«عش الدبابير»
بقلم: حسن سليم
أصبح الحديث عن الزواج والطلاق يشبه السير في حقل ألغام، كل خطوة محسوبة بعناية وكل قرار قد يحمل آثارًا طويلة الأمد على الأفراد والعائلات.. فالزواج الذي كان في يوم من الأيام رباطًا مقدسًا يقوم على المودة والرحمة، تحول إلى تجربة مرهقة تحمل في طياتها خوفًا مستمرًا من الخسارة والخذلان.. لم تعد هناك ثقافة واضحة تقوم على تأسيس حياة زوجية متينة، ولم يعد هناك دليل أخلاقي أو قانوني يحمي الأطفال في حالات الطلاق، لتتحول العلاقة الزوجية إلى ساحة معركة يدفع ثمنها الزوج مدى الحياة.
الزواج اليوم في ذهن الكثيرين صار جريمة حياتية، تتحمل تكاليفها الأسرة بأكملها.. الرجل يدفع التزامات لا تنتهي، والمرأة غالبًا تحصل على حماية قانونية واسعة على حساب الأب، فيما يظل الرجل مقيدًا بواجبات لا تتقاسمها العدالة.. وعقد الزواج الذي يفترض أنه يحفظ الحقوق المتبادلة، أصبح أداة تحفظ حقوق الزوجة فقط، تاركًا الرجل في حيرة من أمره، ومهددًا باستمرارية حياته الأسرية.
الأمر المؤلم أكثر، هو الدور السلبي الذي يلعبه بعض المحامين والمحاميات في تأجيج هذه الأزمة.. وليس من الصعب ملاحظة وجود استغلال قانوني متعمد يسهم في خراب البيوت، ويقدم يد العون أحيانًا للحاضنات لحرمان الآباء من أطفالهم، تحت ذريعة حماية حقوق الأطفال.. هذا التوجه يعكس خللًا كبيرًا في النظام الاجتماعي والقانوني، حيث تغيب العدالة المتوازنة وتصبح المصالح الفردية على حساب الاستقرار الأسري.
ثقافة الجوع، بمعناها الواسع، أصبحت المسيطرة في العلاقات الأسرية.. الجوع هنا ليس الجوع المادي فقط، بل الجوع العاطفي والاجتماعي، الجوع للسلطة والانتقام والسيطرة على حياة الآخرين.. الرجل الذي يكد ويعمل يجد أن ثمرة جهده يتم استغلالها أحيانًا لإرضاء نزعة الانتقام، والمرأة التي تطلب حقوقها لا تجد من يوازن بين حقها وواجبها تجاه الأسرة.. ثقافة الانتقام أصبحت جزءًا لا يتجزأ من المشهد الأسري، وتسيطر على كل خطوة في حياة الأزواج المنفصلين أو حتى المرتبطين.
واقع الزواج في مجتمعنا يعكس أزمة كبيرة في القيم والتربية.. المودة والرحمة وهما الأساس الذي يقوم عليه أي زواج ناجح، غابا عن التجربة الزوجية لدى كثير من الناس.. لم تعد هناك رؤية واضحة لكيفية بناء علاقة قائمة على الاحترام المتبادل والتفاهم، ولم تعد هناك معايير تحمي الأطفال من النزاعات الأسرية.. والأطفال اليوم غالبًا ما يصبحون ضحايا صراع الكبار، وتضيع حقوقهم الطبيعية في ظل قوانين لا تحمي إلا جهة واحدة.
المنشورات التحريضية والعنصرية التي تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي تزيد من حجم المشكلة، فهي غالبًا ما تصدر عن شخصيات مريضة نفسياً واجتماعياً، هدفها إشعال الصراع بين الزوجين أو بين العائلات، وضرب استقرار المجتمع.. هذه المنشورات تستغل المشاعر الإنسانية، وتعمل على تحويل كل خلاف شخصي إلى معركة عامة تهدد النسيج الاجتماعي.. وفي كثير من الأحيان، تكون هذه المواد سببًا مباشرًا في افتعال مشاكل جديدة، وتحويل كل حالة طلاق أو نزاع زوجي إلى مسرح للصراع العلني، بما يعمق الفجوة بين أفراد المجتمع.
وما يزيد الطين بلة، هو غياب ثقافة حماية الأبناء بعد الطلاق.. فكثير من الأزواج يشعرون بأنهم محرومون من أطفالهم بلا مبرر، وأن كل مسار قانوني أو اجتماعي يظل منحازًا لطرف واحد، ومع ذلك من المهم التأكيد على أن لا أب يرفض أبناءه أو يتخلى عنهم عن قصد.. والأبناء في قلب كل نزاع، وهم الضحايا الرئيسيون للثقافة السائدة، التي تركز على الانتقام والسيطرة بدلًا من التعاون والمودة.
