الأب الذي سقطت ولايته… شرخٌ في الأسرة أم خللٌ في الأدوار؟
بقلم: د. خالد البليسى
في خضم التحولات الاجتماعية السريعة التي تشهدها مجتمعاتنا العربية، ظهرت ظاهرة مقلقة تتسلل بهدوء إلى البيوت وتُحدث اضطراباً في بنيتها العميقة: أبناء –وبالأخص البنات– يتصرفن وكأن الأب لا وجود له، وقرارات مصيرية تُتخذ دون الرجوع إليه، وزواج يُبرم بلا إذن وليّ، في تجاوز صريح لما استقر عليه الشرع والعرف. إنها حالة سقوط الولاية الاجتماعية للأب رغم بقائه حيّاً يُرزق. فكيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟ ومن المسؤول؟ وهل ما يحدث ظاهرة طارئة أم مؤشرٌ على أزمة أعمق تهدد كيان الأسرة؟
الشرع الإسلامي وضع للأب مكانة راسخة في قيادة الأسرة ورعاية مصالحها، قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: 34]، والقوامة هنا رعاية ومسؤولية لا استبداد فيها. وقد رسّخ النبي محمد هذا المبدأ بقوله: «لا نكاح إلا بولي» رواه أبو داود والترمذي، وقوله: «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل» رواه ابن ماجه وأحمد. هذه النصوص تجعل الولاية نظاماً اجتماعياً لحماية البنت، لا تقييداً لها، حيث يكون الأب الأقدر على تقدير المصلحة بخبرته ونظرته الأعمق.
ما نشهده اليوم ليس سقوط ولاية قضائية، بل سقوط ولاية اجتماعية. فالبنت باتت أحياناً ترى نفسها غير ملزمة بأب لا يمارس دوره، ولا يبادر بالنصح، ولا يتدخل حين يجب التدخل. وهنا يبرز الخلل الخطير: ولاية الأب لا تسقط إلا بأسباب شرعية واضحة، لكنها قد تضعف إذا تراجعت علاقته بأبنائه أو غاب حضوره التربوي، فيصبح “اسماً بلا معنى”.
أبٌ موجود جسداً، غائب روحاً وتربية، هذا الغياب يترك فراغاً تملؤه المؤثرات الخارجية. فتاة لا تجد أذناً صاغية في بيتها، ستبحث عن بديل خارج البيت. تحوّلت الحرية في بعض البيوت إلى فوضى، ومعها سقطت الحدود الطبيعية. بعض المحتوى الرقمي يصنع فكرة “استبدال الأب” ويزرع خطاباً يحرّض على الاستغناء عنه تماماً. وقدوة الأب أهم من أوامره، ومع تناقض صورة الأب تنهار صورته التربوية.
إصرار فتاة بكر على الزواج دون إذن أبيها يتعارض مع نصوص الشرع الصريحة التي جعلت الولي ركناً من أركان الزواج، ومع العرف الاجتماعي الذي رسّخ دور الأب ضمانة لا قيداً، ومع الحكمة التي ترى الأب أكثر قدرة على فحص شخصية المتقدم للزواج. فالعاطفة قد تعمي، بينما خبرة الأب أعمق وأوسع.
بعض الآباء يعترفون بصراحة: “لا أستطيع السيطرة… البنت تفعل ما تشاء… لا تطيعني”. لكن الولاية ليست أمراً يُمنح أو يُنتزع، بل هي دور يُبنى عبر الحضور والقدوة والحزم العادل والثقة. وعندما يتخلى الأب عن هذه الأدوات، لا يسقط دوره شرعياً، لكنه قد يسقط عملياً.
استعادة الهيبة بالعدل لا بالعنف، والحزم العادل أقوى من الصوت العالي. أسرة بلا حوار، ولاية بلا أثر. الطاعة الحقيقية تُولد من احترام لا خوف. قرار الزواج يجب أن يكون تعاوناً بين البنت ووليّها، لا معركة بينهما. الاستعانة بالمختصين عند الضرورة، كالإرشاد الأسري، ليست ضعفاً بل وعياً.
ليس الهدف أن يربح أب أو تخسر بنت، فالولاية ليست مباراة قوة، بل مظلة حماية تضمن للبنت مصلحتها، وللأب دوره، وللمجتمع توازنه. وحين تتجاهل البنت ولاية أبيها دون مسوّغ، أو ينسحب الأب من مسؤوليته، يحدث الشرخ الذي يهدد استقرار الأسرة. إن إصلاح العلاقة بين الأب وبناته ضرورة لا رفاهية، فأسرة بلا ولاية متوازنة كبيت بلا أساس… قائم اليوم، وساقط غداً.
