recent
عـــــــاجــــل

ليلة القدر.. ليلة ذات قدر

 

ليلة القدر.. ليلة ذات قدر

ليلة القدر.. ليلة ذات قدر


بقلم د. سعيد محمد المنزلاوي 

 حسب رمضان أن فيه ليلةَ القدر. قال تعالى: "إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر".

 القدر، لغة تعني الشرفَ والعظمة. فليلة القدر، هي ليلة ذات شرف ومكانة عظيمة.

 وسميت ليلة القدر بهذا الاسم:

- لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة لقوله تعالى: "فيها يفرق كل أمر حكيم". وهو التقدير السنوي الخاص. فهناك تقدير عام مقدم على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.

- ولعظم قدرها وشرفها. فقيامها والعمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلةُ القدر. فالذي يحييها يصير ذا قدر.

- وكذلك لما يقع فيها من تنزل الملائكة، ونزول البركة والرحمة والمغفرة، ولأن الأرض تضيق فيها عن الملائكة. 

 ولك أن تربط بين قول الله تعالى "ليلة القدر خير من ألف شهر" وما رواه الإمام مالك في الموطأ أنه سمع من يثق به من أهل العلم "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُرِيَ أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك، فكان تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرهم، فأعطاه الله ليلة القدر خيرًا من ألف شهر".

 وهذه خصيصة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، ففي حديث أنس: "أن الله وهب لأمتي ليلة القدر، ولم يعطها من كان قبلهم".

 وعن قيام ليلة القدر قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه". فقد علق الله تعالى نيل المغفرة في ليلة القدر على شرطين: الإيمان، والاحتساب.  كما أن ثمة مناسبةٌ بين العمل والجزاء: ليلة ذات قدر أي (شرف وعظمة)، تغفر فيها ذنوب ذاتُ قدر (أي كبيرة). فلفظ القدر في الحديث يحمل معنيين: ليلةَ القدر أي (العظمة) والقدرَ بمعنى (الكَمية)، مما يضفي عمقًا دلاليًّا بأن من أحياها نال مغفرة كاملة. 

 ولهذا كان العمل في هذه الليلة المباركة يعدل ثوابَ العمل في ألف شهر ليس فيها ليلةُ القدر، وألف شهر ثلاثةٌ وثمانون عامًا وزيادة، فهذا مما يدل على فضل هذه الليلة العظيمة. 

والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن، متى تكون ليلة القدر؟

 إنها ليلة في شهر رمضان وترجى في العشر الأواخر منه، لقول النبي صلى الله علي وسلم "تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان". متفق عليه.

 وطلبها في أوتار العشر الأخير آكد، لقوله صلى الله عليه وسلم " اطلبوها في العشر الأواخر في ثلاث بقين، أو سبع بقين، أو تسع بقين". وليلةُ سبع وعشرين أرجاها، وقد رجح ابن عباس وأُبي بن كعب وغيرُهما أنها ليلة سبع وعشرين. 

 والحكمة في إخفاء ليلة القدر؛ حتى لا يتقاعس المؤمنون عن إحياء جميع ليالي العشر الأواخر من رمضان، بل يجتهد المسلم في جميع الأيام. 

 البعض يجتهد ويعبد الله في ليلة يظنها ليلةَ القدر، ثمّ يظهر له أنّها ليست ليلةَ القدر، فيضيق، فليحذر أن يكون ذلك الشعور مبطلاً لعمله تلك الليلة. رُبَّ دعاءٍ مستجابٍ، أو ذكرٍ مرفوع، أو صلاةٍ متقبلةٍ في ليلة غيرِ وتريّة، فلا تفرط في العبادة في كل الليالي.  

 إن الذي يبحث عن ليلة القدر ليخصها بالعبادة دون غيرها، لا يوفق لذاتها، أو للاجتهاد فيها، أو لحضور القلب في عبادته فيها. فاجتهد في سائر الليالي.

 ولذلك تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره" أخرجه مسلم.

 أنت عند موتك تتمنى أن يزيدك الله دقيقة واحدة تسبحه فيها، ها قد وهبك الله في ليلة القدر ثلاثاً وثمانين سنة إضافية، فماذا أنت صانع فيها؟ تزوّد لليلة القدر بنوم كافٍ، واغتسالٍ وتطيب، ولبسِ أجملِ الثياب، فقد تكون أعظمَ عيد يمر بك في حياتك، عيد يكتبك الله فيه من سكان الجنة.

 صلّ فإن تعبت فاقرأ القرآن، فإن أُجهدت فسبّح، فإن فرغت فادعُ، فإن قرب الفجر فاستغفر الله، إنه كان غفارًا.

 ولا تنس الدعاء، فللصائم دعوة مستجابة. أخرج ابن ماجة والحاكم عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن للصائم عند فطره دعوةً لا ترد". يعني دعاءً مستجابًا بضمان الوعد النبوي، لا يحجبه الله تعالى.

ويؤيده قوله تعالى في أثناء آيات الصيام "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان". وفي هذا ترغيب للصائم بكثرة الدعاء رجاء الإجابة.

فليلة القدر ليلة مباركة، يستجاب فيها الدعاء بإذن الله، ويتغير الحال لأحسن حال، وتحل بركتُها على كل من سألها من الله

ورد عن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله: إن وافقتها فبما أدعو؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني". رواه أحمد وابن ماجة. فاحرص أن تكثر الدعاء فيها بطلب العفو والعافية.


google-playkhamsatmostaqltradent