recent
عـــــــاجــــل

حوار الأديان جسور إنسانية في فكر علي محمد الشرفاء الحمادي ودور مؤسسة رسالة السلام في تعزيز التواصل مع الكنائس العالمية

 

حوار الأديان جسور إنسانية في فكر علي محمد الشرفاء الحمادي ودور مؤسسة رسالة السلام في تعزيز التواصل مع الكنائس العالمية



حوار الأديان جسور إنسانية في فكر علي محمد الشرفاء الحمادي ودور مؤسسة رسالة السلام في تعزيز التواصل مع الكنائس العالمية


إعداد: د. معتز صلاح الدين

مستشار المركز الديمقراطي لدراسات الشرق الأوسط – نورث كارولينا

 

تشهد الساحة الدولية خلال العقود الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في التوترات ذات الخلفيات الدينية والثقافية، الأمر الذي جعل قضية الحوار بين الأديان واحدة من أهم القضايا المطروحة على أجندة العلاقات الدولية والفكر الإنساني المعاصر. فقد أدركت العديد من المؤسسات الفكرية والدينية أن مواجهة التطرف والصراعات الحضارية لا يمكن أن تتحقق عبر الصدام أو الإقصاء، بل من خلال ترسيخ ثقافة الحوار وبناء جسور التفاهم والتعاون بين أتباع الديانات المختلفة.


وفي هذا الإطار يبرز المشروع الفكري للكاتب والمفكر علي محمد الشرفاء الحمادي بوصفه أحد المشاريع الفكرية العربية التي تسعى إلى إعادة تقديم رسالة الإسلام بوصفها رسالة سلام ورحمة للعالمين. ويرتكز هذا المشروع على قراءة إنسانية للنص القرآني تؤكد أن الإسلام يدعو إلى بناء علاقات إنسانية قائمة على العدل والحرية والاحترام المتبادل بين البشر، بصرف النظر عن اختلاف عقائدهم أو ثقافاتهم.


وقد ترجمت هذه الرؤية الفكرية إلى عمل مؤسسي من خلال مؤسسة رسالة السلام العالمية التي تسعى إلى نشر ثقافة التعايش الإنساني وتعزيز الحوار بين الأديان، إلى جانب تصحيح العديد من المفاهيم المغلوطة عن الإسلام في المجتمعات الغربية، والعمل على فتح قنوات للتواصل مع المؤسسات الدينية والثقافية حول العالم.


يقوم المشروع الفكري الذي يطرحه المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي على مجموعة من المبادئ المستمدة من القيم القرآنية التي تشكل أساساً متيناً للحوار بين أتباع الديانات المختلفة. ومن أبرز هذه المبادئ التأكيد على وحدة الأصل الإنساني، حيث يرى أن البشرية تنتمي إلى جذور إنسانية واحدة، وأن التنوع الديني والثقافي ينبغي أن يكون دافعاً للتعارف والتكامل الحضاري، وليس سبباً للصراع أو التنازع.


كما يؤكد هذا الفكر على مبدأ حرية الاعتقاد باعتباره أحد الركائز الأساسية التي يرسخها القرآن الكريم، حيث يقوم الإيمان في جوهره على الاختيار الحر، وهو ما يجعل الحوار الصادق بين الأديان قائماً على الاحترام المتبادل لا على فرض القناعات.


ومن بين القضايا المركزية التي يتناولها المشروع الفكري لعلي محمد الشرفاء الحمادي رفض استخدام الدين كأداة للعنف أو الصراع، إذ يرى أن الكثير من النزاعات التي تُنسب إلى الدين في العالم المعاصر هي في حقيقتها نتيجة لتفسيرات بشرية خاطئة للنصوص الدينية، بينما يؤكد النص القرآني في جوهره قيم الرحمة والعدل والسلام.


كما يشدد هذا المشروع الفكري على أهمية التعاون الإنساني بين أتباع الديانات المختلفة في مواجهة التحديات العالمية التي تهدد البشرية، مثل الفقر والعنف والتطرف، مؤكداً أن العمل المشترك بين المؤسسات الدينية يمكن أن يسهم في تعزيز الاستقرار والسلام العالمي.


ومن أجل تحويل هذه الأفكار إلى واقع عملي، جاءت مؤسسة رسالة السلام العالمية لتكون منصة مؤسسية لنشر ثقافة الحوار والتقارب بين الأديان. فقد عملت المؤسسة على تنظيم العديد من الندوات الفكرية والفعاليات الثقافية التي تركز على القيم المشتركة بين الأديان، كما سعت إلى بناء جسور التواصل مع الكنائس والمؤسسات الدينية في أوروبا وعدد من دول العالم.


وفي إطار هذا التوجه حرصت المؤسسة على إجراء لقاءات مباشرة مع عدد من القيادات الدينية المسيحية، بهدف تعزيز الحوار الإسلامي المسيحي وبناء مساحات مشتركة من التفاهم. ومن أبرز هذه اللقاءات اللقاء مع وفد مجمع الأساقفة الألمان، حيث تناولت المناقشات أهمية التعاون بين المؤسسات الدينية والفكرية في مواجهة خطاب الكراهية والتطرف وترسيخ ثقافة السلام بين الشعوب.


