«أمر بالرحيل».. قصة قصيرة
بقلم: دكتور سعيد محمد المنزلاوي
اعتادت أن تستيقظ كل صباح على تحية منك تطمئن فيها على صحتها ومزاجها، وتطمئنها على نفسك، ثم تتمنى لها يومًا طيبًا. تأخذ الدردشة الصباحية عدة دقائق قبل مغادرة كليكما منزله إلى عمله.
صارت تلك التحية الصباحية، إحدى الطقوس الصباحية، لا تنفك عنها يومًا واحدًا، فهي ثابتة كطلوع الشمس كل يوم، فقط أيام العطلات، قد تتأخر في نومك، إلا أنك تبادر بتقديم التحية الصباحية فور استيقاظك.
كان بينكما انسجام كبير لدرجة التماهي، وأريحية لدرجة الذوبان.
كنت تكبرها بعقدين من الزمان، هي تراك بمثابة الأب الذي حُرمت منه طفلة، أما أنت فتراها غير ذلك، ولكن فارق السن بينكما، كان يقف حائلًا بينك وبين البوح بمكنون فؤادك، وما تكنه لها، خاصة، وهي تناديك دومًا "يا أبي".
كان النداء يطربك في أول الأمر، لكنك لم تعد تستسيغه، إذ ترى فيه حائلًا بينك وبين ما يريد.
كانت زوجك قد توفيت قبل عامين، تاركة لك طفلين، وكان لزامًا عليك أن يتزوج بمن تعولك وبنيك.
- لا تبحث عن الحب، ابحث عن أم تحتضن بنيك، وتكون زوجة لك.
كانت هذه نصيحتها لك. وددت في قرارة نفسك، أن تكون هي الزوجة والحبيبة والأم لأولادك. ولكنها كانت تئد ذلك الخاطر، وتذكرك دومًا، بقولها:
- أنت أبي، هل هناك أب يتزوج من ابنته؟
فتكتفي بالصمت على مضض، وحين تشعر بحزنك، تواسيك بما يجعلك ينزل على رغبتها:
- إن مشاعر اليتم قاسية لا يستشعرها إلا مَن عاشها، وإني عشت يتيمة حتى ظهرت في حياتي.
- لك ما تشائين.
كنت تكتم لوعتك كجذوة متقدة بين جوانحك، وتصطلي بها وحدك.
ولما يئست منها، رحت تبحث عمن تحل محل زوجك المتوفاة، وساعدك بعض الرفاق، جلست مع أكثر من واحدة، حتى راقت لك إحداهن، كانت تجمع بين الأمومة والحنان، لكن قلبك كان هناك مع صديقتك، ما جعلك تشعر بتأنيب الضمير إزاء مخطوبتك. كانت تحبك، ولكنك كنت معها كلوح من الثلج.
ومرت أيام الخطبة، واقترب انتقالها إلى بيتك.
كنت تشعر في قرارة نفسك أنك تخونها؛ فرُحت تلوم نفسك أن دقَّ قلبك في غير محله، ورعى في غير حماه، ما جعلك تراجع علاقتك بمن تنعته دومًا بـ"أبي".
- ما ذنبها؟
كنت تعني زوجك التي ستبني بها قريبًا.
- ماذا لو علمت بما بيني وبين ...؟
كنت تخشى أن تفقد امرأة أحبتك وأخلصت لك، ورضيت بك وبأولادك.
في ذات الوقت أن تهجر من تراك أباها جملة واحدة، هذا لا يليق.
ما جعلك تمهد للرحيل عنها؛ فأمسكت عن محادثتها أغلب الوقت الذي كنتما تقضيانه سويًّا على مواقع التواصل، حتى صرت تغيب عنها يومًا أو بعض يوم.
- ما بك؟ هل أنت بخير يا أبي؟
كانت رسالة منها إليك، عندما غبت عنها يومًا كاملًا.
لم تجرؤ على مواجهتها بما بيَّته وارتأيته، اكتفيت برد مقتضب.
- اطمئني، أنا بخير.
ثم تحادثتما بعدها كسابق عهدكما.
في اليوم التالي، أرسلت إليها بعض الرسائل، ثم قمت بحذفها جملة واحدة.
- ماذا حذفت؟
ترددت قبل أن يقول:
- لا أذكر، ربما حدث بالخطأ.
كنت تريد أن تطوي تلك الصفحة للأبد، أن تتخلص من حبها؛ حتى تخلص لزوجك.
بقي أسبوع ستزف بعده عروسك إلى بيتك. فكرت أن تلغي الصداقة، أو تقوم بحظرها بغتة. بل وسوس لك شيطانك أن تفتعل مشكلة بينك وبينها؛ لتفترقا للأبد.
- ما ذنبها؟
كنت قصد صديقتك التي تراك أباها.
إن المشكلة عندك ـ وحدك ـ فلتعدل نظرتك إليها، إن شئت أن تستقيم الأمور. ولكنك لا يملك التحكم في قلبك.
فلتبتعد، ربما تتمكن بالبعد من نسيانها. مضى يوم لم تحادثها فيه، ولم تحادثك هي فيه.
في اليوم التالي، جاءك اتصال منها:
- أريد أن أحكي معك.
- تفضلي.
- مضطرة يا أبي أن أخرج من حياتك.
- .......
- هل تسمعني؟
- نعم، ولكني لم أعِ.
- أعرف أن الأمر صعب على كلينا، ولكن ما ذنبها؟
- ما ذنبها؟
- ما ذنب زوجك أن تحيا معها، وقلبك مع غيرها.
صفعك الرد، حاولت أن تبدو رابط الجأش:
- قلبي؟
- وقلبي كذلك، لقد حاولت أن أقاوم خلف ستار الأبوة.
كان بها مثل ما بك من الوجد والهوى، غير أنها كانت أشدَّ منه بأسًا، وأشد حرصًا على سلامة بيتك واستقراره.
بعد أخذ ورد بينكما، طلبتَ منها ألا تُلغى الصداقة بينكما. ولكنها قالت لك:
- حتى الصداقة سنقوم معًا بإلغائها.
- ولمه؟
- حتى لا نضعف. لن نستطيع أن نقاوم.
- بل نستطيع.
- لا، لا تكن واهمًا، ولا تجعلني سببًا في هدم بيتك.
- أنت؟
- ولا تخن أنت زوجك؟
- أنا؟
- نعم، فليس ذنبها أنها أحبتك واختارت رغم ظروفك.
- .........
- حسبك أنك لن تستطيع محادثتي أمامها، فلنرحل وبيننا احترام لبعضنا، ... ولغيرنا.
- .....
- وداعًا.
- ......
- وداعًا.
- وداعًا.
مرت الأيام التالية، وأنت تشعر بالفراغ، وما أن حلَّت زوجك بيتك، حتى امتلأ فراغ حياتك بزوجة محبة صارت مع الأيام كلَّ شيء لك.
