إعلان

recent
عاجـــــــــــــــــــــــل

صعود اليمين وانعكاساته على وحدة الصف الأوروبي

 

صعود اليمين وانعكاساته على وحدة الصف الأوروبي

تصدّر حزب اليمين" إخوة إيطاليا" (فراتيلي ديتاليا) الذي تتزعمه "جورجيا ميلوني" والأحزاب المتحالفة معه الانتخابات العامة الإيطالية التي أُجريت في 26 سبتمبر الماضي، وذلك بعد حصول تكتل الأحزاب اليمينية على نسبة 43.8% من الأصوات في انتخابات مجلسي الشيوخ والنواب، في مقابل حصول تحالف اليسار على 26%، مما أثار إلى الأذهان انعكاسات صعود اليمين على مستقبل الاتحاد الأوروبي، حيث شهد الكثير من دول الاتحاد الأوروبي صعود أحزاب يمينية استغلت المناخ العام السائد في القارة العجوز، حيث تواجه الأحزاب السياسية التقليدية مشكلات اقتصادية متراكمة، وتحديات متصاعدة مرتبطة بالهجرة واللجوء والأمن، وهي المشكلات التي وظفتها الأحزاب اليمينية وجعلتها ركيزة أساسية في برامجها الانتخابية لتوسيع قاعدتها وشعبيتها، والعودة إلى مقدمة المشهد السياسي.

واتصالًا بما تقدم، تأتي هذه الزاوية التحليلية لتسلط الضوء على الأسباب والدوافع وراء صعود اليمين في أوروبا، وانعكاسات صعود اليمين في الكثير من الدول الأوروبية على وحدة الصف الأوروبي، وذلك على النحو الآتي:

أولًا: الدوافع وأسباب صعود اليمين في أوروبا:

في حين أن هناك أسبابًا اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية متعددة للصعود الحالي لليمين في العديد من الدول الأوروبية، ومن الصعب تحديد أيها الأكثر أهمية، فإنه من المؤكد أن الأزمة الاقتصادية التي اندلعت في عام 2008 وما تلاها من سعي الاتحاد الأوروبي والسلطات الوطنية الحازمة لإجراءات السيطرة على العجز المالي وتدابير وإجراءات التقشف التي أعقبتها، وكذلك أزمة جائحة "كوفيد-19" وما نتج عنها من آثار وتداعيات واسعة النطاق، والأزمة الروسية الأوكرانية التي ألحقت ضرارًا بالغة بالاقتصادات الأوروبية، جميعها وفرت بيئة ومناخًا مناسبين لصعود اليمين خلال السنوات الماضية وحتى الآن.

اتصالًا، فقد وظف اليمين حالة الاستياء والسخط من الأوضاع الاقتصادية لدى قطاع كبير من الأوروبيين لكسب تأييدهم، خاصة في ظل التغيرات الاجتماعية التي أدت إلى تقليص الطبقة العاملة الصناعية، التي كانت تدعم تقليديًا الأحزاب اليسارية، بالإضافة إلى التغيرات الثقافية التي شهدتها بعض الدول والمجتمعات الأوروبية، نتيجة لتدفق المهاجرين واللاجئين إليها خلال السنوات الماضية.

كما أدت التأثيرات الاقتصادية للعولمة والسياسات النيوليبرالية، التي انتهجتها الحكومات الوطنية والاتحاد الأوروبي، إلى تزايد أعداد الساخطين من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في ظل ارتفاع أعداد المهاجرين إلى أوروبا، مما خلق مخاوف بشأن احتمال فقدان المزيد من الوظائف والضغوط على دولة الرفاهية، ناهيك عن التهديدات الأمنية والجرائم التي تلتصق بالمهاجرين، وتزايد مخاوف القوميين الأوروبيين من ضياع الهوية الوطنية. وهي المخاوف التي تزايدت في ظل عدم قدرة الدول الأوروبية على مواجهة الأزمات الاقتصادية المتلاحقة وعدم سيطرتها على ضبط تدفقات الأفراد عبر الحدود الوطنية.

