ليست بالتراضي!
بقلم: حسن سليم
الملف الذي يدار في قاعات محاكم الأسرة لا يحتمل المجاملات اللغوية ولا الصياغات الدبلوماسية، فالواقع الصادم الذي يعيشه آلاف الآباء في مصر يكشف خللاً هيكليًا في فلسفة تنظيم الرؤية بعد الانفصال.. الأب في كثير من الحالات لا يعامل بوصفه شريكًا كاملًا في التربية، بل بوصفه طرفًا خارجيًا يسمح له بزيارة أطفاله ساعات معدودة تحت رقابة رسمية وفي أماكن تفتقر إلى أبسط مقومات الإنسانية.
الصورة المتكررة واحدة.. أب يقف أمام مركز شباب أو نادٍ اجتماعي، ينتظر موعدًا محددًا سلفًا، يدخل إلى مساحة ضيقة، يمضي ثلاث ساعات بالكاد، ثم يغادر بدون أطفاله.. هذا الإطار الزمني المبتور لا يصنع علاقة، ولا يبني ذاكرة مشتركة، ولا يسمح بممارسة أبوة حقيقية.. إنه مجرد إجراء شكلي.
المشكلة ليست فقط في عدد الساعات، بل في طبيعة الفلسفة التي تحكم النظام.. حين يتم اختزال دور الأب في الزيارة الأسبوعية، يتحول من عنصر فاعل في البناء النفسي والتربوي إلى ممول يتم دفعه خارج الدائرة اليومية لحياة أبنائه.
والواقع يكشف أيضًا أن حق الرؤية يتحول في عدد كبير من الحالات إلى أداة ضغط.. الامتناع، التأجيل، اختلاق الأعذار، توظيف الطفل نفسيًا ضد الأب، كلها ممارسات تتكرر في المشهد العملي.. فالطفل يتم استخدامه كورقة مساومة لتحصيل مزيد من الأموال أو لتصفية حسابات شخصية.. قد يقال إن التعميم قاسٍ، لكن من يراقب حجم الدعاوى المتداولة وطبيعة الشكاوى المتكررة يدرك أن المسألة ليست استثناءً محدودًا بل نمطًا شائعًا.
هذا الخلل لا يضر الأب وحده، فالضرر الأعمق يقع على الطفل، فعندما يرى الطفل أن والده لا يراه إلا ساعات قليلة، وتحت إشراف رسمي، يترسخ في وعيه أن الأب ضيف، لا ركن.. ينشأ شعور خفي بعدم الاستقرار، ويكبر إحساس بأن أحد الأبوين هامشي.
البديل المطروح ليس فوضى ولا انتزاع حضانة، بل إعادة توازن.. نظام الاستضافة المتساوية، أو على الأقل الموسعة، ليس ترفًا تشريعيًا بل ضرورة اجتماعية.. أن يبيت الطفل عند أبيه أيامًا محددة، وأن يقضي وقتًا حقيقيًا في بيئة طبيعية، هذا هو الحد الأدنى لبناء علاقة سليمة.. الاستضافة تعني مشاركة فعلية في الحياة اليومية من مذاكرة وطعام وزيارات عائلية وتربية عملية.
التخوفات التقليدية من هذا النظام تستند غالبًا إلى افتراض سوء النية، لكن القانون لا يبنى على افتراضات مطلقة، بل على آليات ضمان.. يمكن تنظيم الاستضافة بضوابط واضحة، جداول زمنية ملزمة، وآليات تنفيذ صارمة تضمن عدم التعسف من أي طرف.. فالعدالة لا تعني ترجيح كفة على أخرى، بل تحقيق توازن يحفظ مصلحة الطفل أولًا.
في دول عديدة، أصبح تقاسم الوقت بين الوالدين قاعدة لا استثناء، والتجربة أثبتت أن مشاركة المسؤولية تخفف الاحتقان، وتحد من استغلال الطفل كورقة ضغط، وتبقي كلا الوالدين داخل دائرة التأثير التربوي، أما الإبقاء على نموذج الزيارة المحدودة في أماكن عامة، فهو يرسخ صراعًا مستمرًا ويغذي شعور الظلم لدى طرف كامل من المعادلة.
البعض يتعامل مع أي نقد للنظام القائم باعتباره انتقاصًا من حق الأم، بينما الحقيقة أن التوازن لا ينتقص من أحد، لأن الأم القادرة على رعاية طفلها لن يضيرها أن يشاركها الأب المسؤول هذه الرعاية، والخوف الحقيقي يظهر فقط حين يتم استخدام الطفل كأداة للهيمنة أو الابتزاز.
القضية أعمق من خلاف أسري، إنها مسألة بنية اجتماعية.. تفكيك دور الأب بهذه الصورة يخلق أجيالًا ترى الأبوة دورًا ثانويًا، ويؤسس لثقافة إقصاء مقنع.. والإصلاح يتطلب شجاعة تشريعية تعترف بالخلل، وتنتقل من منطق الزيارة الرمزية إلى منطق الشراكة الفعلية.
الاستضافة والبيات بالتساوي ليسا مطلبًا عاطفيًا، بل حق منطقي ينسجم مع فكرة أن الطفل ينتمي إلى أبوين لا إلى طرف واحد.. كل يوم يتم إهداره من علاقة الأب بأبنائه هو خسارة نفسية وتربوية لا تعوض.. والعدالة الأسرية لا تتحقق بالشعارات، بل بإعادة صياغة النظام بما يحفظ كرامة الأب، ويحمي الطفل من أن يكون سلاحًا في صراع الكبار.
