recent
عـــــــاجــــل

الأبوة ليست جدول محكمة

 

الأبوة ليست جدول محكمة

الأبوة ليست جدول محكمة


بقلم: حسن سليم



الأبوة عبر التاريخ لم تكن يومًا وظيفة بيولوجية فحسب، بل كانت مؤسسة قائمة بذاتها، تشكل عمود الخيمة في بناء المجتمع، ففي الحضارات القديمة، من وادي النيل إلى بلاد الرافدين، كان الأب يمثل رمز الاستمرارية، وحامل الذاكرة، وراعي القيم، لم يكن مجرد منفق أو صاحب سلطة، بل كان الضامن لانتقال الخبرة، والمرجعية الأخلاقية التي تردع الانحراف وتحفز على البناء.


وفي التاريخ المصري القديم، كانت صورة الأب ترتبط بالحكمة والانضباط والمسؤولية، فالنقوش والبرديات تكشف عن نصائح الآباء لأبنائهم، تحثهم على التعلم، واحترام النظام، والعمل بإخلاص، لم يكن التعليم رفاهية، بل وصية أب يخشى على ابنه من الضياع، كانت الأسرة هي المدرسة الأولى، والأب هو المعلم الأول، يزرع في ابنه معنى الانتماء للأرض والنهر والتاريخ.


وعندما بزغ فجر الرسالات السماوية، تعمق مفهوم الأبوة ليصبح أكثر شمولًا ورحمة، فقد ارتبطت الأبوة بالقيم العليا، بالعدل والإحسان، وبالقدوة قبل الوصاية.. الأب في المنظور الديني ليس حارسًا صارمًا فحسب، بل هو رحمة تمشي على قدمين، ومثال عملي للصبر والتحمل والتضحية.. الأبوة هنا تكليف قبل أن تكون تشريفًا، ومسؤولية أمام الله قبل أن تكون حقًا أمام القانون.


غير أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدها العالم خلال القرنين الأخيرين، أعادت تشكيل بنية الأسرة، وغيرت أدوار أفرادها.. دخلت الحداثة بكل ما تحمله من إيجابيات وسلبيات، فارتفعت معدلات الطلاق، وتزايدت النزاعات الأسرية، وتضخمت أروقة محاكم الأسرة بقضايا كان ينبغي أن يتم حلها في نطاق الحوار والتفاهم، ومع كل دعوى نفقة أو رؤية، تتساقط قطعة من جدار الثقة بين الأب وأبنائه.


إن تحويل الأبوة إلى ملف قضائي يعني في جوهره فشلًا اجتماعيًا قبل أن يكون نزاعًا قانونيًا، فالقانون مهما بلغ من الدقة لا يستطيع أن يفرض مشاعر، ولا أن يزرع مودة، ولا أن يعوض طفلًا عن دفء غائب.. يمكن للقاضي أن يحكم بنفقة، وأن يحدد موعد رؤية، لكنه لا يستطيع أن يحكم بحب، ولا أن يجبر قلبًا على الحضور.


التاريخ يعلمنا أن المجتمعات التي تهاونت في حماية الأسرة دفعت ثمنًا باهظًا في استقرارها، فالأسرة هي الخلية الأولى في جسد الأمة، وإذا اعتلت هذه الخلية، انتقل المرض إلى باقي الجسد، والأب بوصفه أحد ركني هذه الخلية، يمثل عنصر توازن لا غنى عنه.. غيابه المعنوي أخطر من غيابه المادي، لأن الطفل الذي ينشأ بلا قدوة ذكورية متوازنة قد يبحث عنها في نماذج مشوهة في الشارع أو الفضاء الافتراضي.


ولا يعني ذلك التقليل من دور الأم أو الانتقاص من تضحياتها، بل على العكس، فالتكامل هو الأصل، غير أن اختلال ميزان الأدوار، أو تهميش أحد الطرفين، يخل بالبناء كله.. فالأبوة ليست صراعًا على سلطة، وليست ورقة ضغط في معركة بين زوجين انفصلا، بل هي عهد ممتد بين رجل وأبنائه، لا يسقط بالطلاق ولا ينتهي بحكم.


