الأزهر الشريف.. "منهجية ووسطية وحضارة"
د. طارق عتريس أبوحطب
عضو هيئة التدريس بالأزهر الشريف
الأزهر الشريف منارة وحضارة وقبلة حين يُذكر الأزهر لا يُذكر كمسجد أو معهد أو جامعة فحسب بل يستحضر تاريخ أمة ويستلهم ذاكرة علمٍ ممتدة ومنهج اعتدال صار علامة فارقة في مسيرة الفكر الإسلامي منذ أن أشرق نوره في قلب قاهرة المعز وهو ينتفض لا مجرد معلم معماري بل عقل جمع بين النص والفهم، وبين التراث والواقع وبين الأصالة والمعاصرة، ولأنه قلب مصر النابض بالعلم والحكمة يقف الأزهر الشريف في وجدان المصريين أبا شامخا وطودا راسخا يقف خير شاهد على تحولات الدولة والمجتمع وحاضرا في لحظات القوة والضعف في زمن السلم كما في زمن الشدّة لم يكن الأزهر يوما بمعزل عن قضايا وطنه بل كان صوتا للهوية وحصنا للشريعة ومرجعية علمية تحفظ للمجتمع وسطيته وتوازنه
ف هو صمام الأمان الفكري منه تخرّج العلماء والدعاة واللغويون والمصلحون وهو الذي حمل راية اللغة العربية في أبهى صورها وصان علوم الشريعة من الإفراط والتفريط لم يقتصر دوره على التعليم الديني، بل أسهم في تشكيل الشخصية المصرية المتزنة التي تميل إلى الاعتدال بطبعها وتأنف من الغلو. والأزهر لمصر رئة تتنفس لا مجرد مؤسسة مفروضة بل كيان نابع من روح المجتمع يحدث بلسانه ويتكلم بلغته ويتفاعل مع قضاياه. لذلك بفيت التسمية الخالدة مصر الأزهر ولم يتوقف أثر الأزهر عن عتبات مصر فمن خارجها آلاف الطلاب يفدون إليه من آسيا وإفريقيا وأوروبا يحملون آمال العلم وأحلام اتخرج ثم يعودون إلى بلادهم سفراء للوسطية إن الأزهر بمنهجه قدّم نموذجا فريدًا في الجمع بين المذاهب الفقهية دون تعصبٍ أو إقصاء ففي أروقة المعاهد الأزهرية يتم تدريس الفقه الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي، في انسجامٍ علمي ندر مثيله. وقد أسهمت بعوث الأزهر ومراكزه الإسلامية في نشر صورة الإسلام اسمحة الغراء القائم على الرحمة والعدل في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات المتطرفة ظل صوت الأزهر هادئًا رزينًا يردّ بالحجة والبرهان ويقارع الفكرة بالفكرة، ويُعلي من قيمة الإنسان.
إن أهمية الأزهر للعالم لا تنبع من عراقة جذوره فحسب بل من قدرته على التكيّف الواعي مع مستجدات العصر. فهو يقرأ الواقع قراءة فكرية فقهية عميقة دون أن يتنازل عن ثوابته وهذه المعادلة الدقيقة أعني بين الثبات والتجديد هي سرّ حضوره العالمي في مسيرة
خدمة الدين ونشر العلم الرسالة الواضحة التي لم تنقطع منذ نشأته فالدين ليس شعارات جوفاء بل فهما دقيقا للنصوص وفقها بالواقع وتزكية للأخلاق لذلك تميزت مناهج الأزهر الشريف بالجمع بين علوم الشريعة واللغة والمنطق والفلسفة وعلوم الطبيعة إيمانًا بأن العقل رفيق النقل، لا خصمه حتى في الأدلة. وفي ساحات الأزهر نشأت مدارس التفسير والحديث والأصول والفقه وتكوّنت شخصيات علمية أثرت المكتبة الإسلامية بمؤلفاتٍ صارت مراجع معتمدة وقد حرص علماء الأزهر الشريف على توثيق العلم وضبطه، فكانت الدروس تلقى بإسناد والكتب تقرأ بالتحقيق والآراء تناقش بمنهجيةٍ رصينة وفي الجامعة.
ولم يكتف الأزهر بالتعليم التقليدي بل أنشأ الكليات المتخصصة وفتح أبواب البحث العلمي وشارك في المؤتمرات الدولية، وأسهم في حوارات الأديان، دفاعا عن صورة الإسلام السمحة إن خدمة الدين عند الأزهر ليست انغلاقا بل هي انفتاحٌ منضبط، يقوم على الثقة بالتراث والوعي بالحاضر وفي ظل عالم سريع التغير لم يكن ممكنا أن يبقى التعليم الأزهري جامدا وقد أدركت قيادات الأزهر أن الحفاظ على الرسالة لا يعني جمود الوسائل فشهدت المناهج تطويرا مستمرا يهدف إلى تعزيز التفكير النقدي وربط الطالب بواقعه، وتمكينه من أدوات العصر
أُدخلت المناهج الحديثة وطُوّرت طرق التدريس واستُخدمت التقنيات الرقمية في العملية التعليمية كما أُعيد النظر في بعض المقررات والمناهج الدراسية الأزهرية لتكون أكثر وضوحًا وأقرب إلى فكر وحاجة وذائقة الطلاب والغاية من ذلك كلّه أن يظل خريج الأزهر قادرا على الحوار مؤهلا للإقناع ملما بعلوم الشريعة ومدركا لعلوم العصر وإن التطوير في الأزهر ليس استجابة لضغطٍ خارجي، بل ينبع من داخل المؤسسة ومن وعيٍ القائمين عليها بأن الاجتهاد سنة الحياة فالمنهجية الأزهرية تقوم على المراجعة الدائمة، والنقد الذاتي، وتغليب المصلحة العامة.