كما شهدت إحدى فعاليات المؤسسة مشاركة مدير معهد الدومينيكان للدراسات الشرقية، وهو أحد المراكز الأكاديمية المعروفة بدراساتها المتخصصة في الحوار الإسلامي المسيحي، حيث أسهم حضوره في إثراء النقاشات الفكرية حول المشتركات الحضارية بين الإسلام والمسيحية وسبل تطوير الحوار الديني على أسس علمية وإنسانية.


وامتدت جهود المؤسسة كذلك إلى عدد من الكنائس والمؤسسات الدينية في أوروبا، حيث قام وفد من مؤسسة رسالة السلام بزيارات متعددة هدفت إلى عرض رؤية المؤسسة بشأن السلام العالمي وأهمية التعاون بين الأديان في مواجهة التحديات المشتركة. وقد ركزت هذه اللقاءات على إبراز القيم الإنسانية التي تجمع بين الأديان السماوية مثل الإيمان بالله والعمل الصالح واحترام كرامة الإنسان.


ومن بين الإسهامات الفكرية المهمة التي قدمها المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي في مجال الحوار الديني كتاب الإسلام يشهد بصحة العقيدة المسيحية، الذي يمثل محاولة فكرية جادة لفتح آفاق جديدة للحوار الإسلامي المسيحي من خلال قراءة قرآنية تؤكد احترام الإسلام لرسالة السيد المسيح عليه السلام وإبراز القيم المشتركة بين الديانتين.


وقد حظي هذا الكتاب باهتمام ملحوظ في عدد من الأوساط الفكرية الدولية، حيث اعتُبر مساهمة فكرية تسعى إلى بناء جسور التقارب الحضاري بين المسلمين والمسيحيين وترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل والتعايش السلمي بين أتباع الديانات.


وفي إطار دعم هذا التوجه جرى ترجمة الكتاب إلى عدة لغات أوروبية وطباعة نسخ منه وتوزيعها في عدد من الدول الأوروبية، بهدف التعريف بالرؤية الإسلامية التي تقوم على احترام العقيدة المسيحية والاعتراف برسالة السيد المسيح، الأمر الذي أسهم في فتح مساحات جديدة للحوار الفكري بين المسلمين والمسيحيين في أوروبا.


كما تم تقديم الكتاب خلال عدد من اللقاءات التي عقدها وفد مؤسسة رسالة السلام مع الكنائس والمؤسسات الدينية الأوروبية، حيث اعتُبر نموذجاً عملياً للحوار الديني الذي يستند إلى النصوص المشتركة والقيم الإنسانية الجامعة بين الأديان.


وتكشف هذه المبادرات الفكرية والمؤسسية عن دلالات مهمة في مسار الحوار الديني المعاصر، إذ تؤكد أن الحوار الحقيقي لا يقتصر على التنظير الفكري، بل يحتاج إلى مبادرات عملية ولقاءات مباشرة تسهم في بناء الثقة بين أتباع الديانات المختلفة.


كما تسهم هذه اللقاءات في تصحيح العديد من الصور النمطية المتبادلة بين المجتمعات الدينية، وتبرز القيم المشتركة التي تجمع بين الأديان مثل العدل والرحمة والسلام واحترام الإنسان.


ويمثل المشروع الذي تقوده مؤسسة رسالة السلام نموذجاً عربياً للحوار بين الأديان يقوم على المرجعية القرآنية وقيم التعايش الإنساني، وهو ما يمنحه أهمية خاصة في ظل التحديات الفكرية والسياسية التي يشهدها العالم المعاصر.


ورغم أهمية هذه الجهود فإن الحوار بين الأديان لا يزال يواجه عدداً من التحديات، من بينها انتشار الخطابات المتطرفة التي تحاول توظيف الدين في الصراعات السياسية، إلى جانب استمرار بعض الصور النمطية السلبية بين المجتمعات الدينية المختلفة.


ومع ذلك فإن استمرار المبادرات الفكرية والمؤسسية التي تعمل على تعزيز ثقافة الحوار والتفاهم يظل ضرورة إنسانية ملحة في عالم يشهد تحولات سياسية وثقافية متسارعة.


وفي ضوء ذلك يؤكد المشروع الفكري للمفكر علي محمد الشرفاء الحمادي أن الحوار بين الأديان ليس مجرد نشاط ثقافي أو فكري، بل يمثل أحد أهم المسارات الإنسانية لحماية العالم من الصراعات الدينية والحضارية، وترسيخ ثقافة السلام والتعايش بين الشعوب.


وقد نجحت مؤسسة رسالة السلام العالمية في ترجمة هذه الرؤية إلى مبادرات واقعية من خلال اللقاءات مع الكنائس والمؤسسات الدينية في أوروبا، إلى جانب نشر الكتب الفكرية التي تدعم الحوار والتقارب بين أتباع الديانات، وهو ما يجعل هذا المشروع تجربة مهمة يمكن البناء عليها لتطوير مسارات جديدة للحوار الديني تقوم على القيم المشتركة والاحترام المتبادل والسعي المشترك لتحقيق السلام العالمي.


google-playkhamsatmostaqltradent