ثانيًّا: ملامح صعود اليمين في أوروبا:

أدت العوامل والأسباب سالفة الذكر إلى جانب انتخاب "دونالد ترامب" لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2017، وخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي في 31 يناير 2020، إلى زيادة الدعم للأحزاب والجماعات اليمينية الشعبوية في جميع أنحاء أوروبا، وبالفعل فقد شهدت السنوات القليلة الماضية انتصارات انتخابية وزيادات كبيرة في نسب تأييد الأحزاب اليمينية في الكثير من الدول الأوروبية، فعلى سبيل الذكر نجد الآتي:

في 15 سبتمبر 2022، استقالت رئيسة الوزراء السويدية "ماجدالينا أندرسون" بعد حصول الأحزاب اليمينية على 176 مقعدًا، مقابل حصول الأحزاب اليسارية على 173 مقعدًا في الانتخابات العامة.

في أبريل 2022، فاز رئيس الوزراء "فيكتور أوربان"، زعيم حزب "فيدس" اليميني الشعبوي المجري، بولاية رابعة على التوالي، حيث يشغل منصبه منذ عام 2010.

في أبريل 2022، حصلت اليمينية المتطرفة "مارين لوبان" المنتمية إلى حزب التجمع الوطني في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية الفرنسية على 41.45% من الأصوات -وهي أفضل نتيجة انتخابية للحزب على الإطلاق - في مقابل حصول "إيمانويل ماكرون" الوسطي الليبرالي على 58.55% من الأصوات، كما سبق وحصلت "لوبان" في الانتخابات الرئاسية الفرنسية في مايو 2017، على 34٪ من الأصوات.

في سبتمبر 2021، فاز حزب" البديل من أجل ألمانيا" (AfD) اليميني المتطرف بنسبة 10.3% من الأصوات في انتخابات "البوندستاغ" -الهيئة التشريعية في ألمانيا-، ليحصد 82 مقعدًا من إجمالي 736 مقعدًا، وذلك بعد فوزه في سبتمبر 2017 بنسبة 12.6٪ من الأصوات ودخوله البوندستاغ لأول مرة، وذلك بسبب أجندته المناهضة للاتحاد الأوروبي وقضية الهجرة.

في أكتوبر 2017، حصل حزب الحرية النمساوي (FPÖ)، الذي أسسه ضابط سابق في قوات الأمن الخاصة في الخمسينيات من القرن الماضي، على 26٪ من الأصوات وانضم إلى الائتلاف الحاكم آنذاك، ولكنه تكبد خسائر فادحة في الانتخابات العامة التي أُجريت في مايو 2019، حيث حصل على 16% فقط من أصوات الناخبين.  

في بولندا، يتولى حزب القانون والعدالة اليميني الشعبوي السلطة منذ عام 2015، حيث فاز في عام 2019 بولاية ثانية بفارق ضئيل، لكن قبضته على السلطة ضعفت بعد أن فقد السيطرة على مجلس الشيوخ وفشل في زيادة أغلبيته في مجلس النواب، حيث حصل على 235 مقعدًا من 460 مقعدًا في مجلس النواب - وهو نفس عدد المقاعد التي فاز بها في عام 2015، ولكنه فقد الأغلبية في مجلس الشيوخ، حيث حصلت المعارضة على 51 مقعدًا من إجمالي 100 مقعد.

ثالثًا: صعود اليمين وانعكاساته على وحدة الصف الأوروبي

كانت بولندا ذات يوم أكثر ديمقراطية واعدة في منطقة ما بعد الاتحاد السوفيتي، وقد انضمت إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2004، مما يشير إلى اتجاه تصاعدي للبلاد، ولكن أدى انتخاب حزب القانون والعدالة إلى إخراج هذه العملية عن مسارها، حيث يشكّل حزب القانون والعدالة اليميني الشعبوي تهديدًا كبيرًا للنظام السياسي الأوروبي، ففي أكتوبر 2021 قضت المحكمة الدستورية البولندية بأن القوانين البولندية يجب أن تكون لها الأسبقية على قوانين الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الخلافات  بين الحكومة البولندية والاتحاد الأوروبي.

