قصة بقلم- ردينة سعد العزيزى
اهتزت أرجاء القاعة بموجةٍ عارمةٍ من التصفيق، بدت فى حرارتها كما لو كانت إيقاعًا لسيمفونية حماس أبدعتها تلك الطفلة ذات السنوات التسع، بقفزاتها التى كانت تسابق الريح لتصل بصاحبتها إلى تلك المنصة القريبة البعيدة..
ارتقت درجات المنصة ثم توسطتها مُهديةً من قسمات وجهها للجماهير ابتسامةً عذبة صادقة تستهل بها عرضها، فهذا هو دورُها فى حفل الموهوبين الذى أقامته المدرسة للأطفال فى مثل عمرها.. لكنها لم تكن تدرك أن الزمن ما كان ليجود من وقته على بسمتها تلك إلا ببضع ثوانٍ معدودات...
جالت الطفلة بين الجالسين بنظرات متفحصة.. كررت الجولة مرة ثانية وثالثة، آملة فى أن تهتدى إلى ضالتها لتبرهن لقلبها الذى بات على مشارف الاضطراب كذبَ ظنونه المؤرِّقة.. إلا أن ابتسامتها الصافية لم تكن ليقوى على الصمود أمام عصف احتمال تحقيق تلك الظنون! وسرعان ما ماتت البسمة فوق شفتيها وهى تستمع إلى صوت معلمتها التى كانت تستحثها على بدء عرض موهبتها..
ألقت نظرة أخيرة على الحاضرين وقد أصبحت الرؤية ضبابية بسبب تلك العبرات التى أطلت من مقلتيها مهددة بالسقوط..
أيُعقَل ألا يكون موجودًا! لقد أعطاها وعدًا بأن يأتي!!
كيف ستقدم للحضور ما أمضت أسابيعَ فى إعداده دون أن يكون هو فى أوائل الصفوف كما أخبرها! هو الذى لطالما كان نافذتها التى تتطلع من خلالها إلى الدنيا... معلمها الذى كان أول من التقت به منذ اليوم الأول لها فى تلك المدرسة، وقد كان بحقٍّ خيرُ أبٍ لها، يدعمها، ويساندها، ويحتوى مخاوف طفولتها بكلٍّ رفق وحنان...
أفاقت من شرودها على صوت الجمهور الذى شرع فى وصلة من الهتاف والتشجيع يستحثها على بدء تقديم ما أعدته..
أمسكت بمكبر الصوت بيدين مرتجفتين وأخذت تتغنى بأنشودةٍ كانت قد سمعتها منذ عدة أيامٍ من إحدى صديقاتها..
تعجب جميعُ المعلمين من اختيار الطفلة للغناء كموهبةٍ تقدمها فى ذلك الحفل، فالمعروف عنها أنها ليست من الأطفال الذين يحبون الغناء، ولم تكن تميل كثيرًا إلى سماع الأناشيد! لذا فتنبأ الجميع أن ما ستقدمه لن ينال استحسانًا من الحاضرين، وبالفعل قد تبينت أمارات ذلك فى أدائها الذى بدا فيه نشاز صوتها وعدم قدرتها على مسايرة اللحن؛ مما يدل على أنها ليست مؤهلة بقدرٍ كافٍ لتعرض تلك الموهبة..
أنهت الطفلة أنشودتها، وانطلقت لتغادر القاعة بأقصى ما تملك من سرعة حاملةً فى نفسها قدر بحار العالم وأنهاره حزنًا وألمًا.. ودت لو انشقت الأرض ابتلعتها لتحميها من سهام تلك النظرات المستهزئة، التى جاوزت مداها فى ملاحقتها والنيل من أحزانها الصامتة... وجدت الطفلة نفسها محاطة بجمع كبير من زميلاتها وقد قذفت فى وجهها كل منهن بعبارات السخرية اللاذعة:
- «هو علشان إحنا كلنا بنعرف نغنى وصوتنا حلو تقومى تغنى زينا! ده أنتِ قلودة أوي!»..
- «على فكرة صوتك وحش أوي، ده أنا كنت حاطة إيدى على ودنى طول ما كنتِ بتغني!»..
- «وأنا ودانى وجعتنى أوى بجد بسبب صوتك!»..
خرت لركبتيها، وشهقاتها ترتفع فى بكاءٍ مرير.. ابتعد الأطفال عنها وهم يتضاحكون ويزيدون من عبارات الاستهزاء والسخرية..
عزمت الطفلة أن تلتحق بتدريبات الغناء التى تقيمها المدرسة على الرغم من معرفتها بأن مواعيد تلك التدريبات تتعارض مع جدول فتراتها الدراسية، لم تهتم بمثل ذلك الأمر؛ فقد كان مرادها الأكبر هو أن تتقن الغناء مثل بقية أصدقائها فى أقرب وقتٍ ممكن..
