القوة الاقتصادية للاجئين
تعد مواجهة الدول للكوارث الطبيعة أو الصراعات والحروب، أمرًا ذا أثر مزدوج، ما يعني أنه يلقي بظلاله ليس فقط على البلد المنكوب، بل وعلى دول الجوار أيضا متمثلا في نزوح العديد من السكان إلى دول الجوار والدول الحدودية فرارًا مما يعانونه في موطنهم، وهو بالتبعية يلقي بصداه سلبًا أو إيجابًا في اقتصادات البلد المضيف للنازحين واللاجئين، لذلك سنتعرض في هذا المقال للآتي:
أولًا: الفرق بين اللاجئ والمهاجر والميثاق العالمي للاجئين
ثانيًا: مفهوم إعادة التوطين
ثالثًا: تأثير اللاجئين على اقتصاد الدول المضيفة
رابعًا: تجارب اللاجئين في مصر
أولًا: الفرق بين اللاجئ والمهاجر والميثاق العالمي للاجئين
يحتفل العالم باليوم العالمي للاجئين في العشرين من شهر يونيو من كل عام، حيث يمكن تعريف اللاجئ بكونه الشخص الذي أُرغم على الفرار من موطنه الأصلي، تحت خطر التهديد، سواء أكان هذا التهديد متعلقًا بسلامته الجسدية أو حريته، بما في ذلك تهديدات النزاعات والعنف والحروب، والتي خلفت 108.4 ملايين لاجئ حول العالم منذ أواخر عام 2022 بحسب تقديرات مفوضية شؤون اللاجئين، لذا يمكننا القول إن الشخص الذي يتقدم بطلب حق اللجوء هو من بحاجة للحماية الدولية، فيما يكفل له القانون الدولي ذلك ويعترف بحقه في طلب الحماية، وهو جوهر الاختلاف عن المهاجر والذي لم يتبنَ القانون الدولي تعريفًا محددًا له، لكنه يعرف اصطلاحا بكون المهاجر شخصًا ينتقل من بلده لبلد آخر طواعية، دون الفرار من تهديد بعينه، ويمكن أن يكون سبب الهجرة إيجابيًا فيما يخص الارتقاء بالمستوى التعليمي أو المعيشي، كما أن هناك هجرة غير نظامية وهي ما تتم بالتحايل على قانون البلد المضيف.
فيما تم وضع الميثاق العالمي للاجئين واعتماده من قبل الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة ديسمبر 2018، بهدف إشراك الأطراف المعنية من منظمات حكومية وغير حكومية لإيجاد حلول أكثر استدامة للاجئين، مما يمكنهم من العيش بشكل كريم في البلد المضيف استنادًا على ضرورة تخفيف الضغط عن البلد المضيف، ودعم اللاجئين بهدف الاعتماد على أنفسهم، والمساعدة في تحسين ظروف وطنهم لضمان ترتيب عودة آمنة لهم، أو تسهيل إعادة توطينهم في بلد آخر إذا تطلب الأمر ذلك.
ثانيًا: مفهوم إعادة التوطين
نظرًا لأن توفير الملاذ الآمن للاجئين في دول أخرى، يمكن ألا يمثل نهاية المطاف بالنسبة لهم، فمن الممكن أن تسير الرياح بشكل معاكس، وقد تتطور الأمور في هذا السياق بعكس المراد، ليجد اللاجئ نفسه قد نزح إلى دولة ما آمنة، لكن قد حلَّ بها مصاب مفاجئ، ليصبح الوضع الجديد له أيضا غير آمن، وكذلك من غير الممكن إعادته إلى وطنه الأصلي نظرًا لاستمرار التهديدات التي أجبرته على الفرار منها، وهنا يكفل القانون الدولي للاجئين حق الانتقال إلى بلد آخر، أو بمعنى أدق حق اللجوء للمرة الثانية في بلد جديد، وهذا ما يعرف بمفهوم "إعادة التوطين" والذي تسعى فيه مفوضية اللاجئين بالأمم المتحدة من أجل ضمان حفظ حقوق اللاجئين الكاملة كحقوق مواطني البلد المضيف، كما يتم منحهم أيضا فرصة الحصول على جنسية ذلك البلد، مع الأخذ في الاعتبار ضرورة النظر في أن يعود ذلك بالنفع على كل من اللاجئ والبلد المضيف الذي أُعيد توطينه فيه، كما تسهم بشكل إيجابي شراكة المنظمات غير الحكومية مع الحكومات والمجتمع المدني في تذليل العقبات أمام اللاجئين في البلد المضيف من خلال توفير التدريبات اللغوية والمهنية وتوفير فرص العمل المناسبة لهم.
