مقترح أكاديمي لإعادة هيكلة الكليات في الجامعات المصرية لمواكبة التحول نحو التعليم التكنولوجي
كتب - حسن سليم
طرح الدكتور عمرو الدمرداش، الأستاذ بكلية الفنون التطبيقية بجامعة دمنهور، تصورًا أكاديميًا متكاملًا لإعادة هيكلة الكليات داخل الجامعات المصرية، بما يتماشى مع التحولات العالمية المتسارعة في الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا الحديثة، ويستجيب في الوقت نفسه لمتطلبات سوق العمل المتغيرة. ويأتي هذا المقترح في ظل توجه الدولة المصرية لتطوير منظومة التعليم العالي وتعزيز التعليم التطبيقي من خلال التوسع في إنشاء الجامعات التكنولوجية وربط مخرجات التعليم باحتياجات الصناعة والتنمية.
وأوضح الدكتور عمرو الدمرداش أن العالم يشهد تحولات جوهرية في طبيعة الاقتصاد وسوق العمل نتيجة التطور التكنولوجي المتسارع، وهو ما أدى إلى تغير نوعية المهارات المطلوبة من خريجي الجامعات، حيث لم يعد الاكتفاء بالمعرفة النظرية كافيًا، بل أصبح التركيز منصبًا على المهارات التطبيقية والقدرة على الابتكار والتعامل مع التقنيات الحديثة.
وأشار إلى أن بعض الكليات في الجامعات المصرية ما زالت تعاني من تكرار التخصصات وتضخم أعداد الخريجين في مجالات نظرية لا تتوافق أحيانًا مع احتياجات سوق العمل، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في الهيكل التنظيمي للكليات لتحقيق كفاءة أكبر في إدارة الموارد البشرية والمادية وتحسين جودة المخرجات التعليمية.
وأكد أن المقترح يأتي استنادًا إلى ما طرحه الرئيس عبد الفتاح السيسي في أحد خطاباته حول ضرورة مراجعة التخصصات الجامعية غير المتواكبة مع احتياجات سوق العمل، بما يسهم في بناء منظومة تعليمية أكثر مرونة وقدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية.
ويرتكز المقترح على مجموعة من المبادئ الأساسية، في مقدمتها إزالة أو دمج التخصصات النظرية الزائدة التي لا تلبي متطلبات سوق العمل، وتحويل التركيز إلى التخصصات التكنولوجية والتطبيقية التي تخدم الصناعة والاقتصاد الرقمي، مع إعداد خريجين يمتلكون القدرة على الابتكار وريادة الأعمال والمنافسة على المستوى العالمي.
كما يستهدف المقترح إعادة تنظيم الكليات المتشابهة أو المتقاربة تخصصيًا داخل الجامعات المصرية، وتقليل التكرار بين الأقسام الأكاديمية في الكليات المختلفة، ودعم التوجه نحو التعليم التطبيقي والتكنولوجي، إلى جانب رفع جودة إعداد المعلمين وربطهم بالتطورات الحديثة، بما يحقق كفاءة أعلى في إدارة الجامعات.
ويتضمن النموذج المقترح أيضًا تطوير نظام الدراسة ليصبح بنظام أربع سنوات وفق نموذج اثنين زائد اثنين، بحيث يحصل الطالب بعد اجتياز العامين الأولين على دبلوم فوق المتوسط، ثم يستكمل العامين الثالث والرابع للحصول على درجة البكالوريوس بشرط تحقيق تقدير جيد جدًا على الأقل، على أن تكون المصروفات الدراسية وفق نظامين مختلفين بحسب مستوى الطالب الأكاديمي.
وفيما يتعلق بمحاور إعادة الهيكلة، يقترح الدكتور عمرو الدمرداش تحويل بعض الكليات ذات الطبيعة التقنية إلى كليات للتعليم والتكنولوجيا، وتشمل كليات التربية النوعية وكلية الاقتصاد المنزلي وأقسام الاقتصاد المنزلي والتربية الفنية والتربية الموسيقية، على أن تحمل الاسم المقترح كلية الفنون للتعليم والتكنولوجيا.
وتهدف هذه الكلية إلى إعداد معلمي التعليم التكنولوجي ومتخصصين تكنولوجيين للعمل في الصناعات الإبداعية والتراثية والتطبيقية، من خلال مجموعة من البرامج الدراسية الحديثة، مثل تكنولوجيا الفنون الموسيقية، وتكنولوجيا الزخرفة والديكور، وتكنولوجيا الطباعة والإعلان، وتكنولوجيا الأثاث وفنونه التراثية، وتكنولوجيا المعادن وفنونها التراثية، وتكنولوجيا الأثاث المعدني والحديد المشغول، وتكنولوجيا الجلود والصناعات المرتبطة بها، وتكنولوجيا النسيج والمفروشات التراثية، وتكنولوجيا الملابس الجاهزة، إضافة إلى برامج تكنولوجيا التغذية والرعاية الصحية، وتكنولوجيا الاقتصاد المنزلي والإدارة المنزلية، وتكنولوجيا الزجاج والخزف، وتكنولوجيا الفنون المسرحية.
