«محاكمة النواسخ».. مسرحية من تأليف د. سعيد محمد المنزلاوي
(بينما كان محمد يذاكر درس النواسخ، لاحظ نزاعًا بين كان وأخواتها وإن وأخواتها).
التفت إلى أخيه خالد، وقال له:
محمد: انظر يا خالد، فريقان يختصمان.
خالد: منْ هما؟
محمد: كان وأخواتها وإن وأخواتها.
خالد: علام يختصمان؟
محمد: على الجملة الاسمية.
خالد: انظر، إنهم يتراشقون بالجمل.
(وبينما يتأمل الأخوان المشهد، إذا بشرطة اللغة العربية تقبض على الجميع، وتذهب بهن إلى ساحة المحكمة).
محمد: لقد وصل الأمر إلى ساحة القضاء.
خالد: لابد أن الأمر جَدُّ كبير.
محمد: فلنذهب وراءهم إلى ساحة المحكمة.
خالد: هيا بنا.
(في ساحة المحكمة، يجلس في قفص الاتهام كل من كان وأخواتها وإن وأخواتها. على الجانب الآخر تجلس الجملة الاسمية حزينة متوجعة؛ بها الكثير من الإصابات والكدمات جراء التراشق بالجمل واقتحام ساحة جملتها.
يدخل قاضي اللغة العربية، يقوم كل مَن في القاعة، الحاجب عن يسار القاضي بجوار قفص المتهمين، بينما يقف ممثل الادعاء عن يمين القاضي أمام المنصة).
القاضي: (للحاجب) ناد على المتهمين.
الحاجب: كان وأخواتها.
كان وأخواتها: (من داخل القفص) حاضرة سيدي القاضي.
الحاجب: إن وأخواتها.
إن وأخواتها: (من داخل القفص) حاضرة سيدي القاضي.
القاضي: (يشير إلى ممثل الادعاء) ليتفضل ممثل الادعاء بعرض أبعاد القضية.
ممثل الادعاء: سيدي القاضي، إن قضية اليوم هي حديث الجمل كلها، وإن هذين الخصمين، (يشير إلى كان وأخواتها وإنت وأخواتها) تنازعا الجملة الاسمية، واقتحما عليها قعر دارها وساحة جملتها، واعتدا على كل من المبتدأ والخبر دون شفقة أو رحمة.
كان وأخواتها: بريئة يا سيادة القاضي.
إن وأخواتها: وأنا مظلومة، لم أصنع شيئًا.
القاضي : (مشيرا إليهما) توقفا عن الكلام؛ حتى ينتهي الدفاع.
(يشير إلى ممثل الادعاء) تفضل أكمل.
ممثل الادعاء: شكرًا سيدي الرئيس، نعود إلى قضيتنا، والتي تتلخص في أن هذين الخصمين، يتنازعان الجملة الاسمية؛ كل واحدة منهما تدَّعي أن لها الحق الكامل فيها، وتريد أن تستأثر لنفسها بالجملة الاسمية دون غيرها.
القاضي: (للجملة الاسمية) وما رأي الجملة الاسمية؟
الجملة الاسمية: يا سيادة قاضي اللغة العربية، لقد انتهكت كل من كان وأخواتها، وإن وأخواتها حرم جملتي، وتعدوا على ركنيَّ: المبتدإِ والخبرِ.
القاضي: (باندهاش) تعدوا على ركنيك؟
الجملة الاسمية: نعم، وليتهم اكتفوا بذلك سيدي القاضي، رحن يتنازعن العمل بينهن، ويعبثن بحركات إعراب جملتي الاسمية.
القاضي: (بغضب) وكيف تم العبث بحركات الإعراب.
الجملة الاسمية: تارة ينصبن المبتدأ وتارة ينصبن الخبر، وفوق ذلك يدعين انتساب كل من المبتدأ والخبر إليهن، وهما ركنايا الرئيسان، سيدي القاضي.
القاضي: ترفع الجلسة للمداولة.
