريكيـة وخارجهـا.


كما تجدر الإشارة إلى أن تنظيم الدولية الإسلامية "داعش"، وحركة الشباب الصومالية من أبرز المستخدمين لوسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما موقع تويتر، وذلك بجانب تنظيمات أخرى.


وثمَّة أهداف مختلفة تحققها وسائل التواصل الاجتماعي للجماعات الإرهابية والمتطرفة، منها:

 




وفي ضوء ما سبق، فإن ثمة استراتيجيات مختلفة للحد من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كأداة لنشر الإرهاب والتطرف، ومن بينها سن قوانين جديدة بشأن الإرهاب والتطرف عبــــر وســــائـــــل التـواصــــــل الاجتماعـــي، وشن حملات مضادة للتطرف والإرهاب باسـتخدام مواقع التواصل الاجتماعي، ومحو الأمية الرقمية وتعزيز ثقافة التعامل الرشيد مع الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي بين جيل الشباب، وأخيرًا تجهيز المؤسسات الأمنية وهيئات إنفاذ القوانين بـــالأدوات التكنولوجيـــة والذكيـــة والتدريب المناسب؛ لتعقـــب أصحـــاب الفكـــر المتطـــرف والعنيـف.

 

2- الذكاء الاصطناعي ومكافحة الإرهاب

بالتزامن مع دخول العالم عصر الثورة الصناعية الرابعة، وهي ثورة تستند بالأساس إلى الرقمنة وتقنيات الذكاء الاصطناعي التي باتت تلعب دورًا مؤثرًا في حياة البشر اليومية، وهو دور لا يقتصر على إدارة وتسيير تلك الحياة وتسهيل مهامها فحسب، بل يتجاوز هذا الأمر إلى تشكيل سلوك البشر ومعتقداتهم عن طريق برمجة وتخصيص رسائل مدروسة بدقة تعمل على توجيه سلوكيات الأفراد وتحديد تفضيلاتهم، فضلا عن استخدام البرمجيات (الخوارزميات) في رصد البيانات وتحليل المعلومات، ومن ثم التوصُّل إلى استنتاجات معينة بشأن المعتقدات وأنماط السلوك البشري.


وتأسيسًا على ما سبق، أصبح بالإمكان الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي في عملية مكافحة الإرهاب، والتنبؤ بالسلوك الراديكالي للأفراد، إضافةً إلى تحصين أولئك الأفراد بتوجيههم إلى محتوى معلوماتي معين، من شأنه احتواء ميولهم الراديكالية، وتقليل مخاطر انخراطهم في أية أنشطة إرهابية، لا سيما في ضوء الانتشار واسع النطاق لمواقع التواصل الاجتماعي، واستخدام التنظيمات الإرهابية للفضاء الإلكتروني للتأثير على الشباب وتجنيدهم. وفيما يلي توضيح للأدوار التي بإمكان تقنيات الذكاء الاصطناعي الاضطلاع بها لمكافحة الإرهاب:

 



 

هناك العديد من المزايا المرتبطة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في عملية مكافحة الإرهاب؛ ذلك لأن هذه التقنيات توفِّر الوقت والجهد والموارد المالية والبشرية المستخدمة لملاحقة الراديكاليين والإرهابيين، كما أن استخدام النماذج الرياضية يرفع دقة البيانات ونتائجها بدرجة كبيرة، علاوةً على أن هذه النماذج الرياضية الدقيقة تساعد على تعزيز الثقة في أداء الأجهزة الأمنية بين أوساط الرأي العام.


ورغم ذلك، فإنه ليس بالإمكان التعويل بشكل كامل على تقنيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في جهود مكافحة الإرهاب؛ لأن هناك العديد من المعوقات التي تحد كثيرًا من قدرة تلك التطبيقات، وقد تدفع إلى التشكيك في جدواها بصورة مطلقة، ولعل أبرزها ما يلي:

 




3- الهجمات السيبرانية.. الوجه الآخر لتصفية الحسابات بين الدول 

يوفر المجال السيبراني ساحة أكثر جاذبية للصراع بين الفاعلين الدوليين، لا سيَّما في ظل ارتفاع تكلفة المواجهات العسكرية التقليدية مقارنة بالتكلفة المنخفضة للهجمات السيبرانية، كما أنه لا توجد قواعد دولية صارمة مماثلة لتلك المعمول بها في النزاعات المسلحة، علاوةً على الميزة المهمة التي ينطوي عليها الصراع الإلكتروني بصفة خاصة، وهي إمكانية التنصل من المسؤولية؛ مما يحد من احتمالية الدخول في مواجهة مباشرة غير معروفة عواقبها.


