recent
عـــــــاجــــل

عودة الروح.. قصة قصيرة

 

عودة الروح.. قصة قصيرة

عودة الروح.. قصة قصيرة


بقلم: د. سعيد محمد المنزلاوي

كانت تجلس ساكنة، كجذع شجرة اجتثت من فوق الأرض.

كانت الريح تعوي بشدة، وكانت في جلستها أشبه بالأموات.

عبثًا حاولت تنبيهها.

كانت مفتحة العينين، تنظر للا شيء تقريبًا.

بعد محاولات عدة، افتر ثغرها عن كلمتين اثنتين:

 - وفاة الروح.

 لم أفهم مقصدها؛ فنظرتُ إليها بوجه متسائل، فأجابتْ بعد لأي:

 - عندما تموت الروح قبل الجسد، يبقى الجسد قبرًا متنقلًا لرفات الروح.

 كان صوتها يسري جنائزيًّا، باردًا، وبدا وجهها شاحبًا كأوجه الموتى.

 ربت على كتفها، كانت من الخَور والضعف ما جعلها تتثنى بظهرها للأمام؛ حتى تقوس. حاولت أن أعيدها إلى جلستها الأولى، كانت مستسلمة لي كطفل لا يملك من أمر نفسه شيئًا.

 رحت أتفرس في وجهها، وقلت في حزن وشت به نبرة صوتي، وإن حاولت إخفاءه:

 - كم كان وجهك نضيرًا!

 رفعت إليَّ عينين كليلتين، فأردفتُ:

 - يبدو أنك لم تنامي ليلة أمس؟

 تنهدت قبل أن تقول:

 - إنني لم أذق النوم منذ عدة ليال.

 أدهشني ردها، فتساءلت مستنكرة:

 - كيف؟ كيف يمكن للإنسان أن يصبر عن قلة النوم يومًا واحدًا، فضلًا عن عدة ليالٍ؟

 فردت بصوت بلغ من الإعياء مبلغًا عظيمًا:

 - عندما يصاحبك الأرق، لا تسل عن التحمل. عندها يفر النوم، ويتأبى عليك.

 شعرت بالمرارة تقطر من فمها، فقد كانت الكلمات تخرج شاحبة، باهتة حينًا، وأسيانة متورمة حينًا آخر.

 حاولتُ أن أفض بكارة الكلمات، وأن أجعلها تبوح لي بسر حزنها وشجنها، أن تخبرني بتلك الهموم التي تقض مضجعها وتصيبها بالأرق طوال الليل. إلا أنها كانت شحيحة بالجواب، ضنينة بما يبل الصدى. وأمام إلحاحي الكثير استأذنتْ في الانصراف. 

 وقبل أن أجيبها، انصرفت تاركة مقعدها شاغرًا. سارت بعيدًا، وكانت في سيرها أشبه بألسنة اللهب وسط الريح، كانت تتثنى وتتمايل للأمام؛ حتى خشيت عليها أن تسقط، أو ترتطم بالأرض. رحت أتبعها ببصري حتى غيبتها الشوارع وابتلعها الزحام.

 ظللت في مقعدي مشدوهة، أفكر في حال صديقتي، حتى جاءتني رسالة منها عبر الواتساب:

 - آسفة، لا تغضبي مني، إنني فقط متعبة، ولكنني سأصير بخير، اطمئني.

كانت كأنما تخلي مسئوليتي تجاهها، ولكن هيهات، إننا رُوح صُبت في جسدين، ولن أتخلى عنها ما حييت.

 فكتبت لها:

 - إنني بجانبك، ولن أتخلى عنك. ثقي بي.

 واكتفت بأن وضعت قلبًا، ثم أغلقت الهاتف كلية. وعدت أدراجي إلى منزلي، وانهمكت ببعض أعمال المنزل، حتى عودة الأولاد وأبيهم.

 في المساء، أخبرت زوجي بأمر صديقتي، كان يعرف درجة القرب بيننا، وكثيرًا ما أوصاني بها.

 سمَّر عينيه بالسقف لدقائق، وراح يفرك كفيه، وكانت هذه إشارة إلى أنه يفكر بجدية، وسيتحفني بحل فريد.

 انتظرت، ... وطال الانتظار، حتى قضمت أناملي تغيظًا.

 فلما رآني أقضم أناملي، نزعها من فيَّ، ولمعت عينه ببريق آسر، وقال وقد ملأت البسمة وجهه:

 - لقد وجدتها.

فنظرت إليه متسائلة، فقال:

- وجدت الحل.

قلت في لهفة:

- وما هو؟

قال، وهو ينظر في السقف، وكأنه يقرأ نصًا منقوشًا فيه:

- إن صديقتك تمر بأزمة نفسية، إنها تخفي سرًّا ما، ولا تستطيع البوح به، حتى لصديقتها الأثيرة.

 نظرت له في غيظ مَن رجع بخفي حنين:

 - وما الجديد الذي جئت به يا عبقري زمانك؟

 قال في ثقة يُحسد عليها، متجاهلًا جملتي الأخيرة.

