مدرسة رمضان التربوية
بقلم د. سعيد محمد المنزلاوي
عن أبي أمامة رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله، مرني بعمل. قال: عليك بالصوم فإنه لا عِدل له. قلت: يا رسول الله، مرني بعمل. قال: عليك بالصوم فإنه لا عِدل له. قلت: يا رسول الله، مرني بعمل. قال: عليك بالصوم فإنه لا مِثل له. رواه النسائي وابن خزيمة في صحيحه.
إنها مدرسة رمضان الإيمانية والتربوية والأخلاقية.
نتناولها من خلال الحديث الشريف: الصيام جُنَّة، جُنَّة أي ستر ومانع من النار.
فالصيام يقي صاحبه من الأخطار، وهو ستر حصين من الشهوات والآثام ووقاية من عذاب النار.
فهو يقي الصائم من اللغو والرفث، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب.
وجُنة كذلك تعني وقاية من النار، ولذلك روى الإمام أحمد بإسناد حسن عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الصيام جُنَّة يستجن بها العبد من النار، أي وقاية من نار جهنم.
فإذا كان الصائم متلبسًا بالصيام، فإنه كلما همَّ بمعصية تذكر أنه صائم فامتنع عنها.
ويؤيد هذا المعنى فهم الرافعي للآية الكريمة: كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون، يقول الرافعي في كتابه وحي القلم: وقد فهمها العلماء جميعًا على أنها معنى التقوى، أما أنا فأولتها من الاتقاء؛ حيث يتوجه الصيام على أنه شريعة اجتماعية إنسانية عامة يتقي بها المجتمع شرور نفسه، ولن يتهذب العالم إلا إذا كان له مع القوانين النافذة هذا القانون العام الذي اسمه الصوم.
وهذا لا يتحقق إلا إذا كان للصوم درع لصيق به، وهو الصبر.
فالمتأمل في عبادة الصوم، يجد أنه قد احتوى أنواع الصبر الثلاثة:
* الصبر على طاعة الله، في صيام رمضان.
* والصبر عن محارم الله وعن المعصية، بالإقلاع عن قبيح القول والكلام وكل ما لا يرضي الله.
* والصبر على أقدار الله المؤلمة من الجوع والعطش وضعف البدن والنفس وعلى البلاء، وما قدره الله وقضاه.
فقد اجتمعت أيها المستمع الكريم، في الصوم أنواع الصبر الثلاثة، وتحقق أن يكون الصائم من الصابرين، وبالتالي فالصائم داخل في زمرة من يوفون أجرهم بغير حساب، شأنهم شأن الصابرين. قال تعالى: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب.
فالصيام يُعوّد الإنسان الصبر والتحمل والجلد؛ لأنه يحمله على ترك مألوفه ومفارقة شهواته عن طواعية واختيار. كما يعطي للعاصي قوة على ترك المعاصي التي ألفها، فهو بين تربية عملية على الصبر، وبين تهذيب للسلوك والأخلاق. ولذا فالصوم فرصة لمن نوى الإقلاع عن التدخين وصعب عليه في غير رمضان.
كما يقوي العزيمة والإرادة على ترك الشهوات المحرمة، وفي مقابل ذلك يسهل على صاحبه فعل الطاعات، والتي كان يتكاسل عنها في غير رمضان، على ورد من القرآن والصلاة والذكر والتسبيح.
وفي كتابه وحي القلم، يقول الرافعي رحمه الله عن فلسفة الصيام: شهر هو أيام قلبية في الزمن، متى أشرفت على الدنيا قال الزمن لأهله: هذه أيام من أنفسكم لا من أيامي، ومن طبيعتكم لا من طبيعتي، فيقبل العالم كله على حالة نفسية بالغة السمو، يتعهد فيها النفس برياضتها على معالي الأمور ومكارم الأخلاق، ويفهم الحياة على وجه آخر غير وجهها الكالح، ويراها كأنما أجيعت من طعامها اليومي كما جاع هو، وكأنما أفرغت من خسائسها وشهواتها كما فرغ هو، وكأنما ألزمت معاني التقوى كما ألزمها هو، وما أجمل وأبدع أن تطهر الحياة في العالم كله، ولو يومًا واحدًا، حاملة في يديها السبحة، فكيف بها على ذلك شهرًا من كل سنة.
ولكي تغتنم بركات رمضان، عليك بالصبر على سب الآخرين وأذاهم، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصائم أن يقول لمن سابه أو شاتمه: إني امرؤ صائم، إني امرؤ صائم.
ولنتأمل هذا النمط اللغوي في قول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل إني امرؤ صائم، إني امرؤ صائم. فأسلوب الشرط يهدف إلى التوجيه الأخلاقي والتربوي للامتناع عن الرد بالمثل، مع استخدام جملة إخبارية هي إني امرؤ صائم لبيان العلة، وهي عبارة دقيقة توضح أن الامتناع عن الرد ليس عن ضعف، بل هو التزام بعبادة الصيام. ولذا استؤنس بتكرارها مرتين لزيادة التأكيد على ضبط النفس، فيعتاد المسلم الصائم على النطق بالألفاظ الطيبة، وترك الألفاظ القبيحة، وعدم مبادلة الإساءة بالإساءة، وإنما بالأحسن والتغافل عن أخطاء الآخرين.
إن الصيام ليس تعذيبًا بالجوع والعطش، وإنما هو مدرسة تربوية، يقول صلى الله عليه وسلم: من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه.
الصيام ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، وإنما ترويض للنفس وتهذيب لها وسمو بالروح ورفعة لها، فغاية الصيام وهدفه الأسمى الوصول إلى تقوى الله عز وجل. يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون.