(يخرج القاضي، ويبدأ التهامس بين جميع من في القاعة)
خالد: تُرى، بمَ سيحكم القاضي على كان وأخواتها وإن وأخواتها؟
محمد: لا أدري، ولكن الأمر أعمق من مجرد نزاع على جملة.
خالد: تقصد أن الجملة الاسمية تجنت على كان وأخواتها، وافترت على إن وأخواتها؟
محمد: لا أقصد ذلك، ولكني سمعت محامي الجملة الاسمية وهو يتحدث معها، يخبرها أن القاضي ربما يحكم بالتصالح بين جميع الأطراف.
خالد: يعني سيظل الاعتداء من كل من كان وأخواتها وإن وأخواتها على الجملة الاسمية المسكينة.
محمد: ليس الأمر كما فهمت، ولكنه...
(وقبل أن يتم كلامه دخل القاضي)
الحاجب: محكمة.
القاضي: بعد أن اطلعنا على أوراق القضية وملابسات الأحداث حكمنا بما هو آت:
يتم التناوب بين كل من كان وأخواتها وإن وأخواتها في الدخول على الجملة الاسمية، كلٌّ على حده. (ينظر إلى الجملة الاسمية) هل يرضيك هذا أيتها الجملة الاسمية؟
الجملة الاسمية: لا، لا يرضيني هذا سيدي القاضي.
(هرج ومرج ولغط في القاعة، يضرب القاضي بمطرقته، فتهدأ القاعة)
القاضي: ولِمَ لَا ترضين أيتها الجملة الاسمية؟
الجملة الاسمية: لأن كلا منهما تعبث هي وأخواتُها بساحة جملتي. ما الفائدة التي تعود عليَّ من غزوهم بيتي، وسكناهم جملتي؟
كان وأخواتها: سيدي القاضي، إننا لم نقتحم الجملة الاسمية عبثًا واغتصابًا، وإنما نضيف إليها أنا وأخواتي دلالات زمنية محددة مثل التوقيت بالصباح أو التحول أو النفي مما يجعل الجملة أكثر قوة وجمالًا.
إن وأخواتها: ونحن وإن كنَّ حروفًا، سيدي القاضي، إلا أننا لسنا عالة على الجملة الاسمية، بل نستطيع أن نضيف إليها دلالات عديدة، مثل التوكيد، والتمني والرجاء، وكذلك التشبيه. نحن نضفي عليها رونقًا وجمالًا سيدي القاضي.
الجملة الاسمية: ولكن هناك مشكلة جَدُّ خطيرة سيدي القاضي.
القاضي: وما هي؟
الجملة الاسمية: لا أستطيع أنا وركناي المبتدأ والخبر التمييز بين كان وأخواتها، وإن وأخواتهما، غير ما أعانيه من العبث بحركاتي الإعرابية.
القاضي: اطمئني أيتها الجملة الاسمية، وحتى لا يحدث لبس في عمل كلٍّ من كان وأخواتها وإن وأخواتها، فسيتم تنظيم العمل كالآتي: كان سوف تقوم برفع المبتدأ ويسمى اسمها، ونصبِ الخبر ويسمى خبرها.
كان وأخواتها: الأمر لك سيدي القاضي.
القاضي: أما إن وأخواتها، فستقوم بعمل العكس.
إن وأخواتها: أليس من حقي سيدي القاضي أن أرفع المبتدأ وأنصب الخبر؟
القاضي: لا؛ حتى لا يختلط عملك بعمل كان وأخواتها.
إن وأخواتها: تقصد سيدي القاضي، أن أنصب المبتدأ ويسمى اسمي، وأرفع الخبر ويسمى خبري.
القاضي: نعم.
إن وأخواتها: سمعًا وطاعة سيدي القاضي.
القاضي: (ينظر إلى الجملة الاسمية) والآن، هل رضيت أيتها الجملة الاسمية.
الجملة الاسمية: نعم، رضيت، فالحكم حكمك يا قاضي اللغة العربية.
القاضي: رفعت الجلسة.
ستار