 - انتظري، لا تسبقي الأحداث، أنا فقط أضع يديك على الجُرح.

 فقلت كمن مسه الضر:

 - وما مصدر هذا الجرح أيها الطبيب الفذ؟

 ابتلع تهكمي به للمرة الثانية، ثم قال في لهجة من اصطاد صيدًا ثمينًا، بعد مطاردة حامية:

 - فتش عن الرجل.

 - تقصد فتش عن المرأة.

 - لا، لا، لا،هذا بالنسبة للرجل، أما المرأة، ففتش عن الرجل.

 تقصد أنها تمر بتجربة حب؟

 - بكل تأكيد، وهي تذوق فيها الأمَرَّين، وهذا ما جعلها تشعر بالتوتر والقلق.

 ونظر نحوي زوجي، ففهمت أنه يريد أن أقوم بعصر مخي؛ ربما أتذكر شيئًا أخبرتني به عن كنه هذا الرجل.

 - بالفعل، ذكرت لي موقفًا عرضًا، عن محاولة أحدهم التقرب منها، ولكنها كانت تصده.

 نظر لي زوجي شبه يائس:

 - هل ذكرت شيئًا آخر؟

 - لا.

 - حدجني زوجي بنظرة كادت تقتلعني من مكاني، ثم نصحني بالنوم.

 وكنت بالفعل مرهقة، فنمت بمجرد أن وضعت رأسي على الوسادة. ولكني انتبهت عند منتصف الليل؛ لأتفاجأ بزوجي يقظًا، ولم يبد عليه أنه ذاق طعم النوم.

 - هل نمت؟

 تلعثم، قبل أن يجيب بالنفي. ثم ولاني ظهره وأطفأ السراج ونام.

 لم أستطع النوم بعدها، لا سيما وأنه كان يتململ في فراشه. ساورني القلق، ورحت أستعيد كل ما دار بيني وبينه، وبيني وبين صديقتي؛ حتى غلبني النوم.

 في الصباح، سبقني زوجي إلى النهوض، وصنع لنفسه إفطارًا سريعًا، وتعلل بأن لديه أعمالًا مهمة هذا اليوم، واعتذر عن اصطحاب الأطفال معه ككل يوم. 

 فقمت نيابة عنه بهذا الأمر. كان الطريق إلى مدرسة الأطفال يبعد عن البيت ميلًا، وكان ثمة طريق آخر يمر عبر   

المنازل والمحلات، فسرت فيه عند العودة، ورحت أتسلى بمشاهدة واجهات المحلات وقراءة اللافتات والإعلانات على أعمدة الإنارة. 

 وبينما كنت أسير، عبرت سيارة أجرة، كانت تستقلها صديقتي وبجوارها رجل يشبه زوجي. 

 - تُرى، هل كانا معًا؟

 كادت الظنون أن تقتلع رأسي من موضعه. اتصلت بزوجي، فلم يرد. فاتصلت بصديقتي، كان هاتفها مغلقًا؛ مما زاد من شكوكي.

 لا أدري كيف عدت إلى المنزل، وانتظرت على لهيب الجمر حتى عاد زوجي في المساء. واجهته بما رأيت، نفى بشدة، وراح كعادته يمزح معي؛ في محاولة أن يصرفني عن الأمر. أوهمته بأنني اقتنعت، فربما تشابه عليَّ، ولكني كنت أدبر لاكتشاف الحقيقة بنفسي.

 مرت الأيام التالية ثقيلة، وشحيحة بالعواطف، لم أتصل فيها بصديقتي، ولم تتصل هي بي. 

 لاحظ زوجي تغيري وفتوري عنه، تعللت بالإرهاق من أعمال المنزل. طلب مني أن أعاود الطبيب، ولكني قلت له:

 - لا تراعي، إن الأمر لا يستحق.

 حاول أن ينطق ببعض الكلمات، لكنه وأدها على شفتيه. وانصرف كلٌّ منا لشأنه.

 مرت الأيام التالية جافة كئيبة، كنت أراقب تصرفات زوجي، وأفسرها بشيء من الريبة، ولاحظ هو تتبعي له؛ فازداد حرصًا. لم يكن لهاتفه كلمة سر، فقام بصنعها.

 وتلهيت بهذه المراقبة عن صديقتي، فلم أعد أسأل عنها. كان كل ما يشغلني، هل ثمة علاقة بينها وبين زوجي؟

 لم يكن زوجي يحب الخروج من المنزل، ما إن يعود من عمله في المساء، حتى يظل به إلى اليوم التالي، وفي أيام العطلات، لا يغادر المنزل البتة.

 لكنه ـ هذه الأيام ـ صار يتأخر عن موعد عودته، ويخرج في العطلة الأسبوعية ويعود متأخرًا.

 وكانت النيران تستعر في صدري، وأنا أتخيل خيانته لي مع صديقتي الأثيرة. 