وتجدر الإشارة إلى أنه بالنظر إلى طبيعة الهجمات السيبرانية خلال الآونة الأخيرة، يتضح أنها قد دخلت في طور جديد؛ فلم تعد الأهداف العسكرية أو الأمنية التقليدية هي المستهدف الرئيس في جميع الحالات، بل امتدت هذه الهجمات لتشمل أيضًا منشآت مدنية؛ مما يفاقم من خطورة التداعيات المحتملة على مواطني الدول المتصارعة.

 


أ. الهجمات السيبرانية بين إسرائيل وإيران:

تأتي الهجمات السيبرانية المتبادلة بين إسرائيل وإيران كجزء من حرب الظل المستمرة بين الجانبين على مدار سنوات، والتي تدور في معظمها حول البرنامج النووي الإيراني، وقد عُد الهجوم السيبراني الذي أصاب المنشآت النووية الإيرانية في عام 2010، واستهدف تعطيل أجهزة الطرد المركزي من خلال ما عُرِفَ بفيروس "ستوكسينت" (Stuxnet)، بمثابة الحادث الأبرز في هذا الصدد، والذي اتهمت إيران الولايات المتحدة وإسرائيل بالضلوع فيه، ومنذ ذلك الحين، يتبادل الجانبان الإيراني والإسرائيلي الهجمات السيبرانية

 


ب.الهجمات السيبرانية بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية    

تصاعدت حدّة التوترات بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا على مدار السنوات الأخيرة، في الفضاء الإلكتروني، وظهرت هذه التوترات بوضوح لأول مرة عام 2016، حينما أفادت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) بتدخل موسكو في الانتخابات الرئاسية الأمريكية.


وتجدر الإشارة إلى أن روسيا أصبحت تستخدم الفضاء الإلكتروني لتحقيق أهداف السياسة الخارجية دون استخدام الأسلحة؛ وذلك استجابة للضغوط الغربية، باعتبار الهجمات الإلكترونية سلاحًا فعالًا في ضوء تفوق القدرات العسكرية التقليدية للقوى الغربية مقارنة بموسكو، حيث تتلخص أهداف الهجمات التي شنتها الاستخبارات الروسية على مدار العقد الماضي في نشر الفوضى، أو إلحاق الضرر بمرشح سياسي معين، وتقويض مصداقية العملية الديمقراطية مع إظهار القوة الروسية في هذا الصدد

 






التوجهات الجديدة للإرهاب العالمي





كانت الهجمات الإرهابية الأكثر دموية في التاريخ هي هجمات 11 سبتمبر 2001، حينما قام إرهابيون انتحاريون مرتبطون بتنظيم القاعدة باختطاف أربع طائرات تجارية، وتحطيم اثنتين منها في البرجين التوأمين لمجمع مركز التجارة العالمي في مدينة نيويورك، والثالثة في مبنى البنتاجون بالقرب من واشنطن العاصمة، بينما تحطمت الطائرة الرابعة بالقرب من بيتسبرغ بولاية بنسلفانيا، وقُتل أكثر من 3000 شخص. وفي ضوء تزايد الضغوط الداخلية من قِبل الرأي العام الأمريكي وكذلك الكونجرس والمؤسسات الأخرى، أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية على غزو أفغانستان وإسقاط حكم "طالبان"، ومن ثمَّ أُعيد ترتيب النظام السياسي الأفغاني كله على أسس "ديمقراطية". 

 

ومع ذلك كله، لم تنجح الولايات المتحدة في القضاء على تنظيم القاعدة، الذي هاجم نيويورك وواشنطن، وبالتالي اتجهت إلى العراق لعله يكون أكثر قدرة على مقاومة الإرهاب، متخذة سببا للغزو، وهو "محاولة نظام "صدام حسين" امتلاك الأسلحة النووية". ورغم أن التهمة الذرية لم تثبت، فإن واشنطن وجدت في الأمر فرصة لنشر "النظام الديمقراطي" مع التعديلات المناسبة. وبعد عشرين عامًا، حققت نجاحًا محدودًا بقتل "أسامة بن لادن"، زعيم تنظيم القاعدة، ولم تصبح كابول أو بغداد ديمقراطية، وعادت "طالبان" إلى سدة الحكم في أفغانستان، وخرج "أيمن الظواهري"، زعيم القاعدة، لكي يعلن أنه والتنظيم أحياء ويرزقون.