بالإضافة إلى ذلك فإن المجر، التي يحكمها حزب "فيدس الشعبوي" بقيادة "فيكتور أوربان"، تعهدت باستخدام حق النقض ضد أي تشريع من الاتحاد الأوروبي ضد بولندا، وبالفعل فإن التقارب بين حزب القانون والعدالة البولندي وحزب "فيدس" المجري يحد من قدرة الاتحاد الأوروبي على اتخاذ خطوات ملموسة في مواجهة بولندا والمجر.

وبالنظر إلى هذه التوترات المتصاعدة بين بولندا والاتحاد الأوروبي، فقد تبنت شخصيات بارزة داخل الحكومة البولندية خطابًا مناهضًا للاتحاد الأوروبي، فعلى سبيل المثال، أشار أحد أعضاء البرلمان في حزب القانون والعدالة إلى أن بولندا عليها التخلص مما وصفه بـ "احتلال الاتحاد الأوروبي"، ومع ذلك، فإن خروج بولندا من الاتحاد الأوروبي غير مرجح؛ حيث شهدت بولندا انطلاقة اقتصادية بعد انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2004 وما زالت البلاد تعتمد بشكل كبير على الاتحاد الأوروبي، ويدعم أكثر من 80٪ من البولنديين عضوية بلادهم في الاتحاد الأوروبي، كما نزل ما يقرب من 100 ألف متظاهر إلى شوارع وارسو للاحتجاج على حكم المحكمة الدستورية بأن القانون البولندي له الأسبقية على قانون الاتحاد الأوروبي.

على صعيد المجر، فقد عارضت الحكومة المجرية العديد من سياسات وقرارات الاتحاد الأوروبي، فعلى سبيل المثال، عند محاولة المسؤولين الأوروبيين كسب زخم جديد في الحملة العالمية لفرض الحد الأدنى لمعدل الضرائب على الشركات متعددة الجنسيات الكبرى، فإنهم وجدوا صعوبة في تجاوز مجموعة من الحواجز، لا سيما تلك المتعلقة باعتراض دولة المجر، حيث سحبت المجر دعمها للحد الأدنى من الضرائب، مما جعل من غير الممكن أن يمضي الاتحاد الأوروبي قدمًا في خططه لتطبيق معدلات الضريبة بحلول عام 2024 على الرغم من موافقة باقي أعضاء الاتحاد البالغ عددهم 26 عضوًا.

كما رفضت المجر الامتثال للعقوبات المفروضة على روسيا من قبل الاتحاد الأوروبي؛ مما أدى إلى تزايد حدة التوتر بين المجر والاتحاد الأوروبي؛ وتهديد المفوضية الأوروبية، في 18 سبتمبر 2022، بتجميد 7.5 مليارات يورو كانت مخصصة للمجر، ففي الوقت الذي انخرطت معظم دول الاتحاد الأوروبي في البحث عن مصادر بديلة لتأمين إمدادات الغاز قبل فصل الشتاء، عمل رئيس وزراء المجر "أوربان" على تعميق علاقات بلاده مع روسيا، ورفض عقوبات الاتحاد الأوروبي على روسيا.

وعليه، باتت الأوساط الأوروبية تنظر إلى أنّ "أوربان" ليس مجرد تهديد للديمقراطية المجرية، ولكن لقدرة الاتحاد الأوروبي على معاقبة موسكو.

وعلى الرغم من أن الأزمة الروسية الأوكرانية أدت إلى توتر العلاقة بين حكومتي المجر وبولندا، فإنّ الأخيرة لا تزال تدعم الحكومة المجرية وتعارض تهديد المفوضية الأوروبية بتجميد الأموال المُقدمة إلى المجر.

وعلى صعيد إيطاليا، فإن وصول اليمين إلى سدة الحكم يُعدّ التجربة الأولى منذ تجربة "بينيتو موسوليني" قبل 69 عامًا، وعليه سيراقب صناع القرار في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وكذلك روسيا، عن كثب لمعرفة ما إذا كان التحالف اليميني -بميوله القومية القوية وعدائه التاريخي تجاه الاتحاد الأوروبي- سيكون لديه الصرامة للحفاظ على دعم إيطاليا القوي لأوكرانيا، أو ما إذا كان صعود اليمين في إيطاليا سيؤدي إلى توترات في علاقة روما بالاتحاد الأوروبي.  

