recent
عـــــــاجــــل

ترقيع قانون الأحوال الشخصية بتعديل الرؤية جريمة تشريعية في حق الأسرة

 

ترقيع قانون الأحوال الشخصية بتعديل الرؤية جريمة تشريعية في حق الأسرة

ترقيع قانون الأحوال الشخصية بتعديل الرؤية جريمة تشريعية في حق الأسرة


بقلم: حسن سليم

إن الاكتفاء بتعديل ما يسمى بالرؤية دون إعادة بناء فلسفة قانون الأحوال الشخصية من أساسها ليس إصلاحا حقيقيا، بل هو معالجة سطحية لأزمة عميقة، فالمشكلة لم تكن يوما في عدد ساعات اللقاء أو مكانه، وإنما في تصور قانوني مختل حوّل الأب من شريك أصيل في التربية إلى زائر محدود الوقت في حياة أبنائه، لذلك فإن أي تعديل يقتصر على الرؤية وحدها يظل بعيدا عن جوهر العدالة التي يحتاجها الطفل والأسرة معا، لأن الإصلاح الحقيقي يبدأ بإعادة التوازن بين حقوق الوالدين ودورهما الطبيعي في حياة الأبناء، لا بتجميل نصوص قانونية فقدت قدرتها على تحقيق الإنصاف.


ولهذا فإن أي محاولة لتعديل مسألة الرؤية وحدها دون الاقتراب من جذور الأزمة تبدو وكأنها التفاف على فكرة الإنصاف نفسها، لأن المشكلة ليست في عدد ساعات الرؤية أو مكانها أو إجراءاتها، بل في فلسفة كاملة حول علاقة الطفل بوالديه بعد الانفصال، وحين تتحول العلاقة الطبيعية بين الأب وأبنائه إلى موعد مراقب ومحدد بدقائق معدودة فإننا لا نكون أمام تنظيم قانوني بقدر ما نكون أمام اختزال قاس لدور الأبوة.

إن المجتمعات التي تسعى إلى الاستقرار الحقيقي لا تعالج مثل هذه القضايا بمنطق الترقيع، بل بمنطق الإصلاح الجذري الذي يعيد التوازن بين الحقوق والواجبات والإنصاف الحقيقي يقتضي الاعتراف بأن الطفل يحتاج إلى أبيه كما يحتاج إلى أمه، وأن التربية لا يمكن أن تكون حكرا على طرف واحد.. وكل التجارب الإنسانية الكبرى التي سعت إلى حماية الطفل وضمان نموه النفسي السليم أدركت أن العلاقة المتوازنة مع الوالدين هي حجر الأساس في بناء شخصية مستقرة.

ومن هنا فإن النقاش حول تعديل قوانين الأحوال الشخصية يجب أن يتجاوز الحديث الضيق عن الرؤية إلى معالجة المنظومة بأكملها، فالاستقرار الأسري لا يمكن أن يتحقق في ظل معادلات قانونية يشعر فيها أحد الطرفين بأنه مجرد ممول مالي أو زائر مؤقت.. فالعدالة لا تكون بإعطاء طرف كل شيء وترك الطرف الآخر يبحث عن حقه في ممرات المحاكم وسنوات التقاضي.

إن فكرة الاستضافة المتوازنة بين الطرف غير الحاضن وأبنائه تمثل خطوة أساسية في إعادة التوازن إلى العلاقة الأسرية بعد الانفصال، فالأبناء لا يحتاجون إلى رؤية عابرة بقدر ما يحتاجون إلى حياة طبيعية مع كلا الوالدين.. والاستضافة ليست ترفا قانونيا بل وسيلة لضمان استمرار الدور التربوي للأب والأم معا، ومنع تحول الطفل إلى طرف في صراع لا علاقة له به.

كما أن إعادة النظر في سن الحضانة تظل قضية محورية في هذا النقاش، فالقوانين ينبغي أن توازن بين مصلحة الطفل وحقه في الرعاية المباشرة من والديه، الطفل عندما يكبر يحتاج إلى حضور الأب في تفاصيل حياته اليومية، في توجيهه وتعليمه ومرافقته في مراحل التكوين النفسي والاجتماعي، وهذه المسألة لا يمكن التعامل معها بمعزل عن طبيعة المجتمع وقيمه وتقاليده.

وفي السياق نفسه فإن الجدل المتصاعد حول قضايا النفقة وما يرتبط بها من دعاوى وإجراءات يطرح تساؤلات حقيقية حول الحاجة إلى منظومة أكثر عدلا ووضوحا، والعدالة هنا لا تعني الانتقاص من حق المرأة أو الطفل، بل تعني تنظيم العلاقة المالية بطريقة تضمن الحقوق دون أن تتحول إلى ساحة صراع دائم يستهلك طاقة الأسرة والمجتمع معا.

ولا يمكن تجاهل النقاش الواسع حول ما يسمى بقائمة المنقولات التي تحولت عبر الزمن من ضمانة اجتماعية إلى قضية قانونية معقدة تتداخل فيها الأعراف مع النصوص القانونية. كثير من الأصوات القانونية والاجتماعية باتت ترى أن هذه القضية تحتاج إلى مراجعة عميقة تعيدها إلى إطارها الطبيعي بعيدا عن الصراعات القضائية التي تشق صف الأسرة.

إن القضية في جوهرها ليست صراعا بين الرجل والمرأة كما يحاول البعض تصويرها، بل هي بحث عن صيغة عادلة تضمن استقرار الأسرة حتى بعد الانفصال.. فالمجتمع الذي ينجح في تحقيق هذا التوازن هو المجتمع القادر على حماية أطفاله من آثار الصراعات الطويلة بين الوالدين.

لقد علمتنا التجارب التاريخية أن القوانين التي تمس الأسرة لا يجب أن تصاغ تحت ضغط اللحظة أو من خلال حلول جزئية، هذه القوانين تحتاج إلى رؤية شاملة تضع مصلحة الطفل في المقدمة وتعيد التوازن بين حقوق الطرفين، فالأسرة ليست ساحة صراع قانوني بل هي مؤسسة إنسانية وأخلاقية تقوم على الرحمة والعدل.

ومن هنا فإن الإصلاح الحقيقي لقوانين الأحوال الشخصية لا ينبغي أن يقتصر على تعديل بند هنا أو مادة هناك.. الإصلاح الحقيقي يبدأ بالاعتراف بأن المنظومة الحالية تحتاج إلى مراجعة جذرية تعيد تعريف العلاقة بين الأب والأم والأبناء بعد الانفصال بما يحقق العدالة ويحفظ كرامة الجميع.

فالأمم التي تحترم نفسها لا تترك أهم مؤسسة في المجتمع رهينة لنصوص متقادمة أو حلول مؤقتة، بل تملك الشجاعة الكافية لمراجعة قوانينها عندما تصبح غير قادرة على تحقيق العدل.. والعدل في هذه القضية ليس مطلبا فرديا بل ضرورة اجتماعية تمس استقرار المجتمع كله.

إن مستقبل الأسرة المصرية يستحق نقاشا عميقا وصادقا يتجاوز الشعارات والانفعالات.. نقاشا يضع الحقيقة أمام الجميع بأن العدالة بين الوالدين ليست ترفا قانونيا بل ضمانة أساسية لحماية الطفل وبناء مجتمع متوازن وقادر على مواجهة تحديات المستقبل.

google-playkhamsatmostaqltradent