 

وبشكل ما، ورغم الاهتمام بالذكرى، فإنها كانت حاضرة بقوة، بينما كانت تفاصيل الانسحاب من أفغانستان تشغل أجهزة الإعلام كافة، ومعها التساؤلات الخاصة بما إذا كانت الولايات المتحدة سوف تظل محتفظة بمكانتها كدولة عظمى أم لا. وسط هذا الصخب الإعلامي والسياسي، كانت هناك تطورات أخرى ذات بعد استراتيجي عالمي تجري، ربما تنبئ بمساعٍ أمريكية جديدة، قد تكون انسحابًا من الشرق الأوسط، أو ربما إعادة تموضع من جديد وسط شركائها.

 

في الولايات المتحدة نُصب سيرك كبير، به تبريرات للرئيس "بايدن"، وهجوم ممن يناصبونه العداء، ووسائل إعلام لا تكف عن التساؤل: لماذا خرجت الولايات المتحدة بهذه الطريقة دون إعداد أو ترتيب؟ وهل تعود "طالبان" كما كانت قبل ربع قرن أم أن هناك "طالبان أخرى جديدة"؟، وهل تعود أفغانستان مرة أخرى لكي تكون حاضنة للإرهاب؟ ويتمثّل القلق العربي الحالي في الخوف من أن تعطي سيطرة حركة "طالبان" على أفغانستان، دفعة معنوية للجماعات والتنظيمات المتشددة والمسلحة في المنطقة، وذلك بعد أن استطاعت جماعة بدائية، عسكريًا على الأقل، أن تهزم قوى كبرى ذات قدرات نووية، وهو ما قد يعيد إلى المنطقة مخاوف محاولات استنساخ النموذج الطالباني.

 

وعمومًا، يعد الإرهاب ظاهرة قديمة ولكنها اكتسبت أبعادًا جديدة في ضوء التغيرات التكنولوجية والمجتمعية التي مر بها العالم خلال الفترة الماضية، وقد تغيرت طبيعة الإرهاب الدولي وأهدافه وخطابه بشكل كبير منذ نهاية الحرب الباردة، وظهور حركة العولمة؛ فلم يعد الإرهاب ظاهرة محلية بل عالمية شكّلت تهديدًا للعالم، ووُصِف الضرر الذي نتج عن الإرهاب الدولي باعتباره "ضررًا عابرًا للحدود" ويشكِّل تحديًا خطيرًا للأمن القومي الداخلي والدولي، مما أثر على العلاقات الدولية بطريقتين مهمتين: الأولى: أنه قضى على التمييز بين الدولة والفرد. الثانية: أنهى أيضًا التمييز بين الأمن الخارجي والداخلي. وفي هذا الإطار، يمكن الإشارة إلى نوعين من الإرهاب:

الإرهاب الدولي: هو الأعمال العنيفة والإجرامية التي يرتكبها أفراد أو مجموعات مستوحاة من منظمات أو دول إرهابية أجنبية أو مرتبطة بها (ترعاها الدولة).


مخاطر البقاء والتمدد: صعود الجماعات الإرهابية في إفريقيا





ليس بخافٍ أن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان وعودة حركة طالبان إلى سدة الحكم مرة أخرى يطرح تساؤلات صعبة حول مقاربات مكافحة الإرهاب على مدى العقدين الماضيين. لا يمكن إنكار الجهود الكبيرة التي تبذلها الدول الأوروبية والولايات المتحدة - مع تولي فرنسا والمملكة المتحدة زمام القيادة على الخطوط الأمامية - وذلك كله بدعم كامل من المنظمات متعددة الأطراف، مثل: الأمم المتحدة وبنوك التنمية الدولية، ومع ذلك استمرت الحركات الإرهابية العنيفة باقية، بل وتتوسع من خلال كسب أراضٍ جديدة. إن إمكانيات تكرار السيناريو الأفغاني الذي تسيطر فيه الجماعات الإرهابية العنيفة على دولة مثل مالي -التي تعاني من وضع الهشاشة بفساد مؤسساتها وافتقارها إلى التماسك السياسي وضعف قدراتها العسكرية- ليست عصية على التحقق، وعليه فإن التفكير في دروس أفغانستان بالنسبة لإفريقيا أمر ملح وضروري، حيث باتت الدول الغربية غير عازمة على زيادة مشاركتها في جهود محاربة الحركات الإرهابية في إفريقيا بعد الفشل الذريع الذي منيت به في أفغانستان.

