الأب المجهول
بقلم: حسن سليم
على مدار التاريخ الإسلامي، ظلت الأسرة محور اهتمام الفقهاء وعلماء الشريعة، باعتبارها الوحدة الأساسية التي يقوم عليها المجتمع، لكن هناك اجتهادات حديثة، تتنكر لهذه الحقيقة، فتتعامل مع الأب بعد الطلاق على أنه "مجهول"، بينما يتم منح الأم حق الحضانة بالكامل بحجة أن الطفل كان في بطنها، وأن الأم بدورها كانت في بطن أمها، ومن ثم تنتقل الحضانة إلى الأم ثم إلى أم الأم.. هذه الرؤية تحمل غرابة تجعل تصديقها صعباً على أي عقل سليم، فهي تجعل الأب شخصية ثانوية أو هامشية في حياة طفله، وكأن التاريخ الإسلامي برمته لم يعترف بحقوقه.
الخطأ الجوهري في هذا الطرح يكمن في اختزال مفهوم الحضانة إلى مجرد امتداد بيولوجي، متجاهلاً مقاصد الشريعة في حماية الأسرة والطفل على حد سواء.. القرآن الكريم والسنة النبوية نصا على أهمية الأسرة المتكاملة، وعلى أن حقوق الطفل لا تقتصر على وجود الأم، بل تشمل الأب وواجبه في التربية والمراقبة والإرشاد، وأي اجتهاد يحول الأب إلى مجهول يخالف هذا المبدأ، ويدخل الأمة في فهم خاطئ للشريعة.
إذا عدنا إلى الفقهاء الأربعة، نجد أن كل واحد منهم وضع حدوداً دقيقة للحضانة بعد الطلاق، مع مراعاة مصلحة الطفل ومكانة الأب.. الإمام أبو حنيفة اعتبر أن الحضانة للأم حتى سن معينة، لكنه لم ينكر دور الأب في المسؤولية المالية والمعنوية، بل شدد على ضرورة حضوره في حياة الطفل لضمان استقراره النفسي والاجتماعي.. والإمام مالك أكد على أن مصلحة الطفل هي الأصل، وأن الأب عنصر أساسي في هذه المصلحة، وأن غيابه يخل بالنظام الأسري.. والإمام الشافعي شدد على التوازن بين حقوق الأم والأب، مع الحفاظ على مشاركة الأب في القرارات الكبرى المتعلقة بالطفل، بما فيها التربية والتوجيه.. والإمام أحمد بن حنبل أكد على واجب الأب وحقه في متابعة شؤون أبنائه، واعتبر أن حرمان الأب من أي دور هو خرق لمقاصد الشريعة في العدالة وحماية الأسرة.
هذه المقارنات الفقهية تكشف بشكل صارخ التناقض بين الاجتهاد الحديث الذي يجعل الأب "مجهولاً" وبين إرث الفقه الإسلامي الغني الذي يوازن بين الطرفين، فالطفل يحتاج إلى توازن في الرعاية بين الأب والأم، لأن وجود الأب يمثل الهوية الشرعية والنموذج الرمزي للعائلة، ويساهم في بناء شخصية الطفل على أسس متينة.. وأي غياب متعمد للأب يؤدي إلى اختلال نفسي واجتماعي، وهو ما أكدته الدراسات النفسية الحديثة، التي أثبتت أن الأطفال الذين يتم حرمانهم من وجود الأب في حياتهم يعانون من مشاكل سلوكية وعاطفية ونفسية أكثر من غيرهم.
الفكرة القائلة بأن الأب مجهول وأن الحضانة يجب أن تكون للأم وحدها هي رؤية ضيقة وتفسير سطحي للشريعة، لا يستند إلى أي نص صريح.. إنها محاولة لتبسيط الأمور بطريقة مدمرة، تجعل الأب مجرد كائن غائب عن حياة طفله، وكأن حضوره ليس له أي قيمة، هذا التجريد يتناقض مع مفهوم الأسرة الإسلامية كوحدة متكاملة، حيث لكل طرف دوره وأهميته.
