فتحية حماد تكتب: الست فكيهة .. ثروة لا تبوح بها الأرصفة
في أحد أحياء جاردن سيتي الهادئة، وبين طريق يومي عابر اعتدنا عليه دون انتباه، ظهرت "الست فكيهة" كوجه ثابت على الرصيف. سيدة سبعينية، تبدو عليها آثار الفقر والمرض، جسد منهك وملامح يكسوها التعب، جعلت المارة يتعاملون معها باعتبارها واحدة من حالات العجز الإنساني الصريح.
كانت تجلس في مكانها المعتاد، تتسول ما تيسر من المال والطعام، وتثير تعاطف كل من يمر بها. بالنسبة لنا ولغيرنا، كانت مثالًا حيًا لمعاناة كبار السن الذين تُركوا وحدهم في مواجهة الحياة.
في عام 2010، وأثناء عملي في جريدة "24 ساعة"، كان طريقي اليومي أنا وصديقتي فاتن أبو كريشة يمر بين شارعي القصر العيني وعمر مكرم، حيث التقينا بها لأول مرة.
سيدة سبعينية، قصيرة القامة، منحنية الظهر، بوجه شاحب وعينين مثقلتين بحزنٍ يكفي ليحكي عمرًا كاملًا من القسوة.
كانت تبدو كأنها صورة مكثفة لكل ما يمكن أن يفعله الزمن بإنسان.
كنا نراها كل يوم، ويمر اليوم وكأننا نحمل معنا جزءًا من حزنها. لم نكن نملك الكثير، لكننا كنا نعطيها ما نستطيع: بعض المال، ساندويتش بسيط، وربما دعاء صادق من القلب.
وفي يوم، طلبت منا أن نأخذها إلى طبيبة في السيدة زينب تعالجها مجانًا. لم نتردد. أوقفنا لها سيارة أجرة، وتواصلنا مع الطبيبة، وتركناها هناك، ونحن نشعر أننا قمنا بشيء صغير في عالم كبير من التقصير.
ومن يومها، لم تعد "فكيهة" مجرد سيدة في الشارع، بل أصبحت فكرة…
فكرة أن هناك "كبار شوارع"، كما يوجد أطفال شوارع، وأن هؤلاء أولى بالرعاية في نهاية رحلة أنهكتهم.
حلمنا وقتها بإنشاء مؤسسة كبيرة، تكون مأوى لهم، بيتًا دافئًا بدل الأرصفة الباردة. تحدثنا مع زملائنا، وانتشرت الحكاية، وصار كل من يراها يحاول مساعدتها.
تمر الايام حتى اكتشفنا ان الرصيف يخلو من جسدها النحيف ولم يسجل حضورها فقد غابت فيها لعدة أيام طويلة ، كما يغيب الكثيرون دون أثر. وظننا أن الرحلة انتهت، وأنها رحلت بصمت كما عاشت. حزنّا عليها، وبكيناها، وعدنا نحمل خوفًا خفيًا: هل يمكن أن نصبح مثلها يومًا؟
لكن المفاجأة جاءت من حيث لا نتوقع.
ظهر اسم "فكيهة" مجددًا… على شاشة التلفزيون.
ليس كحكاية فقر هذه المرة، بل كضحية جريمة.
قيل إن مجموعة من اللصوص استغلّوها وسرقوا منها ثلاثة ملايين جنيه.
وهكذا انتهت "الست فكيهة" في وعي الناس كقصة إنسانية
لكن ظهرت في قصة جديدة صادمة، قصة امرأة أخفت الحقيقة حتى آخر لحظة، وتركَت الجميع يكتشف متأخرًا أن ما رأوه لم يكن سوى الجزء الظاهر من حياة كاملة كانت مخفية خلف رصيف بارد.
ويبقى السؤال:كم "فكيهة" أخرى ما زالت بيننا… نراها كل يوم، ونفهمها بشكل خاطئ؟