حاولت أن تتناسى ما علمه لها أستاذها عن أهمية المحافظة على تفوقها الدراسي، ولم تعبأ بتحذيرات بقية معلميها جراء عدم التزامها بحضور الدروس..
ربما نجحت فى المواظبة على مواعيد تدريبات الغناء، لكنها لم تفلح فى الفكاك من أغلال حاجتها إلى نصح معلمها الذى لطالما كان يبث فيها من روح الطمأنينة والثقة؛ فهى ما زالت تستشعر شيئًا من الضياع مضمرًا بين طيات وجدانها..
- لكن هل كان معلمها سيرضى عما هى عليه الآن؟
سؤال طرحته روحها المجهدة على عقلها المكبل بنصائحه..
مرت بها أيام الفصل الدراسى وأسابيعه تباعًا وهى على الوتيرة نفسها، وأقبل اليومُ الأخير لاختبارات نهاية العام.. انتهت من الإجابة عن أسئلة الامتحان على عجلةٍ، ثم خرجت مسرعة الخطا تتجه إلى غرفة التدريب، فهذا هو اليوم الذى ستعلن فيه معلمة الغناء تقييماتها للمتدربين..
تنبهت جميع حواسها إلى المعلمة التى دنت منها فى حنوٍّ واسترسلت فى حديث لم تتبين الطفلة دلالاته، وظلت تسلِّى نفسها على أمل أن يكون فى ذلك إشارة إلى أنها قد أجادت الغناء أخيرًا بعد كل تلك الفترة من التدريب كما تمنت.. لكن ما لبثت الطفلة أن شعرت بانتفاضة قوية تجتاح جسدها وقد تسارعت دقات قلبها فى عنفٍ أصم أذنيها عن الأصوات حولها.. لم تعد تستمع إلا لصوت معلمتها الذى أخذ صداه يتردد فى رأسها مئات المرات وهى تخبرها بأنها لا تصلح للغناء، وأنها ربما تحتاج إلى أن تتقدم فى العمر قليلًا علَّ أداءها يكون أفضل...
انطبق الجفنانِ بقوة فى محاكاة لما كانت تحسه صاحبتهما من انطباق للسماء عليها بعد أن أدركت خسارتها لأملها فى أن تجيد الغناء كرفاقها، وخسارتها لتفوقها الدراسى الذى لطالما اشتهرت به منذ أن التحقت بتلك المدرسة.. كانت تعترف أمام نفسها أنها لم تبلُ بلاءًا حسنا فى اختبارات هذا الفصل الدراسى بسبب سعيها وراء سراب تمثل لها فى أمنية بدت كما لو كانت صادقة.. وأنَّى لتلك الأمنية أن تتحقق وهى فى الأصل قائمة على رغبة عمياء فى مجرد مسايرة الآخرين والتطبع بطباعهم!
سارت الطفلة بين ممرات المدرسة وقد انهمر سيل من عبرات الألم والضياع فوق وجنتيها حين أبصرت ذلك الشخص الذى كان مقبلا نحوها فى لهفة وقد ارتسمت على محياه ابتسامة السعادة والابتهاج..
- «ألف مبروك! المسرحية اللى سجلتهالك وأنتِ بتتدربى عليها علشان تعرضيها فى حفلة الموهوبين أنا بعتتها لمسابقة اتعملت من فترة وأنتِ أخذتى المركز الأول فيها»!
ذابت الأحرف فوق شفتيها.. كيف تخبر معلمها الماثل أمامها الآن، والذى هو أكثر مَن آمن بموهبتها فى التمثيل أن غيابه وغياب دعمه لها فى حفل الموهوبين، جعلها تستبدل مسرحيتها آنذاك بأنشودة لم تجِد حفظها ولا غناءها فقط بسبب خوفها من أن يختلف عرضها عن بقية زملائها فيعتبرها الحاضرون أقل منهم موهبة!
كيف تخبره أنها أهملت دراستها ولم تستعد للاختبارات كما ينبغى لمجرد أنها أرادت أن تتدرب على الغناء لتجيده مثل البقية رغم علمها أنها ليست من أصحاب تلك الموهبة!
ها هى ذى تتذوق مرارة الندم مجددًا وقد أثبت لها حصولها على المركز الأول فى تلك المسابقة أنه لم يكن هناك ما يستوجب منها تغيير ما أعدته لحفل الموهوبين، ولم تكن مضطرة إلى التضحية بتفوقها من أجل تدريب الموسيقى، وربما كان عليها أن تستبدل عبراتها التى ذرفتها لاستهزاء زملائها منها بابتسامة متباهية بما حباها الله من مهارات تكفى لترصع أيامها وحياتها بنجاح ليس كمثله شيء.