نداء إنساني يهز الرحاب ويصل إلى الرئيس
بقلم: حسن سليم
الألم حين يتراكم في الصدور لسنوات طويلة لا يحتاج إلى تنظيم ولا إلى دعوات مسبقة حتى يخرج إلى العلن. يكفي أن تجتمع القلوب المثقلة بالوجع في لحظة واحدة حتى تنفجر الكلمات دفعة واحدة، صادقة وحارة ومليئة بما تحمله النفوس من حنين لأطفال غابت ملامحهم خلف جدران النزاعات الأسرية.
ذلك المشهد الإنساني المؤثر تشكل بعد انتهاء جلسة مجلس الدولة في الرحاب، حيث نظر القضاء الدعوى المطالبة بإلزام الحكومة بتقديم مشروع تعديلات قانون الأحوال الشخصية إلى مجلس النواب، وما إن انفضت الجلسة وخرج الحاضرون من قاعة المحكمة حتى ارتفعت الأصوات فجأة من بين الحشود، أصوات امتزج فيها الرجاء بالغضب، والحنين بالألم.
الأصوات جاءت من آباء حملوا في صدورهم سنوات من الاشتياق لأبنائهم، ومن جدات أثقلتهن الحسرة على أحفاد كبروا بعيدًا عن دفء العائلة، ومن عمات وأقارب شعروا أن خيوط العائلة التي كانت تجمعهم بالأطفال قد انقطعت بفعل التعقيدات القانونية والنزاعات الأسرية.
اللحظة بدت وكأنها انفجار إنساني مؤجل.. الكلمات خرجت بلا ترتيب، لكنها حملت معنى واضحًا وقويًا.
إحنا معاك يا ريس.. هكذا تردد النداء أكثر من مرة، في رسالة مباشرة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، تعبيرًا عن ثقة كثيرين بأن هذا الملف الاجتماعي الشائك يحتاج إلى تدخل يضع حدًا لمعاناة امتدت سنوات.
وسط تلك اللحظات ارتفعت عبارة أخرى بدت كأنها تلخص جوهر الأزمة كلها.
الشعب يريد الأب رقم اثنين.
عبارة قصيرة لكنها تحمل دلالة عميقة، فالكثير من الآباء يشعرون بأن دورهم في حياة أبنائهم تقلص إلى حدود ضيقة للغاية، بينما تبقى الرغبة الطبيعية في أن يكون الأب حاضرًا في حياة طفله، يشاركه تفاصيل يومه، ويحتضنه، ويشاركه فرحته وحزنه وتربيته.
القضية التي تنظرها المحكمة تمس واحدًا من أكثر ملفات المجتمع المصري حساسية وتعقيدًا. قانون الأحوال الشخصية ليس مجرد نصوص قانونية، بل منظومة تتحكم في مصير الأسرة المصرية بعد الطلاق، وتحدد شكل العلاقة بين الآباء والأمهات والأطفال.
على مدى سنوات طويلة ظل هذا الملف محل نقاش واسع داخل المجتمع، بين من يرى أن النصوص الحالية تحتاج إلى مراجعة شاملة تحقق توازنًا أكبر، وبين من يخشى أن تؤدي أي تعديلات غير مدروسة إلى تعقيدات جديدة.
لكن ما بدا واضحًا في المشهد الذي تشكل أمام مجلس الدولة أن القضية بالنسبة لكثير من الحاضرين تجاوزت حدود الجدل القانوني. إنها قضية حياة يومية يعيشها الآباء والأسر الممتدة، قضية أطفال يكبرون بعيدًا عن أحد جناحي العائلة.
الهتافات التي تعالت عبرت عن مطالب محددة تكررت على ألسنة كثيرين.
تخفيض سن الحضانة إلى سبع سنوات للولد وتسع سنوات للبنت دون تخيير، مطلب يرى مؤيدوه أنه يحقق قدرًا من التوازن داخل الأسرة، ويمنح الأب مساحة أكبر للمشاركة في تربية أبنائه خلال سنوات الطفولة المبكرة.
ومع هذا المطلب تردد نداء آخر أصبح جزءًا من النقاش المجتمعي الدائر منذ سنوات.
الاستضافة بدل الرؤية.
الفكرة في جوهرها بسيطة، لكنها تحمل معنى عاطفيًا عميقًا. فالطفل يحتاج إلى علاقة طبيعية مع والده، علاقة تقوم على العيش المشترك لبعض الوقت، وعلى مشاركة تفاصيل الحياة اليومية، لا مجرد لقاءات قصيرة محددة بساعات قليلة.
الأصوات التي ارتفعت في الرحاب حملت أيضًا اعتراضًا واضحًا على ما يراه البعض اختلالًا في التوازن داخل قانون الأسرة. هتاف يسقط يسقط قانون الأسرة الظالم تردد بين الحضور، مصحوبًا بعبارة تختصر كل المشهد الإنساني في كلمات قليلة.
عايزين نربي عيالنا.
كلمات تبدو بسيطة للغاية، لكنها تحمل جوهر القضية كلها. فالتربية ليست إجراء قانونيًا، بل شعور فطري يسكن قلب كل أب.. رغبة عميقة في أن يكون حاضرًا في حياة أبنائه، أن يراهم يكبرون أمام عينيه، أن يشاركهم أولى خطواتهم وأول نجاحاتهم وأحلامهم الصغيرة.
المشهد الذي تشكل بعد انتهاء الجلسة كشف جانبًا إنسانيًا شديد العمق في المجتمع المصري. فالعائلة الممتدة ما زالت جزءًا أساسيًا من البنية الاجتماعية، والأطفال بالنسبة لكثير من الأسر ليسوا مجرد أبناء لوالدين منفصلين، بل جزء من نسيج عائلي كامل يضم الجدات والعمات والأقارب.
لهذا جاءت الأصوات التي ارتفعت هناك محملة بمشاعر متراكمة، وكأنها محاولة لاستعادة هذا الخيط العائلي الذي انقطع في كثير من الحالات.
قانون الأحوال الشخصية في مصر عرف عبر تاريخه محطات عديدة من التعديل والتطوير وكل مرحلة كانت تعكس تغيرات المجتمع وتطور رؤيته لمفهوم الأسرة والعلاقة بين أفرادها.
واليوم يقف هذا القانون مرة أخرى أمام لحظة مراجعة محتملة، في ظل نقاش واسع يتداخل فيه القانوني بالاجتماعي، والحقوقي بالإنساني.
الأطفال يظلون في قلب هذه المعادلة المعقدة. مستقبلهم واستقرارهم النفسي والعاطفي يظل الهدف الأسمى لأي تعديل أو إصلاح تشريعي. لكن هذا الهدف لا ينفصل عن أهمية وجود الأب في حياة الطفل، كركيزة أساسية من ركائز التوازن الأسري.
الأصوات التي تعالت في الرحاب حملت رسالة واضحة.
رسالة تقول إن الأبوة ليست مجرد لقب، بل علاقة حياة كاملة. علاقة تحتاج إلى حضور يومي واحتضان دائم ومشاركة حقيقية في بناء شخصية الطفل.
وما بين الهتافات التي ارتفعت بنداء إحنا معاك يا ريس، والعبارة التي خرجت من القلوب قبل الألسنة عايزين نربي عيالنا، تتجسد قصة مجتمع يبحث عن معادلة أكثر عدلًا ورحمة داخل الأسرة المصرية.
قصة آباء قلوبهم معلقة بضحكات أطفال ينتظرون أن يعودوا يومًا إلى دفء العائلة كاملة.