من منظور تاريخي، نجد أن المجتمعات الإسلامية عبر العصور لم تتخذ مثل هذا الموقف.. على سبيل المثال، في عهد الخلفاء الراشدين، كان للأب دور فعال في حياة الطفل حتى بعد انفصال الأم عنه، وكان الحفاظ على حقوق الأب جزءاً من حماية الأسرة واستقرار المجتمع، وعبر العصور عمل الفقهاء على صياغة قوانين الحضانة بما يضمن مشاركة الأب والأم معاً، مع مراعاة مصالح الطفل.. لم يكن هناك أي تصور يجعل الأب مجهولاً أو ثانوياً.
المفارقة الساخرة هنا أن فكرة "الأب المجهول" لا تصيب الأب وحده، بل تصيب الطفل أيضاً، إذ يتم حرمانه من نصف منظومة الرعاية التي أرادها الإسلام، ويتركه في دائرة أحادية الجانب، حيث تصبح الأم وحدها محور الحضانة، بينما يظل الأب خارج الصورة. هذا الطرح، رغم أنه قد يتم تسويقه كفهم حديث للشريعة، إلا أنه في الواقع يسيء إلى الإسلام وإلى التاريخ الفقهي نفسه، ويخالف مقاصد العدالة والرحمة التي أرساها القرآن والسنة.
علاوة على ذلك، فإن هذا التجريد يعكس ضعف الفهم الاجتماعي والديني في عصرنا، حيث يقدس الأمومة بطريقة تحجب الأب وتهمشه، وكأن وجود الأب لا ضرورة له، بينما التاريخ الإسلامي يوضح العكس تماماً وهو أن الأب جزء لا يتجزأ من الأسرة، وحضوره شرط أساسي لاستقرار الطفل ونموه النفسي والاجتماعي.. أي اجتهاد يعكس خلاف ذلك يجب أن يعاد النظر فيه فوراً، لأنه يضر بالطفل ويشوه مفاهيم الأسرة الصحيحة.
كما أن أثر هذه الفكرة لا يقتصر على الجانب الشرعي فحسب، بل يمتد إلى البعد النفسي والاجتماعي.. فالطفل الذي ينشأ في بيئة تحرم وجود الأب يعاني من خلل في التوازن العاطفي، ويصبح أكثر عرضة للمشكلات النفسية والسلوكية، وهو ما أكدته الدراسات الحديثة في علم النفس الاجتماعي والتربية.. والإسلام عند تطبيقه الصحيح، يضمن أن الطفل ينشأ في بيئة متوازنة تشمل الأب والأم، ويمنع أي نوع من التهميش لأي طرف من الأطراف.
الأب المجهول هو فكر يترك الطفل في دائرة أحادية الجانب، وأي اجتهاد يبعد الأب عن حياة الطفل أو يقلل من حضوره هو اجتهاد خاطئ، ويهدد استقرار الأسرة والمجتمع.. ومواجهة هذه الرؤية المشوهة واجب فقهياً واجتماعياً، لأنها تضمن استعادة التوازن بين الأب والأم، وتحافظ على حقوق الطفل، وتعيد الفقه إلى مساره الصحيح.
فالتاريخ الفقهي، والقرآن الكريم، والسنة النبوية جميعها تؤكد أن الأب جزء لا يتجزأ من الأسرة، وأن أي اجتهاد يقلل من حضوره أو يجعله "مجهولاً" هو اجتهاد مشوه، يتجاهل مقاصد الشريعة، ويضر بالطفل والمجتمع على حد سواء.. التحدي الحقيقي هو إعادة قراءة هذه النصوص بحكمة ووعي، لاستعادة مفهوم الأسرة المتكاملة، حيث للأب والأم دور متساوٍ في تربية الطفل وضمان مستقبله، بعيداً عن أي اجتهاد يختزل الأب إلى مجهول.