 وبينما كنت أصطلي بنار الشك، جاءتني رسالة صوتية على (الواتساب) من صديقتي، كانت تبكي بشدة، وترجوني أن أزورها في منزلها فورًا. سألتها:

 - ماذا بك؟

 كانت قد أغلقت الهاتف، وكانت هذه عادتها.

 خلال عشر دقائق، كنت أنا وهي وجهًا لوجه.

 كانت شاحبة، أفشت ارتعاشة يديها أنها لم تذق النوم ليال متتابعات. سألتها في وجوم:

 - ماذا بك؟ أخبريني.

 كادت أن تسقط أرضًا، فاحتملتها إلى أقرب مقعد. جلستْ مطرقة الرأس، دنوت منها، ضممتها إلى صدري، كان لقلبها وجيف كالمرجل. توسدت كتفي؛ حتى خفَت وجيف قلبها وتوقفت رعشتها، فنزعتها من حضني، ولكنها تشبثت بي أكثر، ودفنت رأسها في صدري وأجهشت بالبكاء. بعد أن هدأت، جلسنا نحتسي الشاي، والذي صنعتُه بنفسي. أخذتْ رشفة من الشاي، وابتسمتْ:

 - ما أحلى مذاق الشاي الذي تصنعينه! هنيئًا لزوجك، أظنه أدمن شرب الشاي من يديك.

 - زوجي؟ 

 وابتسمتْ في فتور، ووجدت تلك الإشارة فرصة لاستكناه العلاقة بينها وبين زوجي، فقلت في ثقة أُحسد عليها:

 - إن زوجي لا يشرب الشاي إلا من يدي.

 ابتسمتْ، فبدت ثناياها ناصعة، وتمتمت بكلام غير مفهوم، ثم عادت إلى الصمت.

 رحت أحملق في عينيها؛ لعلني أقرأ فيهما ما حاولت هي إخفاءه عني. لكنهما كانتا خرساوين، لا تفصحان عن شيء البتة. 

 افترت شفتاي عن كلمة، لكنني وأدتها في مهدها. لاحظت هي ذلك، فضربت بكفيها على فخذي، واتسعت حدقة عينيها، وقالت:

 - أعرف أنك تتشوفين لمعرفة سر حزني وصمتي.

 طأطأت رأسي أكثر من مرة. سرحت ببصرها ـ عبر الشرفة ـ نحو الأفق، خُيِّل إليَّ أنها تقرأ من كتاب الغيب. تنهدتْ أكثر من مرة قبل أن تقول:

 - لا أكتمك القول، لقد كانت تجربة جدُّ مريرة.

 أخذتْ رشفة من كوب الشاي، فبدا صوتها أكثر صفاء، وهي تقول:

 - لا يمكن أن أنسى وقوفه بجانبي.

 اتسعت حدقا عيني، وصوبتهما على شفتيها؛ لألتقط منهما الكلام الذي أنتظره على أحر من الجمر، ولكنها خيبت ظني، ولاذت بالصمت. فقلت لها في لهفة:

 - مَن هو؟ مَن تقصدين؟ 

 ابتسمت، وقد لمعت عيناها ببريق عجيب، وراحت تراقب السحاب المسافر في الأفق.

 - مَن؟

 وهززتها؛ كي أستحثها على الكلام.

 - زوجك.

 دق قلبي بشدة، وأنا أصرخ في وجهها:

 - وماذا بينك وبين زوجي؟

 قالت، وقد أصابها شيء من الذعر:

 - لا يوجد شيء بيني وبين زوجك. لا يمكن أبدًا أن أخون صديقة عمري.

 - ماذا بينك وبين زوجي.

 كان صوتي هذه المرة أكثر حدة.

 طوقتني بذراعيها قبل أن تقول:

 - زوجك كان السبب في أن يعيده إليَّ.. أعني حبيبي.

 - وما علاقة زوجي بذلك؟

ابتسمت قبل أن تقول:

 - لأنه زميله في العمل. 

ثم ربتت على فخذي، وقالت في امتنان:

 - لقد بذل زوجك جهدًا كبيرًا حتى أعاده إليَّ.

 انتظم نبض قلبي، وشعرت كأنما كانت صخرة تجثو على صدري، فانزاحت عنه. 

 وسرحت في خيالاتي المريضة الفترة الماضية، وشعرت كم تجنيت على زوجي وصديقتي. أفقت من تأملاتي على قولها لي:

 - قريبًا أدعوكما لحفل الزفاف.

 انشرحت أساريري، وضممتها إلى صدري، واستأذنتها في الانصراف؛ لاصطحاب الأولاد من المدرسة.

 في المساء، عاد زوجي من عمله، أنمت الأولاد مبكرًا بعد أن تناولوا عشاءهم، وأعددت لزوجي عشاء يحبه على ضوء الشموع والموسيقا.

 بعد أيام كنا مدعوين لحضور حفل زفاف صديقتي، مع الوقت قلَّت أخبارها عني، لكنها كانت سعيدة في حياتها، خاصة بعد أن رُزقت بطفلها الأول.


google-playkhamsatmostaqltradent