أ. د. عيد عبدالواحد يكتب: إعادة صياغة كليات التربية.. المعلم أولاً
عميد كليتي التربية والتربية للطفولة المبكرة
ومدير الاكاديمية المهنية للمعلمين السابق ورئيس الجهاز التنفيذي لتعليم الكبار بمصر
حين نتأمل واقع التعليم في مصر ندرك أن القضية لا تتعلق بالمناهج أو الأبنية المدرسية وحدها، بل تبدأ في الحقيقة من المعلم نفسه، ذلك العنصر الجوهري الذي تتشكل على يديه عقول الأجيال القادمة. ومع أن الدولة المصرية بذلت جهودًا متواصلة لتطوير المنظومة التعليمية، فإن إعادة النظر في منظومة إعداد المعلم تظل ضرورة لا تقبل التأجيل، خاصة فيما يتعلق بكليات التربية التي تمثل الحاضنة الأساسية لإعداد المعلمين. إن اللحظة الراهنة تفرض علينا التفكير بجرأة في إعادة هيكلة هذه الكليات بما يتناسب مع التغيرات المتسارعة في العالم ومع متطلبات سوق العمل التعليمي الحديث.
لقد توسعت كليات التربية في مصر عبر عقود طويلة حتى أصبحت منتشرة في معظم الجامعات الحكومية وربما في بعض الجامعات الخاصة أيضًا، وهو توسع جاء في سياق تاريخي كانت فيه الحاجة إلى المعلمين كبيرة ومتزايدة مع اتساع رقعة التعليم. غير أن هذا التوسع الكمي لم يصاحبه في كثير من الأحيان تطوير نوعي مماثل في برامج الإعداد أو في فلسفة تكوين المعلم، الأمر الذي أدى إلى حالة من التكرار المؤسسي وتشابه البرامج الدراسية وتضخم أعداد الخريجين بصورة تفوق احتياجات سوق العمل التعليمي.
ومن هنا تبدو فكرة دمج كليات التربية بكل مسمياتها فكرة تستحق النقاش الجاد والمسؤول. فالدمج لا يعني بالضرورة إلغاء الكيان أو التقليل من قيمته، بل قد يكون مدخلًا لإعادة تنظيم الموارد البشرية والأكاديمية بشكل أكثر كفاءة. إن وجود عشرات الكليات التي تقدم برامج متشابهة إلى حد كبير يستهلك قدرًا هائلًا من الإمكانات المالية والبشرية، بينما يمكن من خلال الدمج تحقيق قدر أعلى من التركيز الأكاديمي وتوجيه الموارد إلى تطوير المحتوى العلمي والبحثي بدلًا من تكرار الهياكل الإدارية والبرامج التقليدية.
ولعل الخطوة الثانية التي تفرض نفسها في هذا السياق هي تجميد العديد من البرامج الدراسية التي لم تعد تتماشى مع متطلبات العصر. فالعالم يشهد تحولات عميقة في طبيعة المعرفة وفي أساليب التعلم، حيث لم يعد المعلم مجرد ناقل للمعلومة بل أصبح ميسرًا للتعلم ومصممًا للخبرة التعليمية وقائدًا لبيئة رقمية تفاعلية. وفي ظل هذه التحولات يصبح من الضروري مراجعة البرامج الدراسية في كليات التربية مراجعة دقيقة وشجاعة، بحيث يتم إيقاف أو تجميد البرامج التي لم تعد قادرة على إعداد معلم يمتلك مهارات القرن الحادي والعشرين.
إن إعداد المعلم المعاصر يتطلب برامج تجمع بين المعرفة التخصصية العميقة والمهارات التربوية الحديثة والقدرة على توظيف التكنولوجيا في التعليم. وهذا النوع من الإعداد لا يمكن أن يتحقق من خلال برامج تقليدية تعتمد على الحفظ النظري أو على مقررات بعيدة عن واقع المدارس واحتياجات الطلاب. لذلك فإن تجميد البرامج الضعيفة أو المتقادمة يمثل خطوة ضرورية لإفساح المجال أمام برامج أكثر حداثة ومرونة وارتباطًا بسوق العمل.
وفي إطار إعادة الهيكلة الشاملة يمكن طرح فكرة الاكتفاء بعدد محدود من كليات التربية على مستوى الجمهورية، بحيث يتم توزيعها جغرافيًا بصورة عادلة تغطي الأقاليم المختلفة. إن وجود أربع كليات رئيسية على سبيل المثال في الشمال والجنوب والشرق والغرب يمكن أن يخلق مراكز تميز حقيقية في إعداد المعلم، بدلاً من انتشار عشرات الكليات التي تعاني في بعض الأحيان من ضعف الإمكانات أو محدودية الكوادر المتخصصة.