ولقد شهدنا في السنوات الأخيرة نقاشات محتدمة حول قوانين الأحوال الشخصية، وحول حقوق الرؤية والاستضافة، وحول النفقة والحضانة، وكلها قضايا مشروعة في إطار تنظيم الحقوق، لكنها تظل أدوات وليست غايات.. الخطر يكمن حين تتحول هذه الأدوات إلى ساحات تصفية حسابات، ويتم الزج بالأطفال في معارك الكبار.. هنا تصبح الأبوة رهينة لمحضر جلسة، وتصبح الطفولة ضحية لنزاع لم تختره.


من منظور تاريخي، كانت المجتمعات القوية هي تلك التي وضعت منظومة أخلاقية تحكم العلاقات قبل أن تتدخل النصوص القانونية.. كان العيب الاجتماعي رادعًا، وكانت الحكمة العائلية وسيلة للصلح، وكان كبير العائلة أو شيخ الحي يلعب دور الوسيط، ومع تراجع هذه الأدوار التقليدية، باتت المحكمة هي الملاذ الأول، لا الأخير.


لكن لا يكفي أن نلوم التحولات الاجتماعية وحدها لأن الواقع أصبح أكثر تعقيدًا، فمعظم الأمهات حولن الأب إلى خصم دائم في وعي الأبناء وهو ما تسبب في ضياع المعنى الحقيقي للأبوة، وتحول الطفل إلى ساحة معركة.


فالأبوة ليست جدول محكمة لأنها في جوهرها علاقة وجدانية ممتدة، تتجاوز الزمن والمكان.. هي لحظة يمسك فيها الأب بيد طفله في أول يوم مدرسة، ونظرة فخر في حفل تخرج، ودمعة صامتة في ليلة زفاف.. هي حوار طويل حول معنى الحياة، وخطأ يغتفر، ونصيحة تقال في الوقت المناسب.. هذه التفاصيل لا يمكن أن تقنن، ولا أن تختصر في حكم قضائي.



إن المؤسسات الدينية والتعليمية مطالبة بدورها في ترسيخ مفهوم الأبوة كقيمة أخلاقية، فيجب أن يتعلم الشاب منذ صغره أن الأبوة ليست حدثًا بيولوجيًا يقع في لحظة، بل مسارًا طويلًا من الالتزام وأن الإنجاب ليس مجرد إضافة عددية للأسرة، بل تعهد بتربية إنسان صالح يسهم في نهضة مجتمعه.


وعلى المستوى التشريعي، لا بد من تطوير القوانين بما يحقق توازنًا عادلًا بين الحقوق والواجبات، ويضع مصلحة الطفل فوق كل اعتبار، لكن مهما بلغت دقة النصوص، ستظل الحاجة قائمة إلى ضمير حي يدرك أن الأبوة أكبر من نزاع، وأسمى من انتصار شكلي في قاعة محكمة.


إن الأمم لا تبنى فقط بالمشروعات العملاقة ولا بالموازنات الضخمة، بل تبنى أولًا بإنسان متوازن نفسيًا وأخلاقيًا، وهذا الإنسان يبدأ تكوينه في بيت مستقر، فإذا أردنا مستقبلًا قويًا، فعلينا أن نعيد الاعتبار للأبوة بوصفها رسالة عمر ومسؤولية وطن.


الأبوة ليست جدول محكمة لأنها علاقة تتجاوز القيد القانوني إلى المعنى الإنساني، هي عهد لا يسقط بتوقيع، ولا ينتهي بحكم، وعندما ندرك ذلك، سنفهم أن إصلاح المجتمع يبدأ من إصلاح الأسرة، وأن حماية الطفولة تبدأ من حماية معنى الأبوة نفسه وعندها فقط، لن تكون الأبوة رقمًا في سجل القضايا، بل قصة بناء تكتبها الأجيال بفخر وامتنان.


google-playkhamsatmostaqltradent