recent
عـــــــاجــــل

«راهبة في محراب الفن».. قصة قصيرة

 

«راهبة في محراب الفن».. قصة قصيرة

«راهبة في محراب الفن».. قصة قصيرة


بقلم: د. سعيد محمد المنزلاوي

 الحياة تنتقل بك من سيئ لأسوأ، نزاعات لا تنقطع مع زوجك ليل نهار، في البيت وخارج البيت.

 مسئولية الأولاد تتزايد يومًا بعد يوم تحملينها وحدك، فزوجك ـ كما يقولون ـ يضع يده في الماء البارد. كل ذلك وأنت منهمكة في الإعداد للمعرض القادم والذي شاركت فيه، وكلك أمل أن تحققي فيه النجاح والشهرة التي تطمحين إليها.

 غير أنَّ الرياح ـ غالبًا ـ تأتي بما لا تشتهيه السفن؛ فاللوحات التي بذلت فيها مجهودًا جبارًا، مزقها زوجك أمام ناظريك؛ ليحرمك من المشاركة في المعرض، كانت صدمتك من الشدة ما جعلك تفقدين القدرة على النطق، مدة من الزمن، وظللت عاجزة ـ تمامًا ـ عن الحركة وعن الكلام، ولكنك استعدت وعيك، وتمالكت نفسك، وعادت إليك قدرتك على الحركة وعلى الكلام.

 لم يبق على تسليم الأعمال إلا ثلاثة أيام وفقط، فواصلت الليل بالنهار، أكثرت من تناول المنبهات كالشاي والقهوة السادة.

 كانت كل لوحة تنتهين منها، تقومين بإرسالها خفية وخلسة إلى بيت صديقتها، ومع ذلك لم تقصري في أعمال المنزل ورعاية أولادها. كل ما حدث هو أنها أضررت بصحتك؛ لطول السهر وكثرة المجهود المضاعف.

 كنت تقضين الليل في مرسمك، والذي هو عبارة عن مستطيل تم استقطاعه عنوة من غرفة المعيشة، بجدار خشبي استخدمته لتعليق اللوحات عليه، وحامل من الخشب وأرفف الألوان والأصباغ المختلفة.

 بينما كان زوجك يقضي شطرًا من الليل أمام التلفاز أو منكفئًا على الجوال إلى أن يغلبه النوم، فيأوي إلى فراشه لم تكن له ساعة محددة للنوم ولكن موعد استيقاظه ثابت وهو السابعة صباحا، إلا إذا كان يوم عطلة فيتأخر بضع ساعات في فراشه يقاوم خلالها الرغبة في النهوض.

 استطعتِ المشاركة في المعرض، وذهبت إليه دون علم زوجك، فقد ظن أنه بتمزيقه للوحاتك؛ قد فقدت المشاركة في المعرض. ولكن كان لحضورك في المعرض، وتميز لوحاتك، صدى كبير، أضاف إلى مسيرتك الإبداعية، وسجلت معك إحدى الفضائيات ما جعل الغيرة تسري في نفس زوجك، وبدلًا من مشاركتك نشوة النجاح والفوز، راح يسفه أحلامك ويقلل من شأن نجاحك، والذي شهد به القاصي والداني.

 وبدأت حربه الشعواء معك بلا هوادة؛ تختفي منها بعض اللوحات تسألينه عنها، ينكر معرفته بها. تفسد تراكيب الألوان والأصباغ، وتختفي بعض الأقلام والفرش والألوان وينكر صلته بها.

 كنتِ على يقين من أنه هو مَن قام بذلك، وليس أحدًا غيره. كان يخشى من نجاحك، وكنت عازمة على النجاح.

 لما اتسعت الفجوة بينكما؛ أفسحت لنفسك في مرسمك الضيق موضعًا لأريكة صغيرة؛ تنامين عليها، وأضافت إليها خوانًا صغيرًا ومشجبا للملابس.

 تحول المرسم إلى حجرة نوم ومرسم معًا ضم عالمك كله. ومع ذلك، كنت تنامين مفتحة العينين خشية أن يعبث زوجك بلوحاتك وألوانك.

 لما أيس من تحطيم نجاحك ووأد أحلامك، راح يطعنك في أنوثتك:

 - أشعر أنني أعيش في بيتي مع رجل مثلي، الفارق بيني وبينك شارب.

 ابتعلتِ الإهانة بالرغم مما أحدثته من أخدود دامٍ في قلبك. إلا أنك من كثرة ما اعتدت على إهاناته صرت لا تبالين بما يقول.