اتصالًا، فقد صرح "ستيفانو ستيفانيني"، سفير إيطاليا السابق لدى الناتو، قائلًا "يمكن لإيطاليا حقًا أن تخلق مشكلات للاتحاد الأوروبي."، فزعيمة التكتل اليميني الفائز بالانتخابات العامة في إيطاليا "جيورجيا ميلوني"، بدأت مسيرتها السياسية كناشطة في جناح الشباب بـ"الحركة الاجتماعية الإيطالية" والتي تسمى بالفاشية الجديدة، وفي حين كان شريكها في التحالف "ماتيو سالفيني"، من المعجبين بشدة بالرئيس الروسي "فلاديمير بوتين"، ومن المشككين في جدوى الاتحاد الأوروبي.

وعلى الرغم من تعهد "ميلوني" بمواصلة سياسات رئيس الوزراء الإيطالي المستقيل "ماريو دراجي" للدعم العسكري لأوكرانيا والخط المتشدد للعقوبات المفروضة على روسيا، فإن "سالفيني" آثار علنًا خلال الحملة الانتخابية مسألة تأثير العقوبات الأوروبية المفروضة على روسيا على الاقتصاد الإيطالي، حيث صرح قائلًا: "اختارت أوروبا فرض عقوبات بعد الحرب، وهذا أمر جيد، لكن لا يمكن للعائلات والشركات الإيطالية دفع ثمن العقوبات".

وعلى الرغم من كل وعود "ميلوني" المطمئنة بحفاظ إيطاليا على علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي وخطاب "سالفيني" المغاير، فإن الاختبار الحقيقي للحكومة الإيطالية الجديدة -بحسب المحللين- سوف يتضح في الأشهر المقبلة عندما يحاول الاتحاد الأوروبي التوصل إلى استجابة منسقة لمواجهة تحركات روسيا في أوكرانيا، والإجراءات التي قد تتفق عليها مجموعة الدول السبع لفرض المزيد من العقوبات على روسيا، وما تتضمنه من تحديد سقف لأسعار النفط.

ختامًا، منذ التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، شهد الاتحاد الأوروبي عددًا من الأزمات المتلاحقة؛ حيث كشفت الرؤى المختلفة للتكامل الأوروبي مدى انقسام الدول الأعضاء في الكتلة، كما أدت أزمة اليورو إلى انقسامات عميقة بين الدول الدائنة في شمال القارة الأوروبية والدول المدينة في جنوبها.

وبالإضافة إلى ذلك، فقد كشفت أزمة الهجرة والتراجع في سيادة القانون والديمقراطية عن الطموحات المتعارضة للدول الأوروبية، ففي غرب وشرق أوروبا فإن التهديدات المتزايدة لاستقلال المحاكم وحياد الانتخابات في الدول الأعضاء مثل، المجر وبولندا أدت إلى سلسلة من الدعاوى القضائية واتخاذ بعض الإجراءات الأولية لحرمان هذه البلدان من حقوق التصويت في الاتحاد الأوروبي، وأدت إلى التشكيك في مدى التزام كافة الدول بنفس القيم والمبادئ التي قام عليها الاتحاد الأوروبي.

كما أبرزت الأزمة الروسية الأوكرانية حجم التهديدات التي تواجه مستقبل الاتحاد الأوروبي، فكما كشفت الأزمة عن ثغرات في القدرات العسكرية، فقد أظهرت أيضًا أن المؤسسات الغربية متعددة الأطراف، في مقدمتها الاتحاد الأوروبي، لم تُنشأ للاستجابة للأزمات، مما يعني أنه على المدى المتوسط ​​(ثلاث إلى سبع سنوات)، ستحتاج أوروبا إلى تطوير آليات أكثر مرونة قادرة على الاستجابة السريعة للتهديدات الأمنية، مما قد يؤدي إلى نهج إقليمية مختلفة بناءً على مستويات التهديد، ستحتاج معها دول الاتحاد الأوروبي إلى المواءمة بين الاعتبارات والمصالح السياسة والأمنية والدفاعية المشتركة، وسيكون لذلك تكلفة تتحملها الدول، ومواطنوها، وهو ما سيؤثر بالتبعية على نسب التأييد الذي يحظى بها اليمين في أوروبا، ومستقبله.

google-playkhamsatmostaqltradent