وإذا كنا نتحدث عن الأزهر فإننا نتحدث عن رجاله الثقات وعلمائه الأفذاذ فقد سطع في الأزهر علماء جمعوا بين العلم والعمل، وبين الفقه والحكمة والصدق والمسؤولية وفي طليعة النماذج الأزهرية المعاصرة فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف الرمز الذي مثّل صوت الاعتدال في المحافل دوليا وعالميا وفضيلة الأستاذ الدكتور محمد الضويني وكيل الأزهر الشريف وفضيلة الشيخ أيمن غبدالغني رئيس قطاع المعاهد الأزهرية وفضيلة الدكتور ولاءالدين عبدالعال عطية جاب الله مدير عام إدارة دسوق التعليمية الأزهرية.
وعلى مر التاريخ برزت أسماء مثل الإمام المجدد الشيخ محمد عبده الذي دعا إلى الإصلاح والتجديد وأكد أن الإسلام دين عقلٍ وعلم هؤلاء وغيرهم قدّموا نموذج العالم الذي يعيش قضايا عصره وهموم أمته دون أن يفرّط في أصوله أو يقارق قيمه ورواسخه في دلالة واضحة على أن قدوة العالم الأزهري لا تقوم على كثرة المحفوظ فحسب بل على حسن الخلق والتواضع والصدق فهو يعلم أن الناس تنظر إلى سلوكه قبل كلامه وأن صورة المؤسسة ترتبط بسلوك أفرادها ونرسلها صادقة إلى القائمين على الأزهر إن التاريخ يكتب سطورَه بأعمالكم وأنتم رموز الحضارة فحافظوا على هذا الصرح كما عهدناه منارة للوسطية وحصنا ضد الغلو والتفريط واصلوا مسيرة التطوير وادعموا البحث العلمي وافتحوا آفاق الحوار مع الشباب، فهم أمل الغد واستمروا في طريقكم كما عهدناكم جاعلين
من الشفافية منهجا ومن الكفاءة معيارا ومن خدمة الطالب هدفا ونعلم أنكم لم تقصروا ولكن الأزهر أمانة في أعناق الجميع وأنتم يا طلاب الأزهر أنتم امتداد السلسلة الذهبية للعلم لا تكتفوا بالحفظ والاستظهار بل اطلبوا الفهم، ولا تقنعوا بالتقليد بل اجتهدوا من أجل مستقبل جديد كونوا سفراء للاعتدال في بيوتكم ومجتمعاتكم وأحسنوا تمثيل أزهرنا الشريف.
اقرؤوا في تراثكم بوعي وتعلموا لغات العالم، وافهموا ثقافاته حتى تستطيعوا مخاطبته ومحاجته فالعالم اليوم قريةٌ صغيرة وصوتكم قد يصل إلى أبعد مما تظنون أما الذين يهاجمون الأزهر، فالنقد حقٌّ مشروع بل هو ضرورة للتصويبونشظة الكنال لكن الهجوم الذي يتجاهل التاريخ أو يتعمد التشويه زور وبهتان اولأزهر ليس معصوما من الخطأ لكنه مؤسسة عريقة أثبتت عبر القرون قدرتها على التجدد والتطوير فمن أراد الإصلاح فليمد يده وليقرأ التجربة كاملة لا مقتطفاتٍ مجتزأة إن الأزهر حين يُنتقد بإنصافٍ يستفيد، وحين يُحارَب بظلمٍ يزداد تمسكًا برسالته يكفيه أنه منهجية فكرية وروح وسطية وحضارة ممتدة فهو ذاكرة مصر العلمية وجسرها إلى العالم الإسلامي وفي زمن الاضطرابات والحروب والفتن تزداد الحاجة إلى صوت الأزهر العاقل وإلى علمائه الربانيين وإلى طلابه الواعين ويكفي النماذج المشرفة من أئمة القبلة قي الجامع الأزهر الشريف. وسيبقى الأزهر ما بقي العلم والبحث منارة تهدي، ومعاهد وجامعة تربي وضميرا حيا يذكّر الأمة بأن الاعتدال قوة وأن الحضارة لا تقوم إلا على العلم والأخلاق فاشمروا الله غلى نعمة الأزهر الشريف (لئن شكرتم لأزيدنكم).
