المفتي: الطلاق مخرج رحيم أقره الشرع لحماية المجتمع من آثار الخلافات المستمرة
أكد الدكتور نظير عياد مفتي الديار المصرية أن الشريعة الإسلامية أرست نظاماً متكاملاً لبناء الأسرة يقوم على المودة والرحمة، موضحاً أن الطلاق في جوهره ليس هدماً للأسرة كما يظن البعض، بل مخرج رحيم أقره الشرع عندما تستحيل الحياة بين الزوجين، حفاظاً على كرامة الإنسان وحماية للمجتمع من آثار الخلافات المستمرة.
وأشار المفتي إلى أن الأصل في العلاقة الزوجية هو السكن والاستقرار النفسي، وهو ما تؤكد عليه النصوص الشرعية التي جعلت المودة والرحمة أساساً للحياة المشتركة بين الزوجين. غير أن الواقع قد يشهد أحياناً حالات من التنافر الشديد وتفاقم الخلافات بما يحول الحياة اليومية إلى حالة من التوتر الدائم والقلق المتواصل، وهو ما ينعكس سلباً على الزوجين ومن حولهما.
وأوضح أن حكمة التشريع الإسلامي تجلت في إقرار الطلاق كحل أخير عندما تصل العلاقة إلى طريق مسدود، حيث يصبح استمرارها سبباً في مزيد من المعاناة والصراع. فبدلاً من بقاء النزاع الذي يرهق النفوس ويهدد الاستقرار الأسري، أباح الشرع الانفصال بالمعروف ليكون وسيلة لرفع الضرر وإغلاق باب الخصومات المستمرة.
ولفت مفتي الجمهورية إلى أن من أهم المقاصد التي يحققها تشريع الطلاق حماية الأبناء من الآثار النفسية الخطيرة التي قد تنشأ في البيوت المليئة بالصراعات. فاستمرار النزاعات الحادة بين الزوجين أمام الأطفال قد يدفعهم إلى الانحياز القسري لأحد الطرفين، أو إظهار مشاعر غير حقيقية لإرضاء أحد الوالدين، وهو ما يزرع في نفوسهم الاضطراب ويؤثر في تكوينهم الأخلاقي والنفسي.
وأكد أن الانفصال في مثل هذه الحالات قد يكون أكثر رحمة بالأبناء من استمرار علاقة مليئة بالتوتر، إذ يقيهم من بيئة مشحونة بالمشاعر السلبية ويمنحهم فرصة للنمو في أجواء أكثر استقراراً وتوازناً.
وتطرق المفتي إلى الحكمة التشريعية في جعل الطلاق على ثلاث مراحل، موضحاً أن هذا التدرج يمنح الزوجين مساحة للتفكير وإعادة تقييم الموقف قبل اتخاذ القرار النهائي. فالطلقة الأولى والثانية تفتحان الباب للمراجعة وإمكانية العودة إذا أدرك الطرفان قيمة العلاقة ورغبا في إصلاحها بروح جديدة تقوم على التفاهم والاحترام.
أما بعد الطلقة الثالثة، فقد بيّن أن التشريع وضع ضوابط دقيقة تؤكد أن قرار الانفصال جاء بعد تفكير عميق وليس نتيجة اندفاع أو غضب عابر، وهو ما يعكس حرص الشريعة على صيانة الأسرة ومنع التسرع في إنهاء العلاقة الزوجية.
وفي ختام حديثه شدد مفتي الجمهورية على أن الطلاق ليس غاية في حد ذاته ولا طريقاً سهلاً للهروب من المشكلات، بل هو علاج يلجأ إليه عند الضرورة القصوى بعد استنفاد كل محاولات الإصلاح. كما دعا الأزواج إلى التحلي بالحكمة والصبر والعمل على معالجة الخلافات بالحوار والتفاهم، والالتزام بالقيم التي تحث على المعاملة الكريمة سواء في استمرار الحياة الزوجية أو عند الانفصال، مؤكداً أن المبدأ الذي أرسته الشريعة يقوم على إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