ويقترح النموذج كذلك دمج بعض الكليات النظرية مثل كليات الآداب والتربية في كيان أكاديمي واحد يحمل اسم كلية الآداب والتربية، بحيث تضم قطاع العلوم الإنسانية الذي يشمل أقسام التاريخ والجغرافيا والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس، إلى جانب قطاع العلوم التربوية الذي يضم أصول التربية والمناهج وطرق التدريس وتكنولوجيا التعليم والقياس والتقويم وعلم النفس التربوي.
كما يتضمن المقترح تحويل جميع أقسام اللغات إلى كلية موحدة تحت اسم كلية اللغات والترجمة من خلال دمج كليات الألسن مع أقسام اللغات الأجنبية في كليات الآداب، بحيث تضم أقسام اللغة الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية واللغات الشرقية إلى جانب تخصصات الترجمة التحريرية والفورية، مع إدخال مسارات تخصصية تربط دراسة اللغة بمجالات أخرى مثل الاقتصاد والصناعة والعلوم الاجتماعية.
وفي الوقت نفسه، يقترح الدكتور عمرو الدمرداش الإبقاء على كليات دار العلوم كما هي نظرًا لتخصصها في اللغة العربية والدراسات الإسلامية، مع ضمها إلى جامعة الأزهر بما يعزز دورها العلمي في هذا المجال.
أما في مجال العلوم الاجتماعية والقانونية، فيقترح النموذج دمج كليات الحقوق وأقسام العلوم السياسية في كيان واحد يحمل اسم كلية القانون والعلوم السياسية، على أن يضم قسمين للدراسة بالعربية والإنجليزية مع تنظيم أعداد المقبولين بما يتناسب مع احتياجات سوق العمل، بما يسهم في إعداد خريجين يمتلكون مهارات متعددة تجمع بين القانون والسياسة.
كما يقترح دمج كليات التجارة وأقسام الاقتصاد في كلية واحدة تحت اسم كلية الاقتصاد وإدارة الأعمال، تضم تخصصات الاقتصاد وإدارة الأعمال والمحاسبة والتمويل والاستثمار والتسويق ونظم المعلومات الإدارية، مع وجود برامج دراسية باللغة العربية وأخرى باللغة الإنجليزية، بما يعزز قدرة الخريجين على المنافسة في الأسواق المحلية والدولية.
ويرى صاحب المقترح أن تطبيق هذا النموذج سيؤدي إلى عدد من النتائج الإيجابية، من بينها تقليل التكرار بين الكليات والأقسام الأكاديمية، ورفع كفاءة استخدام الموارد البشرية والمادية داخل الجامعات، ودعم التوجه نحو التعليم التكنولوجي والتطبيقي، وتحسين جودة إعداد المعلمين، إضافة إلى تحقيق توافق أكبر بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.
كما يتيح النظام المقترح للطلاب فرصة الانخراط في سوق العمل بعد الحصول على الدبلوم فوق المتوسط ثم العودة لاحقًا لاستكمال دراستهم الجامعية، وهو ما يوفر مرونة أكبر في المسار التعليمي والمهني.
ودعا الدكتور عمرو الدمرداش إلى ضرورة إجراء دراسات تفصيلية لكل جامعة قبل تطبيق عمليات الدمج وإعادة الهيكلة، إلى جانب وضع برامج تدريبية وتحويلية لأعضاء هيئة التدريس لمواكبة التحول التكنولوجي، وتعزيز الشراكة بين الجامعات والقطاع الصناعي لضمان ربط التعليم بالتطبيق العملي.
كما شدد على أهمية تطبيق التحول بشكل تدريجي للحفاظ على استقرار العملية التعليمية وضمان تحقيق الأهداف المرجوة من التطوير دون التأثير على جودة التعليم أو استمرارية المؤسسات الأكاديمية.
وأشار إلى أن المقترح يستند إلى نماذج عالمية ناجحة، حيث تعتمد العديد من الجامعات الأوروبية مثل جامعة أكسفورد وجامعة أمستردام على الكليات متعددة التخصصات لتقليل التكرار وتعزيز البحث العلمي المشترك، كما تعتمد جامعات آسيوية رائدة مثل معهد طوكيو للتكنولوجيا وجامعة كايست في كوريا الجنوبية على التعليم التطبيقي المرتبط مباشرة بالصناعة.
وأضاف أن جامعات أوروبية مثل جامعة برشلونة وجامعة هومبولت تعتمد نموذج دمج العلوم الإنسانية مع التربية لتعزيز إعداد المعلمين، بينما تتبنى جامعات مثل جامعة جنيف وجامعة السوربون نماذج متقدمة في دمج اللغات والترجمة ضمن كليات موحدة.
وأكد أن هذا النموذج المقترح ينسجم مع أفضل الممارسات العالمية في أوروبا وآسيا، ويسهم في تقليل عدد الكليات التقليدية إلى نحو عشر كليات رئيسية قوية متعددة التخصصات، بما يحقق التوازن بين التعليم النظري والتطبيقي والتكنولوجي، ويدعم كفاءة إدارة الجامعات المصرية وربط مخرجات التعليم بمتطلبات التنمية وسوق العمل في المستقبل.