 

ويحاول هذا المقال رسم معالم خريطة الجماعات الإرهابية التي ظهرت وتمددت في جميع أنحاء المنطقة. أضف إلى ذلك مناقشة آثار عودة طالبان في أفغانستان على حركات التمرد المسلحة الأخرى في إفريقيا، وما نهاية مسارات الحرب على الإرهاب بالنسبة للمجموعات العنيفة -مثل بوكو حرام، وحركة الشباب المجاهدين- التي تسعى إلى تحقيق حلم الإمارة، فيما بات يطلق عليه اسم (أفريكانستان). هل اكتسبت القاعدة أو داعش زخمًا إقليميًا في تنافسهما ضد بعضهما البعض نتيجة انتصار طالبان؟، وما التحديات الأمنية والسياسية التي تواجهها الحكومات الوطنية في مواجهة الإرهاب أو محاولة بناء السلام من خلال الحوار مع الجماعات الارهابية المسلحة؟. وأخيرًا، وبعد فشل المقاربات الأمنية والعسكرية في التعامل مع ظاهرة التطرف العنيف هل يمكن تبنِّي مقاربات أخرى على الصعيدين الوطني والإقليمي؟

 

عودة طالبان وحلم الخلافة الإفريقية

كانت طالبان -التي احتضنت القاعدة في طورها الأول- مصدر إلهام لمعظم الجماعات الجهادية العنيفة في جميع أنحاء العالم بما في ذلك إفريقيا. لقد نفذت الجماعات الإرهابية العديد من الهجمات العنيفة في عامي 2002 و2003 في دول إفريقية عدة، وفي نيجيريا، على سبيل المثال، تأسّست مجموعة متطرفة جديدة أطلقت على نفسها اسم "طالبان نيجيريا" في عام 2002 في ولاية بورنو الشمالية الشرقية، وقد أصبحت هذه المجموعة فيما بعد تعرف باسم (بوكو حرام). يعني ذلك أن تأثير التجربة الأفغانية على المسار الإجرامي والإرهابي في إفريقيا أمر لا يمكن إنكاره. إنها مصدر إلهام للجماعات المتطرفة، كما أنها في الوقت نفسه تشكِّل مصدرًا رئيسًا لتهريب الأفيون والهيروين، الذي أصبح سوق المخدرات غير المشروعة الأسرع نموًا في القارة، ومع ذلك لم تكن طالبان والقاعدة وحدهما خلف تنامي ظاهرة التطرف العنيف في إفريقيا، فقد مثَّل ظهور داعش وإعلان الخلافة الإسلامية في عام 2014، ثورة في عمليات التجنيد والمشاركة في الإرهاب في إفريقيا.

 

وعلى أية حال يمكن الاستفادة من دروس عودة طالبان على صعيد الحالة الإفريقية، وهو ما يقتضي ضرورة تغيير المقاربات الحالية لمكافحة الإرهاب، فمن المرجَّح أن يكون الانسحاب الغربي من بؤر الإرهاب في إفريقيا كارثيًا، كما أن المساعدات الإنمائية التي تسيطر عليها الحكومات الغربية بإحكام تُفضي في نهاية المطاف إلى زيادة الفساد، وتقويض المؤسسات المحلية، وهناك درس أساسي يمكن تعلمه يتمثّل في أن مجرد الانسحاب المتعجل ليس حلًا للمشكلات. هذا، وينبغي تفهم الطبيعة المركبة والمعقدة للصراعات في إفريقيا، والتي عادة ما تكون متجذرة في المظالم المحلية، والتنافس على الموارد، لا سيما الأراضي المخصصة للرعي، وسوء الإدارة، وعدم قدرة الحكومات على تقديم الخدمات والسلع العامة، بما في ذلك توفير الفرص الاقتصادية لمواطنيها، وخاصة في المناطق المهمشة.