 كانت له علاقات نسائية كثيرة. وكنت على علم بذلك، والتمست له العذر:

 - لم تعد له رغبة بي. 

 لقد جففت الخلافات منابع الأنوثة والدلال عندك، ولم يعد لديك ما تقدمينه إليه؛ فراح يقتات على موائد الساقطات.

 شيء واحد كان يربطك به، وهو الأولاد، وبالرغم من كونه خيطًا أوهي من أن تجبري نفسك على البقاء معه تحت سقف بيت واحد، إلا أنك آثرت مصلحة بنيك، كنت تخشين ضياعهم معه، وافتقارهم معك؛ فلست تقدرين ـ بمفردك ـ على تربية أولاد في سن المراهقة.

 لكنَّ هذا الخيط الناحل لم يصمد طويلًا، وفوجئت بنفسك طريدة من حياته بالطلاق ومن بيتك وأولادك معًا.

 نصحك البعض أن تتوجهي إلى محكمة الأسرة لأخذ حقك منه. لكنك أبيت.

 - ماذا يقول أولادي عندما يرون أمهم وقد اشتكت والدهم وتقاضته أو قامت بسجنه؟

 ورحت بما تمتلكين من شفافية الروح تغفرين له جنايته عليك:

 - حسبه أنه لم يرمِ أولاده ولم يضحِ بهم كما ضحى بي.

 لم يكن لديك ما تنفقين به على نفسك؛ فرحت تبيعين لوحاتك بأبخس الأثمان، وتقتاتين بثمنها. بل رضيت ـ على مضض ـ بالرغم من رفضك لذلك من قبل، بأن ترسمي بعض البورتريهات كي تنفقي من ثمنها على فنك، وتستطيعين دفع إيجار الغرفة التي استأجرتها على سطح إحدى البنايات القديمة.

 كنت كلما اشتاقت لأولادك؛ تذهبين إليهم في مدارسهم تنتظرين خروجهم. في بداية الأمر كانوا يتنكرون لك، ويرفضون مقابلتك. شيئا فشيئا زالت تلك الصورة المشوهة التي رسمها أبوهم عنك؛ كان يتعمد إبعادهم عنك، ولكنه لم يستطع.

 بعد سنة من طلاقك، تزوج مطلقك بأخرى كنت تخشين أن تسيء إلى أولادك. إلا أنها كانت تحسن إليهم، فاطمأن قلبك، ورحت تتفرغين لفنك، والذي وهبته عمرك كله.

 أتاحت لك وحدتك مزيدًا من الوقت للتفرغ لفنك. قمت بتسجيل تجربتك ومعاناتك بريشتك. أفردت التجربة نتاجًا ضخمًا طبع أعمالك بمسحة حزينة، تحدث عنها النقاد طويلًا.

 صرت أيقونة المعارض، وأصبحت مشاركتك في إحدى المعارض إشارة قوية إلى نجاح هذا المعرض. 

 تصدرت لوحاتك أغلفة المجلات المتخصصة وأجريت معك الكثير من اللقاءات الصحفية والأحاديث التليفزيونية.

 دعتك مدرسة ابنك لعرض تجربتك الناجحة والإشراف على الطلاب الموهوبين في الرسم. فوجئت بأن ابنك أحد هؤلاء الموهوبين في الرسم.

 - لم يبدُ عليك يوما أنك ترسم أو تحب الرسم.

 - كنت أرسم، ولكن خفية؛ فلم يكن أبي يرضى لي أن أصبح فنانا مثلك. تعرفين موقفه منك ومن الرسم.

 كانت سعادتك بابنك غامرة، لقد انتصر الفن بالرغم من محاربة مطلقك له.

 ولأجل ابنك، قبلت القيام بنفسك على تدريب الطلاب الموهوبين وشاركت بأعمالهم في معارض عدة ونجحت كل تلك المعارض.

 فوجئ الأب بأن ابنه ضمن المكرمين في المعرض الذي أقامته وزارة الثقافة للأطفال.

 - كيف ذلك؟ لِمَ لَمْ تخبرني بفوزك؟ ولماذا لم تدعني إلى الحضور؟ - لموقفك من الرسم ورفضك أن أرسم هل نسيت معارضتك لي وتمزيقك لوحاتي أكثر من مرة؟

 - كان ذلك منذ سنوات، بسبب تلك الخلافات التي كانت بيني وبين والدتك ولكن ...

 - ولكن الفن كان له الصوت الأعلى وقد نجحتُ كما نجحتْ أمي وأنا فخور بنجاحها.

 - وأنا كذلك فخور بنجاحكما.


google-playkhamsatmostaqltradent