ترشيد الإنفاق الحكومي والتكاتف المجتمعي ضرورة وطنية لعبور المرحلة الراهنة
بقلم: المستشار طلعت الفاوي
تمر الدولة المصرية بمرحلة دقيقة تتشابك فيها التحديات الاقتصادية العالمية مع التحولات الإقليمية المتسارعة، وهو ما يفرض على الجميع حكومة ومؤسسات ومواطنين استدعاء روح المسؤولية الوطنية والعمل المشترك لحماية استقرار المجتمع والحفاظ على مكتسبات الدولة. وفي مثل هذه اللحظات المفصلية لا يكون الحل في الإجراءات الحكومية وحدها، بل في حالة من التكاتف المجتمعي الواعي الذي يدرك طبيعة التحديات ويشارك بفاعلية في مواجهتها.
إن المرحلة الراهنة تتطلب تعزيز الوعي العام بقيمة الموارد المتاحة، وفي مقدمتها الطاقة والسلع الاستراتيجية، وهو ما يجعل ترشيد الإنفاق الحكومي خطوة ضرورية تسبق أي مطالب أخرى. فالدولة مطالبة اليوم بأن تقدم نموذجاً واضحاً في إدارة الموارد بكفاءة، من خلال تبني سياسات أكثر انضباطاً في استهلاك الطاقة داخل المؤسسات الحكومية، ومراجعة آليات التشغيل في عدد من القطاعات الخدمية التي تعتمد بشكل كبير على الوقود التقليدي مثل السولار والمازوت والبنزين.
ويأتي ذلك عبر تنفيذ حزمة من الإجراءات العملية التي تستهدف تقليل معدلات الاستهلاك دون التأثير على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، بما يحقق التوازن بين ترشيد الموارد واستمرار عجلة العمل. فالمطلوب ليس تقليص الخدمات، وإنما إدارة استخدامها بشكل أكثر كفاءة، وهو ما يتطلب مراجعة دقيقة لأنماط التشغيل في عدد من المشروعات الحكومية والقطاعات الخدمية كثيفة الاستهلاك للطاقة.
ومن بين الخطوات المهمة في هذا الإطار ضرورة ضبط إيقاع العمل في تلك القطاعات بما يسهم في خفض الاستهلاك الكلي للطاقة، خاصة في ظل التقلبات العالمية في أسعار الوقود ومصادر الطاقة. فكل لتر وقود يتم توفيره اليوم يمثل دعماً مباشراً للاقتصاد الوطني ويسهم في تعزيز قدرة الدولة على مواجهة أي ضغوط خارجية محتملة.
ومن هنا تبرز أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه الأجهزة المحلية في المحافظات، حيث نناشد السادة رؤساء الأحياء والمدن بضرورة المتابعة الميدانية اليومية لملف ترشيد استهلاك الكهرباء، باعتباره أحد الملفات التي يمكن تحقيق نتائج ملموسة فيها خلال فترة قصيرة إذا ما تم التعامل معها بجدية وانضباط.
وتشمل هذه المتابعة مراجعة أوضاع أعمدة الإنارة في الشوارع والميادين العامة وضبط توقيتات تشغيلها بما يتوافق مع الحاجة الفعلية للإضاءة، إذ لا يعقل أن تستمر ظاهرة إضاءة أعمدة الإنارة في وضح النهار، وهي صورة لا تعكس فقط إهداراً للطاقة، بل تعكس أيضاً خللاً في منظومة المتابعة والإدارة. كما يتعين متابعة إضاءة اللوحات الإعلانية واللافتات التجارية للتأكد من التزام أصحابها بضوابط ترشيد الاستهلاك، مع اتخاذ الإجراءات القانونية الفورية حيال أي مخالفات.
لكن الجهد الحكومي مهما بلغ لن يكون كافياً إذا لم يصاحبه وعي مجتمعي حقيقي يدرك أهمية المشاركة في هذه الجهود. فالمواطن شريك أساسي في معادلة الترشيد، بدءاً من تقليل استهلاك الكهرباء في المنازل، مروراً بالاستخدام الرشيد للوقود، وصولاً إلى تبني ثقافة عامة قائمة على احترام الموارد وعدم إهدارها.
إن التكاتف بين الحكومة والمجتمع يمثل صمام الأمان الحقيقي لعبور هذه المرحلة الاستثنائية بأقل قدر ممكن من التأثيرات، فحين يشعر المواطن بأنه جزء من الحل، وليس مجرد متلقٍ للإجراءات، يصبح أكثر استعداداً للمشاركة والتعاون.
وفي الوقت ذاته تدرك الحكومة حجم التحديات التي تفرضها الظروف العالمية الراهنة، ليس فقط على الاقتصاد المصري، بل على اقتصادات العالم أجمع، وهي تدرك كذلك أن هذه التحديات قد تفرض ضغوطاً إضافية على المواطنين وعلى قطاعات الإنتاج والخدمات. ومن هنا فإن جميع الإجراءات التي يتم اتخاذها تأتي في إطار الحفاظ على استقرار الأوضاع الاقتصادية وتأمين احتياجات الدولة من الطاقة والسلع الأساسية.
كما أن هذه الإجراءات بطبيعتها مؤقتة ومدروسة، ويتم اتخاذها في ضوء قراءة دقيقة للتطورات العالمية، إلى أن تتضح الاتجاهات الاقتصادية الدولية بشكل أكثر استقراراً.
وفي خضم هذه المعادلة المعقدة تبرز ضرورة بناء منظومة متكاملة لإدارة الاحتياطي الاستراتيجي من السلع الغذائية ومصادر الطاقة، بحيث تمتلك الدولة مرونة كافية للتعامل مع أي أزمات أو متغيرات دولية مفاجئة. فالعالم اليوم يعيش على وقع أزمات متلاحقة، بدءاً من اضطرابات سلاسل الإمداد وصولاً إلى التوترات الجيوسياسية التي تؤثر بشكل مباشر في أسواق الغذاء والطاقة.
ومن ثم فإن امتلاك احتياطي استراتيجي قوي وإدارته بكفاءة يمثلان خط الدفاع الأول لحماية الأمن الاقتصادي والاجتماعي للدولة. فالدول التي تنجح في بناء منظومات احتياطية مرنة تكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمات العالمية والحفاظ على استقرار أسواقها الداخلية.
إن ترشيد الإنفاق الحكومي ليس مجرد إجراء اقتصادي عابر، بل هو ثقافة يجب أن تتجذر في مؤسسات الدولة وفي وعي المجتمع على حد سواء. وعندما تتكامل جهود الحكومة مع وعي المواطنين يصبح الوطن أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحويل الأزمات إلى فرص لبناء اقتصاد أكثر صلابة واستدامة.