ثالثًا: تأثير اللاجئين على اقتصاد الدول المضيفة
ربما يشير بشكل عام تدفق أعداد اللاجئين إلى الدول الأكثر أمانًا بالنسبة لهم، إلى توقع بعض التأثيرات في اقتصادات الدول المضيفة، لكن لا يمكننا تعميم هذه التوقعات بشكل مفرط على كل الدول المضيفة أو حتى كل فئات المجتمع المضيف، نظرًا لوجود بعض الأسواق التي يمكن أن تلقى رواجا في ظل تدفق أعداد اللاجئين أو كساد بعضها، لذلك تشير دراسة البنك الدولي حول مدى تأثير اللاجئين على اقتصاد الدول المضيفة إلى أنه يمكن من خلال المنظور الاقتصادي أن يسهم تدفق اللاجئين في توقع زيادة إجمالي الناتج المحلي، مرجعًا ذلك إلى أن القوة الاقتصادية للاجئين تكمن في دور المساعدات والتمويلات المادية التي يتلقاها اللاجئون والتي تساعد في رفع قدرته الاستهلاكية في البلد المضيف، لذلك يمكن أن نرى رواجًا في سوق العقارات نظرًا لتوافد اللاجئين، مما يظهر بشكل واضح في نمو الناتج المحلي للدول المضيفة، بالإضافة لظهور توسع في أنشطة العمل للاجئين بهدف تحسين مستوى المعيشة وهو ما قد يؤثر أيضا بشكل إيجابي في خلق منافسة في سوق العمل، كما يشير البنك الدولي إلى وجود أثر سلبي محتمل لتدفق اللاجئين فيما يخص تأثيرهم على العمالة غير النظامية لمواطني البلد المضيف، جراء انخفاض أجور اللاجئين؛ مما قد يتسبب في فقد عمال البلد المضيف بعض وظائفهم، خاصة في فئات العمالة غير النظامية، مقابل توظيف عمال من اللاجئين بأجور أقل، حيث يظهر هذا التأثير بشكل قوي على الفئات الأكثر ضعفًا في العمالة غير النظامية، لا سيما في المناطق المهمشة، حيث يوجز البنك الدولي تأثير تدفق اللاجئين على اقتصادات البلد المضيف في عدم وضوح تلك الآثار بشكل محدد على وظائف وأجور البلد المضيف، إلا أن هناك ترجيحًا بوجود تأثير ملموس على فئات بعينها ممن يعملون في الاقتصاد غير الرسمي وهم الأكثر ضررًا من أزمة اللاجئين، كما يوضح الشكل التالي مدى تأثير اللاجئين على اقتصادات البلد المضيف.
رابعًا: تجارب اللاجئين في مصر:
أشادت مفوضة اللاجئين في مصر بالجهود المصرية المبذولة في السعي لتمكين اللاجئين لديها اقتصاديا ودعم اللاجئين في الاعتماد على أنفسهم ومهاراتهم في كسب العيش من خلال تيسير فرص العمل اللائق لهم، وذلك من خلال قيام المفوضية بمتابعة أوضاع اللاجئين بمصر، وإجراء حوارات خاصة معهم للوقوف بشكل عملي على عملية إدماجهم في المجتمع المصري، حيث قام فيليبو غراندي، مفوض الأمم المتحدة بزيارة المعابر الحدودية بجنوب مصر معربًا عن ضرورة تكاتف المجتمع الدولي لدعم اللاجئين حول العالم، ومشيدًا بدور الحكومة المصرية ومؤسسات المجتمع المدني المصري فيما قدموه من جهود لتقديم المساعدات المختلفة للاجئين بمصر، خاصة دور الهلال الأحمر المصري، كما أشار إلى حسن الاستقبال والضيافة المصرية في توفير الملاذ الآمن والغوث للفارين من ديارهم.
ومن خلال رصد المفوضية لقصص نجاح دمج اللاجئين في السوق المصرية، تروي "آثار الصايم" من السودان تجربتها في إقامة مشروعها الصغير بمصر والمتمثل في محل تجميل خاص بها، كما أشادت بدور المفوضية في منحها فرص تدريب ودراسة جدوى لمشروعها، بينما كان لليمن مساهمة أخرى في الأسواق المصرية من خلال مشروع "محمد دبوان" والخاص ببيع البن اليمني وتجهيزه، بالإضافة إلى الاستعانة بالعمالة المصرية وتوفير ست فرص عمل معه، أما عن دولة سوريا فكان هناك لقاء مع خالد السوري والذي قال إنه نزح إلى مصر منذ 2013 ونجح في إقامة مشروع خاص بتصفيف الشعر للرجال.
وفي الختام، تحتضن مصر على أرضها العديد من اللاجئين، وبمساعدة مفوضية اللاجئين بمصر استطاعت الحكومة المصرية دمج اللاجئين في سوق العمل المصرية، ودعمهم للاعتماد على مهاراتهم في كسب العيش بأنفسهم، وهو ما أشادت به مفوضة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بمصر من خلال رصد ومحاورة بعض اللاجئين الذين استطاعوا إقامة مشاريع صغيرة خاصة بهم على الأراضي المصرية، وهو ما يدعم نتائج أبحاث البنك الدولي في الأثر الاقتصادي الإيجابي الذي يمكن أن يتحقق من تدفق اللاجئين على البلد المضيف، مع إشارة البنك إلى ضرورة مراعاة التأثير السلبي المحتمل من منافسة القوة العاملة للاجئين لبعض فئات البلد المضيف غير النظامي وهم الأكثر ضررًا.