إيدي كوهين.. بوق "التريند" الأجوف
بقلم: حاتم السعداوي
في عصر المنصات الرقمية المفتوحة، لم يعد الحضور الإعلامي مرهوناً بالرصيد المعرفي أو الثقل السياسي بقدر ما أصبح مرتبطاً بقدرة الفرد على إثارة الجدل وجذب التفاعل. وفي هذا السياق يبرز اسم إيدي كوهين كأحد الأصوات التي اعتادت إطلاق تصريحات مثيرة للانتقاد، لا سيما حين تتناول الشأن المصري أو القضايا العربية بلغة تميل إلى الاستفزاز أكثر من التحليل.
الخطاب الذي يتبناه كوهين عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي يعتمد في كثير من الأحيان على عبارات حادة أو تعليقات ساخرة، تستهدف إثارة ردود فعل سريعة، وهو أسلوب بات معروفاً في بيئة الإعلام الجديد حيث تتحول "الترندات" إلى هدف بحد ذاته. غير أن هذا النمط من الطرح يظل بعيداً عن معايير النقاش الموضوعي الرصين الذي يستند إلى معلومات دقيقة أو قراءة تاريخية متوازنة.
المتابع للمشهد يلحظ أن أي تناول سطحي لتاريخ مصر أو مكانتها الإقليمية يفتقر إلى إدراك عميق لطبيعة هذا البلد ودوره الممتد عبر قرون. فمصر ليست مجرد عنوان سياسي عابر، بل دولة ذات جذور حضارية ضاربة في عمق التاريخ الإنساني، أسهمت في تشكيل ملامح المنطقة ثقافياً وسياسياً واستراتيجياً. ومن هنا فإن اختزالها في تعليقات عابرة أو أحكام انفعالية لا يعكس سوى محدودية في أدوات التحليل.
وعلى امتداد تاريخها، واجهت مصر تحديات جسيمة وتحولات مفصلية، لكنها ظلت فاعلاً رئيسياً في محيطها العربي والإقليمي. من معاركها الفاصلة في العصور الوسطى إلى أدوارها الحديثة في دعم الاستقرار الإقليمي، رسخت القاهرة حضورها باعتبارها رقماً صعباً في معادلات المنطقة. ويكفي أن التاريخ العسكري والسياسي الحديث يسجل لحظات مفصلية أعادت رسم موازين القوى، وهو ما يجعل أي قراءة مبتسرة لهذه المسيرة أقرب إلى الانطباع الشخصي منها إلى التقييم الموضوعي.
الخطاب الاستفزازي، بطبيعته، يقوم على إثارة المشاعر أكثر من بناء الحجج. وهو أسلوب قد يحقق انتشاراً آنياً، لكنه نادراً ما يصمد أمام النقاش المتزن أو البحث الأكاديمي الرصين. فالنقد السياسي، كي يكون مؤثراً، يفترض أن يستند إلى معطيات واضحة وأن يقدم رؤية قابلة للنقاش، لا أن يكتفي بإطلاق عبارات عامة أو مقارنات غير دقيقة.
كما أن السخرية من التحديات الاقتصادية أو الاجتماعية التي تواجهها أي دولة لا تشكل بديلاً عن التحليل العميق لأسباب هذه التحديات وسياقاتها الدولية والإقليمية. فالأزمات التي تمر بها الدول غالباً ما ترتبط بتشابكات معقدة في الاقتصاد العالمي والتحولات الجيوسياسية، ولا يمكن اختزالها في جملة عابرة أو تعليق ساخر.
في المقابل، يظل الوعي الجمعي لدى الشعوب، وفي مقدمتها الشعب المصري، عاملاً حاسماً في التعامل مع مثل هذه الأصوات. فالتاريخ لا يُختزل في منشور، والرمزية الحضارية لا تُمسّ بتغريدة. إن قوة الدول تقاس بقدرتها على البناء المؤسسي والاستقرار الداخلي وحسن إدارة التحديات، لا بردود الفعل الانفعالية على تصريحات فردية.
من هنا تبدو الحاجة ملحة إلى ترسيخ ثقافة النقاش المسؤول، الذي يفرق بين الرأي والمعلومة، وبين النقد المشروع والخطاب الاستفزازي. فالمساحة الرقمية، رغم اتساعها، لا تمنح تلقائياً مصداقية لمن يستخدمها، بل تضع الجميع أمام اختبار المهنية والدقة واحترام العقول.
في النهاية، يبقى التاريخ هو الحكم الأكثر إنصافاً بين الروايات المتعارضة. أما الجدل العابر على منصات التواصل، مهما بلغ صخبه، فيظل جزءاً من ضجيج يومي سرعان ما يتلاشى، بينما تستمر الدول ذات الجذور الراسخة في أداء أدوارها وصياغة مساراتها بثبات واتزان.