المسلسلات التي أثارت الجدل مؤخرًا كشفت عن هذه الحقيقة المرة، فهي لم تكن سوى صورة مصغرة عن واقع معقد ومؤلم.. "عش الدبابير" الذي انفتح أمام الجمهور لم يكن مجرد قصة درامية، بل انعكاس للواقع الذي نعيشه، حيث الزواج أصبح تحديًا مستمرًا، والطلاق محفوفًا بالمعاناة القانونية والاجتماعية، والأبناء غالبًا في مواجهة صراعات الكبار.
إن معالجة هذه الأزمة تتطلب جهدًا مزدوجًا، من الجانب القانوني ومن الجانب الاجتماعي والثقافي. القانون بحاجة إلى مراجعة شاملة لضمان توازن الحقوق والواجبات بين الزوجين، وحماية الأطفال من النزاعات، وتقديم آليات حقيقية لضمان التزام الطرفين بمسؤولياتهم، أما الجانب الاجتماعي، فهو بحاجة إلى بناء ثقافة جديدة قائمة على المودة والرحمة، واحترام حقوق الطرفين، ورفض ثقافة الانتقام والجوع النفسي والاجتماعي.
يجب أن يكون التعليم الأسري والتربية الزوجية جزءًا من البرامج المجتمعية، لتعريف الأزواج بحقوقهم وواجباتهم، ولغرس قيم الاحترام المتبادل وحماية الأطفال.. فالمجتمع يحتاج إلى حملات توعية تركز على أهمية الحوار والتفاهم، وأهمية التعامل مع الطلاق كأمر مؤلم ولكنه قابل للتسيير بما يحمي الأبناء ويحفظ كرامة جميع الأطراف.
كما أن دور الإعلام في هذا المجال لا يقل أهمية.. فالإعلام قادر على تقديم نماذج ناجحة للزواج، وعلاقات أسرية قائمة على المودة والرحمة، بدلًا من التركيز على النزاعات والتحريض على الكراهية.. الإعلام يمكن أن يكون أداة تعليمية وثقافية تعزز من القيم الإنسانية، وتساهم في بناء مجتمع مستقر، يحمي أفراده من الانحرافات القانونية والاجتماعية.
إن الحديث عن الزواج والطلاق اليوم ليس مجرد قضية عاطفية أو شخصية، بل هو قضية مجتمع كامل، حيث يمتد انعكاسه على الأطفال والأسرة والمجتمع لسنوات طويلة.. والمجتمع الذي يفشل في بناء منظومة قانونية وثقافية متوازنة سيظل يعاني من النزاعات المستمرة، وسيظل الأطفال ضحايا الخلافات، وسيظل الرجال والنساء أسرى ثقافة الجوع والانتقام، بلا أفق واضح لحل مشكلاتهم.
الواقع الذي نعيشه اليوم يتطلب منا جميعًا التوقف أمامه بحذر، وتحمل المسؤولية الاجتماعية.. الأزواج بحاجة إلى وعي أكبر، والقانون بحاجة إلى تحديث، والمجتمع بحاجة إلى ثقافة جديدة، والإعلام بحاجة إلى مسؤولية أكبر.. التغيير ممكن إذا توفرت الإرادة الجماعية، وإذا فهم الجميع أن الزواج ليس فقط عقدًا قانونيًا، بل رباطًا إنسانيًا يجب أن يحمي جميع الأطراف، ويصون الأطفال، ويعيد للزواج قيمته السامية في المجتمع.
إن الاستثمار في ثقافة الزواج المبنية على المودة والرحمة، وثقافة الطلاق التي تحمي الأطفال، ليس رفاهية، بل هو ضرورة اجتماعية لحماية المجتمع من الانحلال والتفكك. يجب أن يكون هدفنا جميعًا بناء مجتمع قادر على الاستقرار الأسري، قادر على مواجهة النزاعات القانونية والاجتماعية، قادر على تقديم نموذج حضاري يحمي الأجيال القادمة ويضمن لهم حياة كريمة ومستقرة.
لا يمكن تجاهل الواقع المرير، ولا يمكن استمرار الوضع على حاله، وكل خطوة نحو إصلاح الثقافة الزوجية والقانونية، وكل جهد لتعزيز قيم المودة والرحمة، وكل عمل لحماية الأطفال بعد الطلاق، هو خطوة نحو مجتمع أفضل وأكثر توازنًا واستقرارًا.. ويظل التأكيد أن الأبناء هم الرابط المقدس بين الأجيال، وأن أي زواج أو طلاق يجب أن يكون في مصلحتهم قبل أي شيء آخر، فحماية الأطفال وصون الأسرة هي المهمة الكبرى التي يجب أن تجمعنا جميعًا.
هذا الواقع الذي كشف عنه مسلسل «أب ولكن» نؤكد لكم أنه ليس مجرد دراما، بل انعكاس لما تعيشه مجتمعاتنا، ولعل أهم خطوة هي الاعتراف بالمشكلة والعمل على حلها قبل فوات الأوان، فالزواج الطيب والمودة الحقيقية ليستا حلمًا بعيد المنال إذا توفرت الإرادة والإصلاح القانوني والثقافي، وإذا أدرك المجتمع أن استقرار الأسر هو استقرار المجتمع كله.
