إيران بلا "رأس".. وهل ابتلعت واشنطن "طُعم" حرب الاستنزاف؟
بقلم: حاتم السعداوي
في الثامن والعشرين من فبراير 2026، استيقظ العالم على مشهد مغاير تماماً للشرق الأوسط الذي عرفناه لعقود. بضربة عسكرية واحدة، وُصف بأنها "جراحية" ولكنها "زلزالية" الأثر، أعلنت واشنطن وتل أبيب استهداف قمة هرم السلطة في طهران. ومع تأكيد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين، دخلت إيران مرحلة "اللا قيادة" المركزية، وبدا أن النظام قد تلقى ضربة قاضية. لكن، هل كانت هذه هي النهاية، أم أنها البداية لفخ استراتيجي نُصب بعناية لاستدراج القوة الأمريكية؟
زلزال القيادة: طهران في مهب الريح
للمرة الأولى منذ ثورة 1979، تجد إيران نفسها أمام "فراغ كاريزمي" هائل. غياب خامنئي ليس مجرد فقدان لمنصب سياسي، بل هو انهيار لمركز الثقل الذي كان يضبط إيقاع المؤسسات المتنافسة (الحرس الثوري، الجيش، والحكومة).
القيادة الجماعية المتعثرة: تشكيل مجلس قيادة مؤقت بموجب المادة 111 من الدستور قد يسد الثغرة قانونياً، لكنه يفتح الباب لصراعات داخلية على "من يملك الإصبع على الزناد".
خطر الانفلات: في ظل غياب "الكلمة الفصل"، قد تتصرف وحدات الحرس الثوري في الأقاليم بشكل منفرد، مما يجعل الرد الإيراني "غير منضبط" وأكثر خطورة وتشتتاً.
"الفخ" الأمريكي: هل أصبحت واشنطن رهينة النصر السريع؟
راهن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايته الثانية على "الحسم السريع" لتجنب "الحروب التي لا تنتهي". إلا أن الواقع الميداني يشير إلى أن واشنطن قد تكون سقطت في فخ الاستنزاف الذي طالما حذر منه الخبراء:
1. وهم "قطع الرأس"
ظنت الإدارة الأمريكية أن تصفية القيادة سيؤدي إلى انهيار سريع للنظام أو استسلام فوري. لكن النتائج الأولية أظهرت "اصطفافاً قومياً" خلف القيادات العسكرية المتبقية، وتحول الصراع من مواجهة سياسية إلى حرب وجودية، مما جعل أي تفاوض حالي أمراً مستحيلاً.
2. اتساع رقعة الاستهداف (تكتيك الغريق)
بدلاً من مواجهة الأساطيل الأمريكية في عرض البحر، لجأت "أذرع إيران" والوحدات الصاروخية المتبقية إلى استهداف القواعد الأمريكية في دول الخليج والممرات الملاحية (مضيق هرمز وباب المندب). هذا التكتيك يهدف إلى:
رفع كلفة التأمين العالمي والشحن.
الضغط على حلفاء واشنطن الإقليميين عبر تحويل أراضيهم لساحات معركة.
3. الاستنزاف المالي والسياسي
كل يوم تقضيه حاملات الطائرات في حالة استنفار قتالي يكلف الميزانية الأمريكية مليارات الدولارات، ويعيد عقارب الساعة إلى حقبة "حرب العراق" التي تعهد ترامب بعدم تكرارها. هذا الانخراط يعطل الأجندة الأمريكية الكبرى تجاه الصين وروسيا، وهو ما يراه البعض "هدية مجانية" لبكين.
الخلاصة: الطريق إلى المجهول
إن إيران "بلا قيادة" قد تكون أكثر خطورة من إيران "المنضبطة" تحت حكم المرشد؛ فالتعامل مع خصم لا يملك مركز قرار موحد يجعل التنبؤ بخطواته القادمة مستحيلاً. واشنطن الآن بين فكين: إما المضي قدماً نحو غزو بري (وهو كابوس سياسي) أو القبول بحرب استنزاف طويلة الأمد تستنزف مواردها وهيبتها.
"الضربة العسكرية التي تقتل القائد ولا تنهي الحرب، هي في الواقع بداية لحرب جديدة لا قواعد لها."