هذه الكليات القليلة يمكن أن تتحول إلى مؤسسات تعليمية رائدة تجمع بين التعليم والبحث والتدريب الميداني المتقدم، بحيث تصبح أشبه بمنصات وطنية لإعداد المعلم وفق أحدث المعايير العالمية. فبدلاً من تشتت الجهود والموارد، سيتم تركيزها في عدد محدود من المؤسسات القادرة على تقديم برامج عالية الجودة وتدريب عملي حقيقي داخل المدارس النموذجية ومراكز التطوير التربوي.
ولا يتوقف الأمر عند إعادة توزيع الكليات أو دمجها، بل يمتد إلى إعادة تعريف دورها الأكاديمي بالكامل. فالمستقبل قد يتطلب تحويل هذه الكليات إلى كليات للدراسات العليا المتقدمة أو إلى كليات متخصصة في العلوم الإنسانية والتربوية، أو حتى إلى أكاديميات وطنية لإعداد المعلم وفق المتطلبات المعاصرة. إن هذا التحول سيعني أن إعداد المعلم لن يكون مجرد مرحلة جامعية تقليدية، بل مسارًا احترافيًا متدرجًا يعتمد على التدريب المتخصص والدراسات المتقدمة والتطوير المستمر.
إن فكرة الأكاديمية المتخصصة لإعداد المعلم ليست بعيدة عن تجارب العديد من الدول المتقدمة التي أدركت أن المعلم يجب أن يمر بمراحل إعداد دقيقة ومكثفة تشبه إلى حد كبير إعداد الأطباء أو المهندسين. ففي هذه النماذج لا يكتفي المعلم بالدراسة النظرية، بل يخضع لتدريب ميداني طويل ويشارك في برامج تطوير مهني مستمرة تضمن بقاءه على اتصال دائم بأحدث النظريات والتقنيات التعليمية.
ومن هنا تأتي أهمية توجيه الدعم المالي بشكل مركز نحو تطوير منظومة إعداد المعلم. فبدلاً من توزيع الموارد على عدد كبير من المؤسسات المتشابهة، يمكن توجيه هذا الدعم إلى بناء بنية تحتية تعليمية حديثة داخل الكليات المتخصصة، تشمل معامل للتعلم الرقمي، ومدارس تدريبية نموذجية، وبرامج تبادل علمي مع الجامعات العالمية، إضافة إلى توفير منح بحثية تشجع أعضاء هيئة التدريس على الابتكار في مجال التربية والتعليم.
إن الاستثمار الحقيقي في التعليم يبدأ من الاستثمار في المعلم. فالمعلم الجيد قادر على تحويل أبسط الإمكانات إلى تجربة تعليمية ثرية، بينما قد تفشل أكثر المدارس تطورًا إذا لم يتوافر فيها المعلم المؤهل القادر على قيادة عملية التعلم. ولذلك فإن إعادة توجيه الدعم المالي نحو إعداد معلم معاصر يمثل خطوة استراتيجية تضمن تحقيق عائد طويل المدى على مستوى المجتمع والاقتصاد.
كما أن سوق العمل التعليمي لم يعد يقتصر على المدارس الحكومية فقط، بل أصبح يشمل المدارس الدولية ومدارس اللغات والمنصات التعليمية الرقمية وشركات المحتوى التعليمي. وهذه القطاعات جميعها تحتاج إلى معلمين يمتلكون مهارات متنوعة تتجاوز الإطار التقليدي للتدريس، مثل مهارات التصميم التعليمي وإنتاج المحتوى الرقمي وإدارة الصفوف الافتراضية والتواصل مع الطلاب في بيئات تعليمية متعددة الثقافات.
إن إعادة هيكلة كليات التربية ليست مسألة إدارية أو تنظيمية فحسب، بل هي في جوهرها مشروع وطني لإعادة بناء أحد أهم الأعمدة التي يقوم عليها المجتمع. فحين نعيد التفكير في كيفية إعداد المعلم فإننا في الحقيقة نعيد التفكير في مستقبل التعليم كله، بل في مستقبل الأجيال القادمة التي ستجلس يومًا ما في مقاعد الدراسة منتظرة معلمًا قادرًا على إلهامها وفتح آفاق المعرفة أمامها.
ولذلك فإن الجرأة في اتخاذ قرارات إصلاحية حقيقية لم تعد رفاهية بل ضرورة. فدمج الكليات وتجميد البرامج الضعيفة والتركيز على عدد محدود من المؤسسات المتميزة وتحويلها إلى مراكز متقدمة لإعداد المعلم، كلها خطوات يمكن أن تضع مصر على طريق بناء منظومة تعليمية أكثر كفاءة وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
إن المعلم هو قلب العملية التعليمية، وإذا أردنا أن ينبض هذا القلب بقوة وحيوية فعلينا أن نعيد بناء المؤسسات التي تصنعه، وأن نمنحها الموارد والرؤية والإرادة التي تجعلها قادرة على إعداد معلم يليق بعصر المعرفة وبطموحات وطن يتطلع إلى المستقبل بثقة وإيمان.