 




عرض تقرير سياسة الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإرهاب

 



 

لعب الاتحاد الأوروبي دورًا نشطًا في مواجهة التهديدات الإرهابية المستمرة، وذلك من خلال توفير الدعم المالي لجهود مكافحة الإرهاب، وتوفير آليات التعاون والتنسيق بين الدول الأعضاء التي يقع على عاتقها مسؤولية مكافحة الجريمة، لا سيما التعاون بين سلطات إنفاذ القانون المحلية للدول الأعضاء وهيئات الاتحاد الأوروبي المسؤولة عن الأمن والعدالة، مثل: وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في إنفاذ القانون (Europol) ووكالة الاتحاد الأوروبي لأنظمة تكنولوجيا المعلومات (Lisa-Eu) ووكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في مجال العدالة الجنائية (EuroJust).


وفـــي هـــذا الإطار، صـــدر فـــي ينايـــر 2021 تقريـــر عـــن البرلمـــان الأوروبي تنـــاول دوره فـــي صياغـــة التشـــريعات الخاصـــة بالإرهاب، فضـــلًا عـــن تقييـــم عمـــل لجنتـــه المعنيـــة بالإرهاب (TERR) فـــي عـــام 2018، ووفقًـــا لتوصيـــات البرلمـــان الأوروبي، والأولويات التـــي حددتهـــا المفوضيـــة الأوروبية ضمـن جـدول أعمالهـا لمكافحـة الإرهاب -الـذي تـم تقديمــه فــي ديســمبر 2020- ســتتركز جهــود الاتحاد الأوروبي فـــي هـــذا الشـــأن علـــى التنبـــؤ بالتهديـــدات المحتملـة، والاستعداد لهـا علـى النحـو الأمثل، مـن خلال تعزيــز البنــى التحتيــة الحيويــة، وتوفيــر حمايــة أفضــل للأماكن العامــة، فضــلًا عــن تكثيــف التبــادل المعلوماتـــي بيـــن هيئـــات الاتحاد الأوروبي.


تهديدات إرهابية مستمرة:


أدت الهجمـــات الإرهابية علـــى كل مـــن فرنســـا وألمانيـــا والنمســـا عـــام 2020، إلـــى تصـــدر قضيـــة الإرهاب قمـــة جـــدول أعمـــال الاتحاد الأوروبي، وعليـــه فقـــد تـــم تقييـــم التهديـــدات الإرهابية مـــن جانــب وكالــة إنفــاذ القانــون فــي الاتحاد الأوروبي (Europol) ضمــن فئــة "مرتفــع الخطــورة"، فرغــم الانخفاض الواضــح فــي عــدد الهجمــات الإرهابية خلال العاميـــن الماضييـــن، فـــإن احتســـاب عـــدد العمليـــات الإرهابية التـــي تـــم إحباطهـــا يعكـــس اســـتمرارية التهديـــدات الإرهابية التـــي تتعـــرض لهـــا الـــدول الأوروبية. 


لـــدى الاتحاد الأوروبي تاريـــخ طويـــل فـــي محاربـــة الإرهاب المحلـــي، غيـــر أنـــه بالتزامـــن مـــع أحـــداث 11 سـبتمبر 2001، شـرع الاتحاد في التصدي لمسـتوى أعلـى مـن الإرهـاب (علـى النطـاق الدولـي)؛ فوفقـا لتقديـرات البرلمـان الأوروبي فـي دراسـته الصـادرة عـــام 2019، شـــهدت دول الاتحاد الأوروبي عـــدة هجمـات إرهابيـة فـي الفتـرة مـن (2000 – 2018) أودت بحيـــاة 753 مواطنًا أوروبيًّا، فضلًا عن انضمام الآلاف مـــن الأوروبيين إلـــى التنظيمـــات الإرهابية مثـــل، داعـــش فـــي مناطـــق النـــزاع فـــي ســـوريا والعـراق، الأمر الـذي يثيـر المخـاوف الأوروبية مـن عـــودة هؤلاء المقاتليـــن إلـــى بلادهم مـــرة أخـــرى بعدمـــا اكتســـبوا خبـــرات قتاليـــة.

