قراءة تحليلية لكلمة المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي حول مركزية القرآن في ندوة شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن
إعداد: د معتز صلاح الدين
مستشار المركز الديمقراطي لدراسات الشرق الأوسط نورث كارولينا
في إطار الندوة الفكرية التي نظمتها مؤسسة رسالة السلام يوم 27 فبراير 2026 تحت عنوان شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، ألقى الإعلامي مجدي طنطاوي المدير العام لمؤسسة رسالة السلام كلمة المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي بعنوان ليلة القدر بين العمل بالقرآن والهجران، حيث شهدت الندوة حضورا لافتا من النخب الفكرية والمهتمين بالشأن الديني والفكري، وتناولت الكلمة مقاربة مختلفة لعلاقة المسلمين بالقرآن الكريم في الواقع المعاصر.
تميز الطرح بخروجه عن النمط الوعظي التقليدي الذي يميز غالبية الخطابات الرمضانية، متجها نحو معالجة فكرية تحليلية تضع مسألة المرجعية القرآنية في صدارة النقاش، ليس فقط بوصفها قضية تعبدية، بل باعتبارها إطارا ناظما للتشريع والسلوك والنظام العام. وقد سعت الكلمة إلى إعادة طرح سؤال محوري يتعلق بطبيعة حضور القرآن في حياة المسلمين، وما إذا كانت بعض المناسبات الدينية قد تحولت إلى طقوس احتفالية منفصلة عن أبعادها المنهجية والتشريعية.
وتوقفت الدراسة التحليلية عند الإشكالية المركزية التي عرضها الخطاب، والتي تتمثل في التساؤل حول ما إذا كانت ليلة القدر لا تزال تمثل لحظة تأسيس منهجي في الوعي الإسلامي، أم أنها أصبحت مناسبة موسمية يغلب عليها الطابع الشعائري. وانطلقت الأطروحة من فرضية مفادها أن التحديات الحضارية التي تواجه المجتمعات الإسلامية ترتبط بدرجة تفعيل المنهج القرآني كمصدر مرجعي في التشريع والحكم والسلوك العام، مع التمييز بين تقديس النص من حيث الشعائر، وبين تفعيله على مستوى المؤسسات والبنى القانونية.
وفي سياق التحليل المفاهيمي، أعاد الخطاب تعريف ليلة القدر بوصفها محطة نزول المنهج الإلهي، وليس مجرد ليلة ذات فضل تعبدي مضاعف، معتبرا أن جوهر الحدث يكمن في تنزيل منظومة قيم وتشريعات، وأن استحضار هذه الدلالة يوسع دائرة النقاش من الثواب الفردي إلى المسؤولية الجماعية في بناء مجتمع يستلهم القيم القرآنية في مختلف المجالات.
كما تناولت الكلمة مفهوم هجر القرآن، مستندة إلى دلالات قرآنية تشير إلى الهجر، وطرحت قراءة تعتبر أن الهجر لا يقتصر على ترك التلاوة أو التدبر، بل قد يمتد إلى تغييب المرجعية القرآنية عن دوائر التشريع وصناعة القرار، واستبدالها بمنظومات فكرية أو قانونية لا تنطلق من ذات الأساس القيمي. هذه المقاربة تنقل المفهوم من بعده السلوكي الفردي إلى بعد بنيوي مؤسسي يستحق الدراسة والنقاش.
وفي جانب آخر، طرحت الكلمة مسألة مركزية القرآن في ترتيب مصادر الاستدلال الديني، وهو طرح يفتح بابا واسعا للحوار الأكاديمي حول العلاقة بين النص القرآني والسنة النبوية، وحدود الاجتهاد البشري في ضوء المتغيرات التاريخية والاجتماعية. وقد اعتبرت الدراسة أن هذه النقطة تمثل أحد أكثر محاور الخطاب حساسية من الناحية العلمية، لما تثيره من أسئلة منهجية تتطلب معالجة دقيقة ومتوازنة.
على المستوى الحضاري، لم يقتصر الطرح على النقد، بل تضمن رؤية إصلاحية تقوم على إعادة الاعتبار لقيم العدل والرحمة وصون الكرامة الإنسانية في إطار مرجعية أخلاقية عليا، مع الدعوة إلى تجاوز الانقسامات المذهبية من خلال الاحتكام إلى نص جامع يمثل أرضية مشتركة. وتقاطعت هذه الرؤية مع مفاهيم معاصرة تتعلق بالدولة المدنية ذات الأساس القيمي، حيث يفهم القرآن باعتباره مرجعية أخلاقية شاملة لا أداة للصراع.
كما تطرقت الدراسة إلى القراءة التاريخية التي عرضها الخطاب بشأن تطور مفهوم السلطة في مرحلة ما بعد النبوة، والعلاقة بين النص والتجربة السياسية الإسلامية، وهي قضايا تظل محل بحث أكاديمي متجدد، يتطلب الابتعاد عن الاستقطاب والتركيز على التحليل العلمي الرصين.
ورصدت الدراسة عددا من نقاط القوة في الكلمة، من بينها وضوح الفرضية المركزية، والارتكاز المكثف على النص القرآني، والربط بين الإشكال المرجعي والواقع المعاصر، إلى جانب تحويل مناسبة دينية سنوية إلى محطة مراجعة فكرية. وفي الوقت ذاته، أكدت أهمية توسيع دوائر الحوار حول بعض المفاهيم المطروحة، بما يعزز العمق العلمي ويثري النقاش.
وفي ختامها، خلصت الدراسة إلى أن كلمة المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي تمثل طرحا إصلاحيا ذا طابع مرجعي، يسعى إلى إعادة مركزية القرآن في البناء التشريعي والحضاري، ويدعو إلى حوار معرفي منظم يوازن بين النص والاجتهاد ومتطلبات الدولة الحديثة، بما يسهم في بلورة رؤية أكثر اتساقا مع التحديات الراهنة.