 

عرض كتاب الإرهاب في إفريقيا: أسـباب تصاعـد التطــرف فـي القارة الإفريقية 

 



 

يُعـــد انتشـــار الجماعـــات الإرهابية فـــي جميـــع أنحـــاء القـــارة الإفريقية ســـببًا فـــي تزايـــد معدلات العنـــف ضـــد المدنييـــن فـــي الســـنوات الأخيرة ، ويتصاعـــد منحنـــى العمليــات الإرهابية طرديــًّا مــع تزايــد حــدة المنافســة بيــن الفصائـل المتمـردة والمسـلحة، نظـرًا لأن هـذه المنافسـة شـجع العناصـر الجهاديـة علـى شـن المزيـد مـن الهجمـات ضـــد الأهداف المدنيـــة؛ ســـعيًا للســـيطرة علـــى أكبـــر قـــدر مـــن المـــوارد.


تصاعـــدت حـــدة الإرهاب فـــي قـــارة إفريقيـــا علـــى مـدار العقـد الماضـي، حيـث اسـتهدفت الجماعـات الإرهابية والميليشـــيات المتمـــردة المدنييـــن بشـــكل متزايـــد خلال العمليـــات التـــي قامـــت بهـــا فـي القـارة (مـن الصومـال إلـى مالـي ومـن نيجيريـا إلـــى موزمبيـــق)، وبحســـب بيانـــات موقـــع النـــزاع المسلح Data Event & Location Conflict Armed Project، فإنـــه بحلـــول عـــام 2020، شـــنَّت العناصر الجهاديــة 7108 عمليــات مســلحة، ممــا أودى بحيــاة 12519 شـــخصًا، وخلال العـــام نفســـه كان هنـــاك 7 دول إفريقيـــة ضمـــن قائمـــة أكبـــر 10 بلـــدان فـــي العالـــم مـــن حيـــث مخاطـــر الإرهاب.


وفـــي هـــذا الإطار، أصـــدر موقـــع (International-E Relations) تقريـــرًا بعنـــوان "الإرهاب فـــي إفريقيـــا: تفســـير ظاهـــرة تصاعـــد العنـــف المتطـــرف ضـــد المدنييـن"، أوجـز خلاله الكاتبـان "جوزيـف مروزكزيـك" (Mroszczyk Joseph)، و"ماكـــس أبراهامـــز" (Max Abrahms) رؤيتهمـــا حـــول الإرهاب فـــي إفريقيـــا، بالوقـــوف علـــى مســـببات الظاهـــرة.


وأشـــار التقريـــر إلـــى أنـــه رغـــم وجـــود العديـــد مـــن النظريـــات التـــي تحـــاول تفســـير أســـباب تصاعـــد حـــدة الإرهاب فـــي إفريقيـــا، فـــإن هنـــاك نظريتيـــن مهمتيـــن يمكـــن أن تســـاعدا فـــي تحليـــل أســـباب الزيـــادة الهائلـــة فـــي عـــدد العمليـــات الإرهابية داخـل القـارة، وترتكـز النظريـة الأولى علـى "العامـل الخارجي"؛ حيث تُجـادل بـأن القـارة الإفريقية تضـم العديـــد مـــن الجماعـــات والتنظيمـــات الإرهابية المسـلحة، والتـي لديهـا صلات وطيـدة بجماعـات إرهابيـــة دوليـــة كبـــرى، مثـــل: تنظيمـــي القاعـــدة وداعـــش، اللذيـــن يجمعهمـــا تنافـــس محمـــوم علـــى النفـــوذ والســـلطة والوصـــول إلـــى المـــوارد فـــي مناطـــق ســـيطرتهم، وتشـــير النظريـــة إلـــى أن العلاقات التـــي تجمـــع بيـــن الفـــروع المتنوعـــة للتنظيمـــات الإرهابية قـــد تكـــون ســـببًا وراء تزايـــد عـــدد العمليـــات الإرهابية ضـــد المدنييـــن، وبخصـــوص النظريـــة الأخرى، فإنهـــا ترتبـــط بالعامل الداخلي، وتُجـــادل بـــأن ظاهـــرة التطـــرف الدينـي المنتشـرة داخـل القـارة، كانـت سـببًا رئيسًـا فـــي تصاعـــد حـــدة الإرهاب فـــي إفريقيـــا، بالنظـــر إلـى أن الجماعـات الجهاديـة توظـف الأداة الدينيـة لتجنيــد الأتباع وشــن المزيــد مــن العمليــات ضــد الأهداف المدنيـــة.

 

google-playkhamsatmostaqltradent